الحكومة لا تقيم وزنا لمجلس النواب… والمشاركون في الحوار الوطني عليهم ألا ينسوا «عيش حرية كرامة اجتماعية»

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: “الرئيس بيزعل من الناس اللي مش فاهمة، لكن داخليا عنده يقين ومقتنع بأن اللي في مصلحة بلده هيعمله”. وأضاف وزير النقل الفريق كامل الوزير، أن السيسي، يتأثر بالشائعات التي تستهدف الدولة والقوات المسلحة، مشيرا إلى أن البعض يروج تلك الشائعات لرغبتهم في عدم تقدم الدولة. واستطرد: “الرئيس ملوش دعوة الناس هتقول إيه، آه بيسمعه عشان لو حاجة مغلوطة يرد عليها ويبصر الناس ويوضح لهم في كلامه، لكن هو بشر بيتأثر وبياخد على خاطره شوية لما يلاقي الناس بتردد شائعات وكلام مغلوط وغير مفهوم”. وأشار إلى أن جهاز الخدمة الوطنية، جهاز مدني يعمل على توفير احتياجات القوات المسلحة من الملابس والأكل، قائلا، إن ما يزيد في مصانعه من إنتاج يمنحه للشعب المصري. وأكد أن “القوات المسلحة من الشعب المصري وملك لها”..
وأمس الاثنين 15 مايو/أيار اهتمت صحف القاهرة كذلك على نطاق واسع بجولة الرئيس السيسي في “العوينات”، حيث افتتح مصنعا لإنتاج البطاطس وأطلق تصريحات بدا من خلالها أنه واثق من أن مصر ستعبر الصعاب، وكشف عن الجهود التي تبذلها الحكومة لزيادة إنتاج مصر من القمح.
وأمس أيضا كان البرلمان على موعد مع معركة ضد الوزير المعني بأمور المساجد، فقد شن نواب البرلمان هجوما حادا ضد الوزير محمد مختار جمعة، مؤكدين أن أوضاع بيوت الله باتت في حالة يرثى لها في عهده، وبدوره ندد النائب عبدالمنعم إمام بوزير الأوقاف بسبب أحوال الوزارة قائلا: “إلى وزير الأوقاف، “اتقي الله وأرحل”، وتابع: “هيئة الأوقاف هي الوحيدة في مصر على مدار سنوات في تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات تسير بالأساس النقدي، وليس أساس استحقاق، وهذا ما يسبب خللا في الإيرادات والمصروفات، وفي العام الماضي وقبله، وجهت الهيئة 45 مليون جنيه مصروفات ثابتة في غير موضوعها، والوزير يتباهى ببناء 10 آلاف مسجد، ولا يقول لنا كم منها قام الأهالي ببنائها من تبرعاتهم، وتساءل النائب: كيف من أجل طلب نقل إمام من مسجد لآخر لا بد من موافقة الوزير؟ أين وكلاء الوزارة، وهيكلها وإداراتها؟ فيما قال النائب إيهاب عبدالعظيم: هناك 3 آلاف من العاملين في الأوقاف منذ عام 2010 تضرروا من خلال مسابقة الأئمة، ولم يتم تثبيتهم ويتقاضون 1400 جنيه فقط، ومازالوا حائرين بين وزارة الأوقاف وجهاز التنظيم والإدارة للعمل على تثبيتهم، وقال النائب فتحي قنديل: إنه يوجد 3500 مسجد على مستوى الجمهورية فيها مشاكل، ويوجد في الوزارة فائض 2 مليار جنيه من صندوق الوقف الخيري، “أحنا عاوزين نشوف الفلوس دي بتروح فين”.
ومن أخبار الحكومة: أعربت السفيرة سها جندي وزيرة الهجرة عن أهمية تنفيذ حملات “طرق الأبواب”، في إطار تنفيذ المبادرة الرئاسية “مراكب النجاة” للتوعية بمخاطر الهجرة غير الشرعية، مؤكدة على الدور الإيجابي لتلك الحملات في الوصول لشرائح متعددة من النساء المصريات في القرى المصدرة للهجرة غير الشرعية، مشيرة للتأثير الكبير لحملات “طرق الأبواب” التي تنفذها الوزارة بالتعاون مع المجلس القومي للمرأة، حيث أن المرأة على رأس الفئات المستهدفة لكونها صاحبة التأثير في قرار أبنائها نحو الهجرة غير الشرعية أو العكس. ومن أخبار سيناء: أعلنت مديرية التموين والتجارة الداخلية في شمال سيناء، عن توفير الأضاحي للمواطنين بأسعار مناسبة من خلال الجمعيات التعاونية الفئوية بالنقد والتقسيط. وأكدت أماني رسلان وكيلة وزارة التموين والتجارة الداخلية في شمال سيناء، على تفعيل دور الجمعيات الفئوية لتوفير المستلزمات والاحتياجات الأساسية للعاملين والمواطنين من خلال منافذ تلك الجمعيات.
برلمان نائم

في الدول الديمقراطية التي تضبط نصوص الدستور فيها العلاقات بين مؤسسات الحكم، يذهب ممثلو السلطة التنفيذية إلى البرلمان لنيل الموافقة على أي قرار أو مشروع، وفي سبيل الحصول على تلك الموافقة كما أشار محمد سعد عبدالحفيظ في “الشروق”، يقدم الوزراء لنواب الشعب شرحا وافيا ودراسة مستفيضة عن المشروع المقترح، على أن تشمل التكلفة والجدوى والبدائل.. أما في بلادنا فيحضر الوزير جلسات المجلس النيابي لاستكمال الشكل ليس إلا، فالقرارات قد تكون صدرت بالفعل والمشروعات قيد التنفيذ، على اعتبار أن «زيت الحكومة في دقيق البرلمان»، وأن الشرح والعرض والمناقشة مضيعة للوقت. الأسبوع الماضي قابلت حكومتنا غضب عدد من النواب على استمرارها في سياسة الاستدانة والاقتراض، بتقدمها بطلب للموافقة على قرض جديد يتعدى الـ2 مليار يورو لتنفيذ مشروع الخط الأول لشبكة القطار الكهربائي السريع، الذي تم التعاقد على تنفيذه مع تحالف يضم شركة ألمانية وشركتين مصريتين. العرض الذي تفضل وزير النقل كامل الوزير بطرحه على نواب المجلس لإقناعهم بالموافقة على قرض لتنفيذه ليس أكثر من «تحصيل حاصل»، فالمشروع دخل حيز التنفيذ بالفعل، والحكومة ممثلة في الهيئة القومية للإنفاق تعاقدت قبل نحو عام مع التحالف الفائز بالمشروع، بعدما وقعت اتفاقا مع مجموعة من البنوك الأجنبية التي ستقوم بتمويله بقرض سيتم سداده على مدى 14 عاما، حسبما نشرت الصحف حينها. وفي نهاية الجلسة التي تم تخصيصها لمناقشة الحساب الختامي للموازنة العامة التي شهدت انتقادات حادة من نواب المعارضة لسياسة الاقتراض، ووصول الدين الخارجي إلى حد الخطر، قال الوزير إنه جرى الانتهاء من 45% من أعمال الخط الأول للقطار الكهربائي السريع. وعندما طلب عدد من النواب الاطلاع على دراسة الجدوى الخاصة بالمشروع ومناقشتها، رفض الوزير، فما جدوى اطلاع السادة نواب الشعب على دراسة مشروع بدأ تنفيذه بالفعل، وقال موجها خطابه لهم: «النهاردة جايين لحضراتكم لاستكمال الحلقة.. جايين نكمل القانون بالقرض.. ده نهجنا.. شغالين مش لسة بنفكر.. علشان نكسب وقت.. نفسي نسبق بكم وبالشعب المصري إن شاء الله».

كله بالدستور

كلمة وزير النقل لا يفهم منها وفق ما يرى محمد سعد عبدالحفيظ، إلا أنه جاء فقط لاستكمال الشكل واستيفاء الإجراء الدستوري، فلا وزن ولا رأي لنواب المجلس الموقر، فالوزير على يقين أن طلبه لن يُرفض وسيتم تمريره، ولا مانع من التعامل مع بعض الانتقادات التي يوجهها نواب المعارضة، الذين يمثلون أقلية الأقلية، المهم أنه ضامن وواثق في موافقة الأغلبية مهما كانت الاعتراضات، ومهما بلغ الغضب الشعبي مداه. بالتعبير الشعبي الحكومة «سلخت قبل أن تذبح»، تعاقدت واتفقت على القرض وبدأت في التنفيذ، وبعدها ذهبت لنواب الشعب كي يوافقوا وهو ما جرى، ضربت السلطة التنفيذية كعادتها بالدستور عرض الحائط، وتجاهلت الإلزام الدستوري الذي لا يجيز لها «الاقتراض، أو الحصول على تمويل، أو الارتباط بمشروع غير مدرج في الموازنة العامة المعتمدة يترتب عليه إنفاق مبالغ من الخزانة العامة للدولة لمدة مقبلة، إلا بعد موافقة مجلس النواب». بعدما عرض الوزير طلبه بالموافقة على القرض، هاج بعض النواب عليه كما سبق لهم أن هاجوا على زميله محمد معيط وزير المالية عند استعراضه الحساب الختامي والموازنة العامة، لكن لا حياة لمن تنادي، فأصحاب القطار السريع ماضون بسرعة قطارهم نفسها في الطريق ذاته وليس لديهم نية في أي مراجعة أو اعتراف بالخطأ. أقر وزير المالية خلال الجلسة البرلمانية بأن هناك أزمة اقتصادية طاحنة، لكنها ليست من صنع الحكومة، بل هي «ارتداد للأزمة العالمية»، وحتى إن كان ذلك كذلك، فكان أولى بالسلطة التنفيذية التوقف عن سياسة الاقتراض وإهدار المليارات على ما لا يدخل تحت بند الضرورة القصوى، إنفاذا لتعهدها بـ«ترشيد الإنفاق العام في الجهات الداخلة في الموازنة العامة، وتأجيل تنفيذ المشروعات التي لها مكون دولاري» وفقا لقرارها المنشور في الجريدة الرسمية في يناير/كانون الثاني الماضي. لو كانت الحكومة التي وصفها النائب أحمد الشرقاوي بـ«المقاول الفاشل في إدارته لمشروعاته»، تقيم وزنا لهذا البرلمان، ما أقدمت على توقيع اتفاق والبدء في مشروع قبل أن تحصل على موافقة ممثلي الشعب، لكنها تدرك تماما أنها فوق المحاسبة، فنواب المجلس الموقر لا يملكون ممارسة أي دور رقابي، اللهم إلا بعض الأدوات التي تدخل تحت بند «ذر الرماد في العيون». يثق وزراء السلطة التنفيذية أنهم سيعودون إلى مكاتبهم وهم حاصلون على موافقة الأغلبية، التي تم تشكيلها خصيصا لدعم سياساتهم وقراراتهم ومشروعاتهم.

معدة سلفا

يأتي التصعيد الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني من وجهة نظر السفير محمد بدر الدين زايد، وفق ما أوضح في “المصري اليوم”، ليس فقط لأنه خطة واضحة وضرورية لتنفيذ مخططات الائتلاف الحاكم، ولكن أيضا لأن هذه تقاليد للسياسة الإسرائيلية لتصدير وتنفيس الضغوط الداخلية، وتحويل الانتباه في اتجاه آخر، وكتعويض للقوى المتشددة في مقابل تأجيل خططها القانونية سابقة الذكر، ويوفر هذا التصعيد ميزة أخرى، وهي أنه يوحد الحكومة والمعارضة، ومن ثَمَّ يكاد يكون الاعتباران معا في حالة تنافس وتصارع لخنق الشعب الفلسطيني ومطاردته والتضييق عليه، من هنا رأينا الاقتحامات المتكررة للمدن والأحياء الفلسطينية وللمقدسات الدينية الإسلامية والمسيحية، خاصة المسجد الأقصى، والهدف واضح، وهو مواصلة التوسع الاستيطاني، وكسب الأراضي وإجبار أصحاب الأرض الشرعيين على الخروج، وهو ما لن يحدث، وكذلك استفزاز الفصائل الفلسطينية على رد الفعل، وقد تمسكت أغلبها في البداية بقدر من ضبط النفس، ومن ثَمَّ مارست إسرائيل خطوات استفزازية إضافية بتجاهل إضرابات الأسرى، ولم تكتفِ بهذا، بل لجأت إلى عمليات الاغتيال الأخيرة لضمان حدوث ردود فعل وتصعيد إضافي تفترض دوما أنه يناسبها لتحقيق المزيد من مخططات الاستيطان. وكالعادة، أكدت هذه الخطوة حجم المخاطر والتهديدات في المواجهة للطرفين وفي المنطقة، وحتى بالنسبة لأوهام إسرائيل بتحقيق أمن لن يحدث أبدا، من دون عدالة وتحقيق لحقوق الشعب الفلسطيني، وتدرك مصر كالعادة حتمية تدخلها لمنع المزيد من المعاناة الفلسطينية. التصعيد الإسرائيلي يأتي هذه المرة في ظل تحولات إقليمية متضاربة في ساحات الصراع فيها، التي أشرنا إليها في البداية، والتي تحمل ضمنا مقاربات مختلفة في التعاطي مع دول الجوار، خاصة إيران، وجاء الانفجار السوداني ليأخذ الانتباه في اتجاهات أخرى، وفي ما يبدو أيضا كانت إسرائيل تراهن أيضا على انشغال المنطقة والعالم بالتطورات الإقليمية، فضلا عن الصراع الأخطر في الحرب الأوكرانية لتحقيق مكاسب جديدة على الأرض لتُذكِّر العالم العربي مرة أخرى بأن مثل هذا النهج المتكرر لا يقدم فرصة حقيقية لاستيعاب إسرائيل في المنطقة، ومواصلة المكاسب المجانية التي قدمتها لها إدارة دونالد ترامب، وما لا تدركه إسرائيل أن هذه المكاسب هشّة، وتستند أساسا إلى حالة الخلل العربي، وليست بالضرورة أمرا لا مخرج منه، فالأوراق تتبدّل، وقد تفرز سياقات جديدة تفرغ هذه المكاسب الإسرائيلية من مضمونها، وفي كل الأحوال على الجانب الفلسطيني ومَن يخلص في دعمه إدراك صعوبة التحديات الراهنة وأهمية التحسُّب لما تريد إسرائيل فعله.

حوار الطرشان

من بين المتفائلين بشدة بالحوار الوطني الذي يعقد حاليا عصام شيحة في “المصري اليوم”: ما نشهده من سخونة الحوار هو الدليل على أن مصر لن تسقط، وأنها دخلت حراكا جيدا، بل “عملية إصلاح” متسارعة، وتتعالى المناوشات ما بين الحكومة والمعارضة، ولكن في ظل إطار الحرص على استقرار الدولة المصرية، ووسط قناعة راسخة بأن الوطن مِلْك للجميع، وأن المستقبل يجب أن نشارك جميعا في رسمه، وإزالة العثرات من طريقه، وأن نحقق معا حلم الدولة المدنية المستقرة والقوية بمؤسساتها، والقادرة بما تملكه من آليات سلمية أن تعدل من السياسات، وأن تعبر الأزمات الطاحنة من خلال المصارحة والمشاركة والحوار. ومن الأمور المبشرة أننا جميعا نشهد حرص النظام على تكييف استراتيجيته لمواكبة التحولات التي يمر بها الوطن، وتطلعات ومخاوف مواطنيه، فقد أعلن رئيس الوزراء عن وقف الدخول في أي مشروعات جديدة، فضلا عن سياسات تقشفية، ومزيد من إجراءات تشجيع الاستثمار والقطاع الخاص. وفي الوقت نفسه تسارعت خطوات الإصلاح السياسي إلى جانب تنويع الاقتصاد. ووسط الحرص على توسيع برامج الحماية الاجتماعية ومحاربة الفساد، وتعديل السياسات، وحرص النظام على فتح المجال السياسي، وتوسيع مجالات حرية التعبير، وتخفيف الاعتماد على الاستراتيجيات المتشددة من خلال الإسراع بالإفراج عن موجات متسارعة ممن يُعرفون بـ”المحبوسين احتياطيّا”، وسط وعود جدية بإغلاق هذا الملف نهائيّا في أسرع وقت ممكن، فضلا عن انطلاق مبادرات لإعادة “الطيور المهاجرة” ممّن لم تتلطخ أيديهم بدماء المصريين، ودعوتهم إلى العودة والتفاعل من أرضية الحوار، للعمل معا من أجل الإصلاح والعبور من الأزمات التي تعترض مسيرة التقدم نحو المستقبل. وقد شهدنا تجاوبا وعودة لبعض الوجوه المعارضة من الخارج، والإفراج عن وجوه بارزة من المعارضة، وحراكا شديدا داخل البرلمان المصري، وتفاعلا قويّا في وسائل الإعلام حول مستقبل مصر. وفي المقابل، فقد تجاوبت القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني مع الحوار، وحرصت القوى المعارضة مع القوى الحكومية على أن تجعل من الحوار أبعد ما يكون عن «حوار الطرشان». ولم نشهد حتى الآن أي جموح لتسجيل مواقف أو عنتريات، بل حتى المناوشات السياسية كانت ولا تزال في حدود صراع الأفكار والرؤى السياسية.
مشوار طويل

يقول قائل: إن انطلاق الحوار الوطني بعد أكثر من عام من بدء الجلسات التحضيرية، إنما جاء لأن النظام يستشعر حالة الخطر بعد تداعيات الأزمة الاقتصادية الطاحنة، ويقول آخر: سنرى فصلا مسرحيا مكررا على مدار عقود طويلة ولن يكون للحوار ثمار، ويقول ثالث: إنها مجرد ثرثرة لن نجني منها شيئا. وبدوره يرى عصام كامب في “فيتو”، أن للناس في ما يذهبون إليه خلفيات وصور ذهنية لأحداث من الماضي تدفعهم دفعا لعدم تصديق أن يكون هناك حوار فاعل بين المعارضة والسلطة، وينتهي بإفراز توصيات تأخذها الدولة مأخذ الجد وتبني عليها مساحة تشاركية نعتبرها إطارا للعمل الوطني في الفترة المقبلة. وفي الأغلب الأعم الناس لا يثقون في الحكومات، وما قد يكون حقيقيا لا يصل إلى الجماهير على صورته الحقيقية، نتيجة تاريخ طويل من عدم الثقة تولّد لدى المواطنين كنتاج طبيعي لغياب الشفافية، وما عايشه الشعب خلال سبعين عاما من بعد قيام ثورة يوليو/تموز إلى يومنا هذا. رجعت بذاكرتي إلى سنوات مضت عايشت فيها زعيما وطنيا خالصا قضى سنوات عمره في العمل السياسي، إذ كان أول زعيم للمعارضة في مجلس الشعب بعد تدشين التجربة التعددية الثانية في منتصف سبعينيات القرن الماضي، ورأيت بأم عينيّ كيف تدار الأمور خلف الستار بين السلطة والمعارضة. كان الراحل مصطفى كامل مراد، زعيم حزب الأحرار، واحدا من الساسة الواقعيين، فلم يرفض في يوم من الأيام الحوار مع السلطة، وكان من المؤمنين بأن يشارك في أي حوار، وعلى طاولة التفاوض يطرح ما يراه متوافقا مع ضميره الوطني أيّا كانت الصعوبات أو المواقف. تذكرت كثيرا من أقواله مع بدء الجلسة الافتتاحية للحوار الوطني، التي شاركت فيها أعداد كبيرة من ممثلي القوى الوطنية، وكان من بين ما يردده مصطفى كامل مراد، أن السياسة هي فن الممكن وليست فن ما ينبغي أن يكون، وكان يرى أن انتظار ما ينبغي أن يكون قد يطوى معه صفحات من البناء.

مجرد تساؤلات

أوضح عصام كامل أن عمرو موسى كان مركز الاهتمام بما طرحه مخلصا وجريئا وعابرا مساحات أكثر رحابة، معبرا عن أنات الشارع المصري ومخاوفه وهواجسه، دون أن يغفل ما جرى على سطح الأحداث خلال السنوات القليلة الماضية، سواء على مستوى الإنجاز، أو على مستوى التراجع. لاقت كلمة عمرو موسى قبولا لدى الشارع المصري وتلقفته أجهزة المحمول، وبدا واضحا أن هناك توجها جديدا يسمح بارتفاع سقف الطموحات وسقف الحريات، فالكلمة كانت على الهواء مباشرة، وعرضت دون اجتزاء على الميديا، وتناولتها المواقع الإلكترونية بشيء من التفصيل. ما قاله عمرو موسى ليس مجرد تساؤلات، وإنما تعدى ذلك، إذ أن صاحب الكلمة كان واحدا من رموز صناعة القرار في مصر لعقود طويلة، وأدى أدوارا وطنية لا يمكن المزايدة عليها، وهو عندما يتحدث إنما يشخص بحكمةِ رجل الدولة، ما يدور في أذهان العامة والخاصة. عمرو موسى بمشاركته وإطلاق العنان لأفكاره واستفهاماته تحرك وفق المنهج نفسه، وهو أن السياسة هي فن الممكن، فن التحرك في المساحة المطروحة مع العمل على زيادتها وخلق حوار بناء يستهدف التشارك في صناعة القرار، والتحذير من مغبة الانفراد بالسلطة والقرار على فكرة وجود الوطن. لم ينسَ عمرو موسى ما يدور في المحيط الإقليمي وتزايد المخاوف والإلحاح في ترتيب أولويات المرحلة المقبلة، وفق أحداث عالمية وإقليمية ومحلية، معبرا عن حالة الغضب وما يخالطها من مخاوف شرعية تترك أثرها في نفوس الناس قاطبة، الغني والفقير، البسيط والمثقف، العامة والخاصة. ولم يكن عمرو موسى وحده الذي صال وجال في المساحة التي نتصور أنها منطقة حمراء، فقد شاركته أسماء أخرى، على رأسها الأستاذ فريد زهران والدكتور حسام بدرواي وغيرهما الكثير ممن طرحوا ما يتصورون أنه مهم وضروري للبناء فيما هو مقبل من أيام الحوار التي تناقش أكثر من 113 ملفا مهما وحيويا لمصر والمصريين.

تخريب مقنن

لم تُشر الأخبار المتداوَلة عن هذه القضية التي اهتم بها أحمد عبد التواب في “الأهرام”، إلى تهمة الرشوة، وإنما يُستَخلَص من التفاصيل أن احتمال الخطأ يتراوح بين الإهمال أو تجاوز القانون، والإجراءات واجبة الاتباع، مما تسبَّب في ضياع مبالغ كبيرة على إحدى الهيئات في استيراد معدات مرتفعة التكلفة، لم يكن العمل في حاجة إليها. فقد أمرت النيابة الإدارية بإحالة الرئيس السابق للإدارة المركزية للموانئ البرية، والرئيس السابق لمجلس إدارة هيئة الموانئ البرية والجافة إلى المحاكمة التأديبية، على خلفية الإضرار بأموال ومصالح الهيئة العامة للموانئ البرية والجافة، إثر شراء أجهزة تأمينية للموانئ التابعة للهيئة، من دون دراسة لاحتياجاتها الفعلية، ما أدى لوجود زيادة عددية من تلك الأجهزة ترتب عليها ضرر مالي. وقد أسفرت تحقيقات النيابة الإدارية عن قيام المتهميْن المذكوريْن، كل حسب اختصاصه، بإعداد بيانين متضمنين حاجة الهيئة لعدد 188 جهازا تأمينيا، وإبرام تعاقد مع إحدى الشركات لشراء الأجهزة التأمينية للموانئ، بالاتفاق المباشر بمبلغ يتجاوز 27 مليون دولار، دون اتباع طرق التعاقد المقررة بقانون المناقصات والمزايدات، ودون الحصول على موافقة رئيس مجلس الوزراء على التعاقد، رغم تجاوز قيمته للسلطات المالية المخولة لهما بمقتضى القانون، ودون إجراء دراسة لاحتياجات الهيئة من تلك الأجهزة، الأمر الذي ترتب عليه وجود زيادة عن احتياجاتها الفعلية بعدد 68 جهازا بمبلغ 9 ملايين دولار، فضلا عن عدم تحرير العقد باللغة العربية، والاكتفاء بتحريره باللغة الإنكليزية، مخالفة للوائح المعمول بها. اختصارا لمحاولات الهيئة جبر الضرر الواقع على المال العام، بالسعي لإيجاد مخارج لتقليل الخسائر، فإنه يبقى التساؤل عن: كيف يحدث مثل هذا الخطأ المركب؟ وكيف تغيب الرقابة التي تمنع مثل هذه الأخطاء من منابعها وقبل أن تقع الواقعة؟ وكيف تستمر سلسلة طويلة من الإجراءات المخالِفة، تبدأ بخطأ أن العمل في حاجة إلى أجهزة لا يُتحَصَّل عليها إلا بالاستيراد، ولو كانت هناك مراجعة لثبت أن العمل ليس في حاجة، ثم كيف يكون التساهل في الاستيراد بالعملة الأجنبية؟ ثم مكاتبات باسم الهيئة مع أطراف أخرى في غياب رقابة تسائل أو تراجع أو توقف هذه الأخطاء؟ ثم هناك سؤال لم تتطرق إليه أخبار القضية، عن المكاسب التي عادت على المتهمين الاثنين اللذين اقترفا كل هذه الأخطاء.

الحق في الكلام

زار وفد من مؤسسة “غلوبال” العالمية القاهرة حيث التقى المجموعة كرم جبر رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في “الأخبار”، ضم الوفد 20 شخصية من أساتذة الجامعة ورجال الأعمال والسياسيين والإعلاميين ورؤساء التحرير والمجتمع المدني في كبريات المؤسسات، ومتخصصون في كبريات الشركات الألمانية للذكاء الاصطناعي. تابع الكاتب: أسئلتهم كانت عن حرية الصحافة والإعلام في مصر وحقوق الإنسان والمعايير الأوربية للحريات. قلت لهم: علينا أن نراجع النظرة القديمة لما يحدث في مصر، وأن ينظر الإعلام الغربي للأمور على أرض الواقع، لأن ما يتحقق كثير ويحقق العدالة في التناول والتعاطي مع مختلف القضايا. مثلا: ما زالت نظرة بعض دوائر الإعلام في الغرب لقضية حقوق الإنسان، وفقا لتصورات مضى عليها الزمن كثيرا، من دون أن يضع في الاعتبار أن السجون المصرية القديمة تم هدمها، واستبدالها بمراكز للإصلاح تتطابق مع أعلى المعايير الدولية، واعترف مسؤولو الأمم المتحدة بأن كثيرا من الدول المتقدمة ليس لديها مثلها. السجون المصرية لم تعد أماكن لتأديب السجناء، بل هي مدن صغيرة راقية تعلمهم حرفا نافعة، وفيها مستشفيات على أعلى المستويات وتجرى عمليات جراحية كبرى، ويكون السجناء فرقا موسيقية وأنشطة مختلفة. مثلا: تتحدثون عن حرية الإعلام بنظرة قديمة، من دون إدراك أن العالم تغير بما فيه مصر، وأصبحت السوشيال ميديا هي صاحبة التأثير الأكبر في الرأي العام، ولدينا في مصر 75 مليون حساب في فيسبوك و40 مليونا في تويتر، بما يعني أن كل مواطن مصري أصبح إعلاميا يكتب وينتقد ويصور ويبث رسائله، من دون تدخل من أحد. علاوة على آلاف الصحف والمواقع الإخبارية والقنوات الفضائية، لا يتدخل أحد في عملها ولم يحدث إغلاق أي وسيلة إعلامية أو منع على أي إعلامي. ورغم ذلك يتشكك الإعلام الغربي في مدى حرية الإعلام في بلادنا، ويثير قضايا قديمة ويختزل الأمر كله في أشياء عفا عليها الزمن. قلت لهم: هل يرضيكم ما يحدث حولنا في المنطقة تحت شعار الحرية والربيع العربي، وتخريب الدول، وكل ذلك تحت شعار غربي مضلل لحقوق الإنسان؟ لقد نزلت جيوش إلى الشوارع عندما وقعت بعض الأحداث الإرهابية في بلدان أوروبية واعتبرتم ذلك دفاعا مشروعا في دولكم، ولكن الكيل بمكيالين يضر، والإعلام الحقيقي هو الذي يبني ولا يهدم.

كي تتعافى السياحة

يجب أن يعتقد أحدا على حد رأي محمد البهنساوي في “الأخبار” أن النمو السياحي الحالي مضمون استمراره، فالمنافسة السياحية خاصة في منطقتنا شرسة للغاية.. ورغم ما تتمتع به مصر من إمكانيات سياحية تظل جودة الخدمة المقدمة هي الأساس في المنافسة وجذب السائحين.. وتلك تخص بالطبع في جزء كبير منها الفنادق وجودة خدماتها.. وهناك أمثلة عديدة لدول مجاورة لا تملك من عناصر المنافسة السياحية سوى الخدمة المتميزة والمنتجعات الراقية، وتجذب أضعاف ما نجذب وبأسعار لا تقارن أسعارنا المتدنية إلى حد ما. كما أن زيادة الحركة السياحية لا يستفيد منها فقط القطاع السياحي والعاملين فيه، لكن عوائده على الدولة أولا وقطاعات عديدة ترتبط بالسياحة، ناهيك عن الرواج المتشعب الذي ينتج عن أي زيادة في السياحة.. والأهم الزيادة المقابلة في حصيلة مصر من النقد الأجنبي، إلى جانب سمعة مصر السياحية التي ننادي دائما بضرورة تحسينها ووضعها في مكانة أفضل. نعود لمبادرة الـ8%، فهناك قطاعات مثل الصناعة سوف تقوم الوزارة والصناديق المختصة بها بتمويل الفارق بين تلك الفائدة والقيمة التي حددها البنك المركزي 11%، وهذا لا يتوافر في السياحة لأسباب عديدة أهمها عدم وجود رصيد في الصناديق يتيح هذه الميزة.. إذن ما الحل؟ وهنا لن نطالب «المركزي» بتغيير لوائحه، ولن نثقل على الدولة في أن تتحمل الفارق بين الفائدتين، بل هناك حل مثالي يطفو على السطح أراه مفيدا للجميع خاصة للدولة نفسها.. وتحديدا في ما يخص أزمة النقد الأجنبي، ألا وهو منح قروض دولارية للقطاع السياحي. فمن المعروف للجميع أن القروض الدولارية منخفضة الفائدة، وبالطبع لا نقول أن يحصل المقترض السياحي على قرضه بالدولار، إنما يحصل عليه بما يقابله بالجنيه المصري بالسعر الرسمي المعلن للدولار وقت القرض، على أن يكون السداد بالدولار.. وهذا بالطبع ضمانا لتدفق دولاري، ولا خوف على الطرفين من تغير سعر العملة.. فالدولة تضمن القيمة الدولارية حتى ولو تغير سعر الصرف والقطاع لن يتضرر مطلقا من السداد بالدولار. وهنا لن يحدثني أحد عن الفارق في الفائدة بين القرضين الدولاري وبالجنيه المصري، فالفوائد العديدة التي يحققها هذا الحل تعوّض هذا الفارق أضعافا مضاعفة.

مفترى عليه

هناك مقولة مُعتمدة كأنها حكم بات، نهائيا، أطلقها وروج لها وفق ما أخبرنا مصطفى عبيد في “الوفد”، ونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية، مفادها أن “التاريخ يكتبه المنتصرون”. لكن هذه المقولة ليست صحيحة تماما، ففي أحيان كثيرة تغلب روايات المنهزمين وتسود، بل تصبح الأوسع انتشارا. وأكبر دليل على ذلك ما يتبادر إلى أذهاننا نحن العرب والمصريين على وجه الخصوص عندما نسمع كلمة «حُكم قراقوش»، إذ نتصور أن وراءها حكايا عن الظلم والاستبداد والدموية. وفى حقيقة الأمر، فإن قراقوش هذا هو بهي الدين قراقوش وزير صلاح الدين الأيوبي، وكاتم أسراره، وأحد الدهاة والساسة الكبار في عصره، إذ يُنسب له دور عظيم في القضاء على الخلافة الفاطمية الشيعية في مصر، وتوطيد دولة صلاح الدين. وما زال أحد الأبواب الرئيسية لقلعة الجبل في القاهرة، التي تعرف زورا بقلعة محمد علي يحمل إلى يومنا هذا اسم الرجل، باعتباره المشرف على البناء. وهذا الرجل العظيم، سوّدت سيرته لأن خصما ومنافسا له في بلاط الأيوبيين، وهو الأديب والكاتب الأسعد ابن مماتي، كتب عنه كتابا ساخرا بعنوان «الفاشوش في حُكم قراقوش» جمع فيه نوادر مضحكة عنه دالة كلها على الظلم، والاستبداد والحمق، وضعف الكفاءة. ويبدو أن ثمة خلافا قويا نشب بين الرجلين، انتهى دون شك بانتصار قراقوش، فقرر الثاني رد الهزيمة بأثقل منها بتأليف كتابه، ولأن الفكاهة هي صبر الناس في بلادي، ولأن الإبداع أخلد وأبقى، ولأن صوت الأدب أقرب للعامة، ولأننا جميعا لا نصدق السلطة المنتصرة، فقد تفوقت رواية المنهزم ابن مماتي وصار قراقوش ممقوتا مكروها ومرجوما بكل نقيصة بعد دهر من الزمن.

اشنقوا الأقصر

أشاد مصطفى عبيد بسلسلة الذخائر في هيئة الكتاب، التي تشرف عليها الصديقة والمبدعة سلوى بكر، مشيرا إلى أنها أعادت إصدار الكتاب بتحقيق متميز للدكتور عمرو عبدالعزيز منير، لتتيح لجمهور الثقافة لونا جميلا من ألوان الأدب الذي كسر رواية المنتصر تاريخيا لعلّ أحدا يعتبر، أو ذا لبِ يدرك، أن الأدب ليس ترفا عند بناء الدول. يحوي الكتاب نوادر لطيفة شيقة تستحق الحكي، منها أن رجلا شكا لقراقوش تهرب أحد المدينين منه، فاستدعاه وسأله فادعى أنه كلما بحث عن صاحب المال ليرد ماله لم يجده، فأمر قراقوش بسجن صاحب الدين في الحبس، حتى يعرف المدين مكانه. ومنها أيضا أن مواطنا اشتكى لقراقوش أن بائع الحليب يغشه ويخلطه بالماء، فاستدعاه وسأله، فقال إنه فقط يقوم بغسله، فقال له الوزير: أنت رجل تحب النظافة، وأمر بسجن الشاكي. ومنها كذلك أن قراقوش أصدر حكما بشنق لص، وعندما اقتادوه إلى المشنقة وجدوه أطول من خشبتها، وأن تعليقه فيها على حالها لن يقتله، فأخبروا قراقوش، فأمرهم أن يقفوا في الشارع ليختاروا أقصر رجل ويشنقوه بدلا منه. وقالوا إنه كان يربي صقرا جميلا ويعتز به، ثم طار هاربا ولما عرف، أمرهم بإغلاق كل أبواب المدينة حتى يعود إليه مرة أخرى. ورغم كل ذلك، فإن المؤرخ ابن خلكان يقدم لنا وصفا للرجل مفاده أنه شجاع، حازم لدرجة أن صلاح الدين وأبناءه يعتمدونه وزيرا لثلاثين عاما. وذكر أنه جاهد بجوار صلاح الدين في حروبه ضد الصليبيين وسقط أسيرا في معركة عكا، وأرسل السلطان فدية لتخليصه باعتباره أنجب رجاله. وقال عنه أيضا «كان حسن المقاصد، جميل النية، له أوقاف كثيرة، وكانت وفاته في مستهل رجب سنة سبع وتسعين وخمسمئة في القاهرة ودفن بتربته في المقطم.» وكم ذا من أنقياء حولتهم الروايات الشائعة إلى خونة، وكم من أنذال وتافهين صنع منهم الأدب أبطالا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية