سليم مطركعادته استقبلنا صديقنا الحكيم عند مدخل البستان تحيطه الغزلان والارانب، وخاطبنا بصوته الدافئ قائلا:اهلا بكم يا اصدقائي. افرحوا رجاءا واطلقوا الهلاهل واصدحوا بالاناشيد، فأنا سعيد وقد هبط علي الحب المنتظر منذ اعوام واعوام. اتمنى لكم من اعماق قلبي ان تلتقوا بالحبيب كما التقيت انا بهذه الملكة السورية التي غفلت عن ذكرها جميع مصادر التاريخ القديم والحديث. انتم تعلموا ان المؤرخين يبحثون دائما عما هو شهير، رغم ان التاريخ نفسه مضاء بتلك الشخصيات الكبرى التي لم تكن معروفة الا ضمن محيطها المحدود. اذا كنتم تسألون عن سر ملوكية (سما)، فاعرفوا ان تاجها عيونها، وصولجانها قامتها، وعرشها روحها، اما حاشيتها يا اعزائي، فهن بناتها الثلاثة، رنا وسنا وهنا، مثل نجمات قداحات حول قمر وهاج في سماء صيفية في صحراء وبحر الشام.. هي ملكة شامية بكل معنى الكلمة، سيدة رقيقة ناضجة مثل كرمة سورية. قوية صبورة شامخة مثل ارزة لبنانية. طيبة حنونة معطائة مثل زيتونة فلسطينية. اما جسدها يا اخوتي، فأرجوكم اعفوني عن وصفه، فهو بكل بساطة هياج فواح فوار مثل نهر الاردن عندما يفيض في موسم الامطار.. الم اقل لكم انها ملكة شامية. صدقوني اني لا ابالغ ابدا. فبكل صراحة أنا (محب)، والمحب كما تعرفوا تحيطه الملائكة من كل ناحية وتسموا بروحه الى اعالي الكون لتجعله يرى اشياء لا يراها غيره..* * *وحينما بلغنا كوخ صديقنا الحكيم اجلسنا في باحة حديقته المزهرة وقدم لنا اللبن والتمر، واستمر بسرد حكايته السعيدة: دعوني احدثكم عن بعض تاريخ هذه الملكة. ثمة الكثير الكثير الكثير مما يقال، رغم انها لم تخض حروبا دولية، ولم تتعرض لانقلابات عسكرية، ولم تغضب على مدن وتقرر محقها من الارض، بل هي اسمى من كل هذا. لقد قامت باعظم الانجازات الجبارة التي لم تقوى اية ملكة عبر كل التواريخ وفي جميع الاصقاع ان تنجز مثيلها:انها صنعت السلام بدل الحروب. انها نشرت المحبة بدل العداء. انها انجبت الحياة بدل ان تحكم بالموت. والأهم من كل هذا انها تركت كل أوطان الكون تعيش بسلام وقررت ان تستولي على اصعب الامبراطوريات واكثرها عصاينا بوجه اعتى الفاتحين والطغات: ‘مملكة قلبي’آه لو تدروا كم عانيت وعانيت بينما كانت جيوشها الجبارة تجتاح قلبي. فرسان مدججون بصداقة لم يتركوا جزءا من كياني الا وثخنوه بطعنات انوثة ورقة ودفئ، حتى اني بعد مقاومة يائسة سقطت صريعا في ساحة وغى من ورود وفرح. هكذا استعمرتني هذه السورية الخلابة على حين غفلة، ومن دون أي سوابق ولا علاقة، بل ولا حتى جيرة، لأني لم اكن اعرفها رغم انها تعيش معي في نفس العالم منذ فجر وجودنا. انتم تعرفون، أنا وسما، كلانا منفيان عن ماضينا، هي لأسباب سحرية وانا لاسباب روحية. اجنبيان نعيش منذ حقب منسية في ارض (الوجد ـ LEXTASE) التي تعتبر كما يقال(قرية عالمية). لكننا لم نتعرف على بعضنا ابدا طيلة هذه العصور. يقينا نحن التقينا مرات ومرات، في شوارع وقاعات ومحطات ومطاعم وباصات، وربما تشاوفنا وتكلمنا لكننا ابدا لم ننتبه لبعضنا البعض. يبدو ان لقاء كيانينا مثل التقاء الآيونات المسببة للتفجير النووي، تحتاج الى زمن طويل من التحضير والبحوث والتجارب لضمان النجاح. هكذا إذن كانت الآلهة تمضي كل هذه الاعوام لكي تحضر للقائنا التفاعلي الخطير الذي سيفجر اعظم القنابل المشاعرية في الكون: قنبلة المحبة.. المحبة الخالصة الجياشة النقية، التي ستمحق عن الوجود الموت والخصام واليأس، لتنشر فيه الحياة والخصب والميلاد.. * * *صمت صاحبنا الحكيم لحظات بعد ان راحت اسراب الحمام تحط على كل كيانه، كتفيه ورأسه ويديه وحضنه.. لكنه تابع حديثه دون اهتمام:ان قوى الخلق الجبارة قد حكمت علينا بهذا اللقاء، منذ ان قررت ان تصنع الكون. نعم اني على يقين، ان لقاءنا السحري الفريد هذا، قد انعقد من اجله (مجمع الالهة) في جلسة استثنائية طويلة استغرقت نقاشا وتفكيرا طيلة ما قبل الوجود، لكي يتفقوا اخيرا على اتخاذ القرارين التاليين:ـ اولا، خلق الكون ثم الانسان..ـ ثانيا، ان تلتقي هذه الملكة السورية التي اسمها (سما) بي أنا الحكيم النهريني، بعد خلق الكون بمليارات الاعوام، وبعد الأنسان بملايين الاعوام! يقينا ان سيناريو لقائنا وظروفه وتفاصيله، قد اخذت من وقت الآلهة اكثر من وقت خلق الكون والانسان.. نعم يا اصدقائي هذه هي قناعتي، وارجوكم سامحوني على مغالاتي وجنوني ، فأنا محب، والله نفسه يسامح المحب على كفره به، لأنه يدري انه هو المسؤول، فالمحبة تأتي من الله، بينما الخصام من الشيطان. فكيف بي وقد غدى قلبي محمية لملكة شامية خرافية اسمها (سما)، جبروتها رحمتها، وقانونها بسمتها، واعتى جيوشها انغام صوتها، اما حدود مملكتها فتمتد الى اقاصي جسدها، بساتين وجهها، وجبال صدرها، وصحارى بطنها، وغابات خباياها التي لا تحصى.ثم يا اخوتي، لكي تعذروني، ارجوكم لا تنسوا انا نهريني، حفيد سلالة من المغامرين والآلهة والشعراء المجانين: (كلكامش) و(تموز) و(السندباد) و(المتنبي) و(السياب).. وها انا مثلهم، تائه غريب اجول مثل طفل بريء في انحاء مملكة سيدتي السورية.. سليلة (عشتروت) و(عوليسا) و(مريم العذراء) و(زنوبيا) و(سمية) و(فيروز).كما يبدو، اننا هكذا قد خلقنا لبعضينا، وكان علينا الانتظار طيلة هذه الاعوام حتى يصبح الكون مهيئا للقائنا. نعم، فهي لي وانا لها.. هي معبودتي وانا سيدها..هي عشتارتي وانا تموزها.. بأختصار يمكنكم ان تقولوا، هي خالقتي وأنا خالقها .. كما ترون يا اصدقائي، سيدتي شاسعة.. اوووه .. كم هي شاسعة، روحا وجسدا، حتى اني تهت.. نعم ولا زلت تائها انادي وانادي وهاهو صوتي يصل اليكم، فأرجوكم ساعدوني دلوني على درب الخلاص، لست لأني بلا درب، بل لأن ثمة دروب لا تحصى من حولي، وعلى مد البصر ارى واحات خصبة فتانة منتثرة في انحاء سيدتي وملكتي السورية (سما…) في هذه الاثناء كنا نشاهد صاحبنا الحكيم يتسامى بالتدريج مرفوعا بالحمام الذي غطاه تماما، حتى بدى لنا وكأنه طير ابيض عملاق يحلق في اعالي السماء، وهو يطلق ضحكة طفولية تشبه تغريد العصافير.. وكانت آخر كلماتة:ـ ودعا يا اصحابي.. سأغيب عنكم ربما لزمن طويل، فمعبودتي وملكيتي السورية (سما) في انتظاري.. الى اللقاء في اعالي السماء..www.salim.mesopot.comكاتب من العراق يقيم في جنيفqad