الحلم القريب

حجم الخط
0

الحلم القريب

أحمد بنميمونالحلم القريبصحوتُ لأجد نفسي منهكا، فاغتظت، لكني لم أدهش، فأن يلازمني الارهاق منذ أول يومي فأمر لا يحمل علي الدهشة، بل المدهش هو أن يحل بعض أسباب الراحة بي أو قريبا من داري، في ظل زمن مشتعل وقوده أعصاب الأهالي ودماؤهم، اقتنعت نفسي بذلك، فسكت عني غيظي، حتي أن شفتيّ حاولتا اظهارا لهذا الهدوء أن تتبسما، فأحستا أن هناك شيئا يمنعهما فلم تستطيعا انفراجا، ثمّ انتبهتُ أكثر، فوجدت أن يديّ قد شدتا الي جانب السرير، حيث أرقد، برباطين جلديين، وحاولت تحريك يديّ فلم تطاوعاني، فأدركت أنهما قيدتا أيضا الي حديد السرير نفسه، فأنا مقيد الي الذقن اذن، مُـقـمَحٌ كثور اذن، منذ وقت لا أذكره، لكن مع احساسي بما يشبه تسلخ جلد ظهري، وبخدر غير لذيذ يدب في كل بدني.(2)كنتُ في الحجرة وحدي، ففكرت أن أصيح مناديا، وحتي مستعطفا، من يسعفني. فتذكرت أن فمي المطبق علي الرغم مني لا يستطيع ذلك، فأغمضت عينيّ مستشعرا مزيدا من القهر، فعاودني غيظي، وحاولت النوم فامتنع عليّ، لتهاجمني وساوس سودٌ، ازدحمت علي باب خلوتي من كل نوع، وكل ناحية، فأينما وليت وجهي كانت صورها تهمي عاصفة، وبقدر ما يتزايد خوفي واضطرابي كانت أهوالها تتزايد انهمارا، حتي أغرقني طوفانها، وخنقني ما تعالي من خضمها، موجاً من فوقه موجٌ من فوقه رذاذ ثقيل، ثمّ لم أعد أري مما حولي شيئا، بعد أن رحمتني كفّ ُ نعاسي، لأحتمي بظلمات نوم أراحتني مما أري في ضوء بروق من صور تتهددني. (3)لم أصحُ ثانية الا لأري جو الغرفة وقد بدأ يعتم، فعادت الأشباح تتراقص من حولي، دون أن يطرق باب خلوتي الاجبارية من يمكنه اسعافي، أو حتي من يمكن أن أسأله عن سبب وجودي هنا، ثمّ أحسست أن ما يمنع فمي من النداء أو الصراخ ليس أثر تخدير، ولكن شيءٌ لزج ملتصق بمسام جلدي حول شفتيّ، حتي لا أصدر صوتا يعلن عن وجودي، فيمكـنَ العابر قريبا من حجرتي، من الاهتداء اليّ…ـ من جاء بك الي هنا ؟كان المكان الذي يبدو أني احتجزت فيه غرفة في مستشفي عام، أو ربما كان احدي حجرات عيادة خاصة. ـ أفتكون انهرت لطارئ صحيّ، أم اخترقت رصاصة ٌ جهة ما من بدنك، وأنت تشارك في تجمّع أطلقتْ فيه قنابل مسيلة للدموع أو رصاص حيّ؟طفوت فوق موج أسئلة ليطير بي ـ وأنا ذاهل عما يحيط بي ـ ما تبادر الي ذهني من مشاهد رأيتُ ما كان يتساقط فيها من أجسادٍ غضة، تواجه بصدور عارية مجنزرات مدججة برصاص وخوَذ ٍ، فحاولت أن أرفع يديّ احتجاجا، وأن أصرخ، فمنعني ما يقيّد يديّ وصوتي في آن، لأعود الي جو الغرفة الطافية بي علي بحر الدنيا، تتلاعب بي فيها أمواجُ هواجس سودٍ، ورياح اضطراباتٍ تعصف بتقديراتي التي لا تهتدي…ـ أتكون احدي سياراتهم قد داهمتك؟ والا فلماذا أنت هنا؟ ـ وهذه الحجرة، أين تقع؟ وهل أتيت اليها راجلا، طوع ارادتك؟ أم هل جيء بك مقيدا؟ وتتابعت الأسئلة، حول أسباب ربطي بهذه القسوة، الي هذا السرير، وعما اذا كان هناك من يخشي ثورتي، فصبني في كل هذه الأغلال، التي ان استطاعت منع يديّ ورجليّ، وحتي فمي من الحركة، فهي لا تستطيع تقييد رأسي أو منع خفقات قلبي من أن تذهب الي حيث تدوّي الزغاريد، ويشق التكبير سحاب السماء كلما انضاف شهيد جديد الي اللائحة. (4)لم يخرجني من دوامة الصور الا صرير الباب التي ظهر من ورائه رجل بزيّ ٍ عسكري ّ ٍ، وهو يرميني بشرر يتطاير من نظراته التي كانت تلمع بما يدل علي أن بيني وبينه حسابا يجب أن يصفي في الحال، والا فلا معني لأن يركز كل نار حقده عليّ، كل هذا التركيز الذي يكاد يشعل اهابي:ـ بريء أنت في نظر نفسك لا غرو، ارهابي في نظر العالم. وعرفت أن عينيه استقرأتا بعض خواطري، أو ربما يكون أراد استباقي الي القول حتي لا يُسمع في أجواء الغرفة الا صوتـُه، فما أعجب نزوات هؤلاء حين يعمدون الي قلب المنطق والطاولة وحقائق الأشياء، فكيف يتكلم وحده قـُبالة متهم مـُقيد مكمّم ٍ، كل ما يملكه هو هذا الرصيد المتزايد من البراءة أمام جور قـُـوي وقوانين تجتهد في الالتفاف علي حقوق من كان مثلي؟كانت البزة العسكرية لا تزال تخطو نحوي، وهي تصرخ:ـ أأنت هو؟ وقد أعتم جو الغرفة كثيرا، وأصبحت لا تري فيها الا الصوت العسكري الذي لا يرتد الي صاحبه شيءٌ من صداه، بين جدران صماء، داخل فضاء أعمي، وحاولت أن أصدع بما أحبّ قوله، لكن الشريط اللاصق علي شفتيّ، منع صوتي من أن يزاحم ذبذبات الوعيد التي تحتل الأرض والهواء من حولي، فيرتج لها سمعي، فعادت الي الصراخ:ـ حسابي معك عسير، وعقابي شديد. حاولت أن أحرك شفتيّ ساخرا، فمنع الشريط اللاصق ضحكتي من الانتقال الي الرجل الذي أراح أذنيه من أية نأمة يمكن أن تصدر عني، اذ كـُمِّمت حتي قبل أن يحضر، وقد استعرض في مجابهتي، أقسي ما تقوم به بزة عسكرية أمام مستضعف مُـقيَّــد، لا يقوي حتي علي فتح فمه ليتساءل عن سبب وجوده في مكان كهذا. ولم استطع أن استرجع شيئا من ذكرياتي، أو ماضيّ القريب الا حينما ضغط الرجل علي زر بالحائط فأضيئت الغرفة، لأري أن بالباب امرأة ً عرفتها علي الفور، واتضح لي من يكون ذو البزة العسكرية، شديد البياض جلدة ورأسا، وقد ازداد بدانة الي درجة أصبح معها قصير القامة، وأن قامة المرأة العجوز قد تضاءلت أيضا، صحيح أن قامات الناس تقصر كلما تجاوزت أعمارهم الستين.اقتربا مني ليكتسي وجهاهما بأكثر ألوان الامتعاض والغيظ شراسة، رغم أن عيني كانتا تضجان بأنين مبين، أكثر مما تستطيع حنجرة أن تفعل.قالت (غولدا):انه نفس الجنين… نفس الوليد.والبريق الثاقب النظرة في عينيه انذارٌ بزلزال ٍ أكيد. وكأن صوتها كان في سمع (شارون) صادرا عني، فأطبقت الظلمة دون أن أدري ما اذا كان ذلك بسبب ضغط علي زرّ ٍ، في الأرض أو جدار الغرفة، أو نتيجة انقطاع مفاجيء للتيار.(5)عدت الي الصحو لأجد نفسي في مكان ما في البرية، علي مرتفع تترامي وراءه ألوان سحر حميميّ، والي جانبي أشخاص غلاظ شدادٌ، لا يعصون ذا البزة العسكرية، والمرأة العجوز ما أمراهم، ويفعلون ما يؤمرون به.صرختْ فيّ بزة ٌ أخري، وقد تدججت ْ بكل ما استطاعت ارتداءه من ملابس واقية وخوذة غطت رأسها ومعظم وجهها، محتمية بمجنّ ٍ طويل عريض:ـ لماذا كنت هناك؟ بل فيم وجودك في أي مكان؟ أردت أن أجيب، لكن فمي كان لا يزال مكمما، فسجل أحدهم في أوراق بين يديه ما أحب ّ أن يقوِّلني اياه، وسمعتُ صوت (غولدا) مرة أخري وهي تدينني :ـ جريمتك أنت، أن رأسك سقط علي هذه الارض لمضايقتنا منذ اليوم الاول…كان بريق عينيّ يحتجّ، ونبضي يرتجّ، وأنفاسي تعلو، وهم يلوّحون أمام وجهي بكل أنواع الأسلحة والرشاشات الأوتوماتيكية، ما طاب لهم التلويح، لكن قبل أن يشربوا نخب انتصارهم عليّ، كان دويّ ُ صرختي ينزع عن شفتيّ الشريط اللاصق الذي تطاير متشظيا، فصعق كل من بالمكان: ـ ماذا تريدون مني ؟ وبكل قسوة وعدوانية أجاب (شارون) في عجرفة:ـ أن تقبل بمشروعنا… مقابل سلامتك. ـ وما مشروعكم؟ـ أن تنبطح طوعا أو كرها، وأن تذوب في ما نراه لك وما لا نراه… و… و… وظل معجم القسوة يلد من شروط المحو والمصادرة واملاءات الضيم والاستخذاء علي لسان (غولدا) حينا و(شارون) حينا آخر، كلمات ومصطلحات تصور حلما مكذوبا، وأن أسمع ولا أصدم، ولكني من سخريتي من منطق ما يجري كنت أنظر الي الأعالي، وأغوص الي أعماقي حيث تتردد هنا وهناك قهقهات تاريخ عن مهازل تتكرر، سرعان ما تتحول الي شبه بكاء هستيري، وصرخات احتجاج علي كل من يريد لي أن أري المقاييس مقلوبة، والمكاييل مزدوجة، وأن أراني في قمة هواني علي نفسي، وعلي الناس ظالما غشوما.(6)فطفقت أغوص في التربة، وخطاب المفاوض يعلو… وحين عمد أحدهم الي تنبيهي أو استعادتي بوكزي للقضاء عليّ، وجدني كالشجرة انغرست ْ جذورها في الأرض، ورفــّت أغصانها، وأثقلت بأزاهير آوت أسراب فراشاتٍ تسقي من عذب رحيقها… فراشات ملونة بصُوَر تصدح بايقاعات تسحر العين، والعين تطرب مثل الأذن أحيانا، فامتدت اليّ أنيابٌ من فكّ معدنيّ ٍ بعد أن جيء بجرّافة لاقتلاعي، فلما تعذر عليهم ذلك، لاحتماء جذوري بصخور المرتفع الذي يشرف علي أمداء الوطن وأفيائه المغتصبة، شرعوا في اطلاق النار عليّ، فازداد توافد الفراشات في أسراب هائلة تملأ الآفاق… فراشات تتوزع بيضا وسُودا في صفاء الفضاءات وحُمرا وخُضرا، بما تتوزع به ألوانها هذه وتلك ساعات أيامي وفصول أعوامي. فتطوق الأشخاص الغلاظ الشداد الذين رغم أنهم فزعوا لم يلقوا بأسلحتهم، وانما بدوا وكأن اللعبة أعجبتهم، فلجوا في اطلاق النار، حتي وهم يرون رجالا كثيرا ونساء من أهاليهم يُهرعون اليهم، ليشاهدوا من يتساقط منا برصاصهم، فيحسبوننا كائنات في أفلام كارتونية، فيزدادون اعجابا ببطولة العفاريت من صبيتهم، وتزداد أحداقهم حمرة كلما ارتفع عدد الضحايا في صفوفنا، أصبحت أنياب وأظفار جنودهم تقطر دما في مواجهة فراشات جميلة رائعة، كانت اذا أصابتها نيرانهم تتحول طيورا، ترد هجومهم وهي ترميهم بحجارة مسومة، ليزداد تمسكي بالأرض بينا يرحل دمي في أعماقها سيولا دافقة، ويكبر حبي للطيور العائدة، وأنا أحلق معها في الأعالي… قريبا قريبا للامساك بما نحلم به جميعا.ومن فوق، بصُرنا بالأرض وقد أشرقت بخضرة أشجارها، وبياض أزهارها، وبولادات أحلامها بما كان يجري صاخبا علي وجهها، من دم صارخ معلنا رفض ليل الاحتلال . كاتب من المغرب0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية