بغداد ـ «القدس العربي»: حذّر زعيم ائتلاف «قوى الدولة الوطنية» المنضوي في «الإطار التنسيقي» الشيعي، عمار الحكيم، من التدخلات الخارجية التي تسعى لجعل المنطقة ساحة لتصفية الحسابات، وفيما دعا إلى أمتن العلاقات بين السعودية وإيران، أكد أن سياسة الاستيطان التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي، تهدّد أمن وسلام دولنا وشعوبنا.
أثمان باهظة
الحكيم ذكر في كلمة القاها في محافظة النجف التي يزورها حاليا، بمناسبة الذكرى الـ 16 لرحيل عبد العزيز الحكيم (1950 ـ 2009) الزعيم السابق «للمجلس الأعلى الإسلامي» أن «العراق قد دفع أثماناً باهظة بسبب الصراعات الإقليمية والدولية، ونعرف جيداً أن الحروب لا تبني الأوطان بل تدمرها، وأن لغة الحوار والتفاهم هي السبيل الوحيد للحفاظ على استقرارنا جميعاً» مجدداً الدعوة إلى «تحكيم لغة العقل والحكمة في إدارة أزمات المنطقة بعيداً عن التدخلات الخارجية التي ترى في منطقتنا ساحة لتصفية الحسابات».
ورأى أن «استقرار العراق جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة والعكس صحيح، ولذلك ندعو جميع الأطراف إلى تغليب المصلحة العليا على أي مصالح واعتبارات أخرى» مشددا على وجوب أن «لا نسمح لطبول الحرب التي تقرع من خارج منطقتنا بالاستمرار في تهديدها ووعيدها، وعلى الحكماء في العالم أن يقدموا منطق العقل والحكمة وأن لا يتركوا مجالا يستغله المستفيدون من تجار الحروب والأزمات في العالم». وأضاف: «نحن أدرى بحالنا وبمصير شعوبنا وبسلام منطقتنا، ولا نحتاج إلى لغة الوصاية علينا. كفانا حروباً وأزمات وعبثاً بأرواح وممتلكات شعوبنا وأهلنا، فكل ساعة حرب تشن في منطقتنا، سوف ترجعنا أشواطاً طويلة إلى الوراء».
ووفق الحكيم فإن «الاستقرار الدائم في منطقتنا يمثل الركيزة الأساسية لدعم السلام في العالم أجمع، فنحن شعوب تجنح للسلام لا للحرب، ومعظم الأزمات التي تشهدها دول المنطقة يتم تصديرها من الخارج، وشعوبنا من يدفع ضريبة ويلاتها ومآسيها».
ولفت إلى أن «روابطنا متشابكة وجذورنا ممتدة في عمق التاريخ، وأواصر ديننا ولغتنا متينة ومتماسكة، فنحن إخوة في الدين وأشقاء في الجغرافيا، وشركاء في التاريخ والحضارة ولا نحتاج لمن بقربنا من بعضنا، ولا نرضى بمن يسعى لتفرقتنا. دمنا واحد ومصيرنا واحد، وعلينا العمل جاهدين على نقل هذه الحقائق جيلاً بعد جيل».
حذر من تدخلات خارجية لجعل المنطقة ساحة لتصفية الحسابات
وتساءل قائلاً: «مَن من شعوبنا ودولنا سيكون مستفيداً من حروب عبثية تهلك الحرث والنسل، وتحول أموالنا وخيرات شعوبنا إلى وقود يحرق الأخضر واليابس؟».
وأكد أن «ما يهدد أمن وسلام دولنا وشعوبنا هو سياسة الاستيطان والاحتلال الذي يمارسه الكيان الإسرائيلي، وعلى مجلس الأمن الدولي أن يضع حدا لهذه السياسة التدميرية في المنطقة، وأن هذا التهديد سيبقى مستمراً مع استمرار التسويف في الحل الشامل للقضية الفلسطينية وإرجاع الحق المغتصب للفلسطينيين في أرضهم وخيراتهم».
وجدد دعوته إلى «تعزيز أواصر العلاقة الطيبة بين دول المنطقة، وأخص بالذكر الجمهورية الإسلامية في إيران والمملكة العربية السعودية لأن يكونا مثالا لباقي الدول العربية والإسلامية في تمتين العلاقات الولية وتحويلها إلى رافد حقيقي لبناء مصالح استراتيجية تدر الخير على الشعوب والدول وأجيال المستقبل».
وفيما يتعلق بالملف العراقي الداخلي، يرى الحكيم أن «العراق اليوم أقوى من أي وقت مضى. ليس بما راكمه من تجارب فحسب، بل بما أفرزته هذه التجارب من وعي سياسي واجتماعي متزايدين، وفي خضم كل التحديات تبقى وحدتنا الداخلية هي السلاح الأهم، فلا بناء بلا استقرار ولا استقرار بلا وحدة ولا وحدة بلا إرادة سياسية مسؤولة، ولذا نحن مدعوون اليوم كقيادات سياسية وقوى مجتمعية وأفراداً، إلى التمسك بنهج الحوار والتكاتف من أجل عراق يليق بتضحيات أبنائه».
ووفق الحكيم «كلما تقدم العراق أكثر واقترب من أن يكون النموذج السياسي في المنطقة، كلما زادت المسؤولية التاريخية لدوره المحوري الداعم لقضابا الأمة وثوابتها، ونحن ندرك التحديات والمخاطر التي تحبط بنا جيداً، ولا نتعالى عليها ولا نغض الطرف عنها أبدا، بل نستعد لها ونعمل على مواجهتها من خلال وجودنا ودعمنا المسؤول مع القوى السياسية الوطنية وكافة قطاعات الدولة والحكومة ومفاصلها».
زيادة الوعي والنضج السياسي
وجدد رئيس تحالف «قوى الدولة» على أن «العراق اليوم أقوى بكثير مما كان عليه سابقاً، من خلال استخلاص التجارب العديدة المتنوعة، وزيادة الوعي والنضج السياسي، فضلاً عن إدراك العراقيين الكامل لأهمية الاستقرار السياسي ودوره في بناء البلد وانسيابية عجلة الإعمار والتطور والبناء» مشددا على أنه «مهما كانت التحديات والمخاطر ومهما كانت الصعوبات التي تحاول عرقلة مسارنا نحو التنمية والاستقرار، يجب أن نبقى متماسكين ومتكاتفين وموحدين في الموقف والخطاب السياسي الوطني».
وأوضح أن «إصرارنا على دعم حكومة السوداني ينطلق من هذا الفهم الذي نرى فيه ضرورة وطنية لإدامة حالة الاستقرار والإعمار في البلاد، ولا ننظر لهذا الأمر من زاوية انتخابية أو مكاسب سياسية، بل نتعامل معها ضمن إطار المصالح العليا للبلد، وما يجب أن نؤديه تجاه أهلنا وشعبنا وليس من الصحيح التقليل من أهمية الوحدة الوطنية أو النيل منها. هذه الوحدة التي تشمل جميع المكونات وعلى رأسها وحدة المكون الأكبر في بلدنا».
وتابع: «لقد عملنا منذ البداية وما زلنا نعمل على توحيد جميع الجهود والإمكانيات التي ترسخ هذه الوحدة وتحولها إلى واقع عملي يلمسه المواطن في حياته اليومية».
ومضى الحكيم يقول: «واهم من يظن أن التفرد بالقرار يصب في مصلحة العراق، وواهم من يعتقد أن التصلب والتعصب السياسي يمكن أن يؤديا إلى نتيجة مرضية من قبل شعبنا، وقدرنا في العراق أن نبقى متماسكين وموحدين حتى نتمكن من مواجهة التحديات، فالعدو لا يريد وحدتنا ولا يتمناها ويعمل بشتى الوسائل على تفريق صفنا وجعلنا لقمة سهلة يستسيغها متى يشاء».
وأشار إلى «أننا اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن نكون بحجم العراق وتاريخه أو نسمح للفرقة والتشرذم أن تسرق منا ما بنيناه بدماء شهدائنا الأبرار، فالعدو لا يريد وحدتنا ولا يريد بلدنا قوياً، وعلينا أن نكون أكثر وعياً وأكثر إيماناً بأن مصيرنا واحد وقدرنا واحد».