الفلسفة توهان وحيرة.. أقرأ كثيرا في الفلسفة، وهي علم قائم بحد ذاته، فأجد صعوبة في الفهم.. أعيد قراءة نص ما في الفلسفة عدة مرات وفي كل مرة أجد تفسيرا آخر للوجود.
يزعم بعض علماء النفس أن الذاكرة هي عادة اي انطباع يتكرر مرارا حتى ليرسخ في الذهن، لكنهم ينسون أنها تتعلق بأمور ذات تاريخ لا تعيد نفسها أبدا. اما تلك المتعلقة منها بأحداث تتردد كثيرا على منوال واحد فإنها نادرة جدا، لكننا نتمسك بها لاحتوائها على منفعة عملية، كما ينسون ان هناك عدا ذاكرة العادة ذاكرة ثانية تحتفظ بنسخة طبق الأصل عن جميع وقائع حياتنا اليومية بنسبة تسلسلها وتواليها، وتترك لكل حادثة، لكل حركة تاريخها ومكانها، وتفاصيلها الدقيقة دون التفكير باستخدامها لاي اغراض او غايات نفعية.. انها تسجل الماضي بحكم جوهرها بصورة طبيعية تلقائية، نابعة من ذاتها، بفضلها نتعرف الى الأمس من خلال اليوم وتصبح العودة الى الوراء ممكنة، والعثور على صورة منسية معقولة.
يقول برغسون في كتابه ‘الطاقة الروحية’: ‘… ان كل حياتنا الماضية موجودة بأكملها، بأدق تفاصيلها ونحن لا ننسى شيئا، وكل ما أدركناه وفكرنا فيه وأردناه منذ بزوغ شعورنا يظل موجودا الى غير نهاية..’.
لكن اذا كان ماضينا يظل محجوبا عنا بسبب متطلباتنا المعيشية وأشغالنا ومساعينا فإنه يجتاز عقبة الشعور حيث نكتشفه ونتصل به كلما تجردنا من مآربنا المادية، ومن عبوديتنا لاحكام العمل وقانون المحافظة على البقاء، وانتقلنا الى حياة الحلم، حيث نستعيد ذكريات كنا قد اعتقدناها مدفونة الى الأبد، فإذا بها تفك عقالها وتتدافع من منطقة الظلام التي قُذفت اليها، باعثة أمامنا فصولا مطوية من طفولتنا.
إن انسانا يحلم حياته بدل أن يعيشها يظل ملتصقا بماضيه، وهذه الحالة تصدق على شخص مثل أدونيس، كما يظل في مجال الفردية التي توالي جميع لحظاته في تيار مشترك تدمجها ببعضها البعض، وبرغم تعددها وتنوعها وجميع صفاتها المحسوسة المثيرة المميزة في حدس واحد بسيط.
الحلم هو الصلة بين الاحساسات والذكريات المطبوعة في وجداننا على شكل أشباح لا نستطيع ان ترقى الى النور إلا اذا انعتقنا من كابوس العمل الراهن والحاجة الملحة. وعندئذ تعبر الحاجز الذي كان يصدها عن الخروج وتحكم القيود التي كانت تكبلها راقصة رقصة الاشباح في المقابر، متدافعة كلها معا، لكنها كثيرة جدا لا ينفذ من الباب الضيق الذي انفتح في وجهها إلا ما كان له علاقة بحالتنا الانفعالية قبل النوم.
الحلم هو انبعاث الماضي على ثلاثة انماط: ذكرى نسيناها نستعيدها بالمنام، او حادثة كنا ذاهلين عنها حين وقوعها نتمثلها من جديد، او نتف من الذكريات ملمومة من هنا وهناك، من دون اي وثاق يربط بينها. إن الحالم يلقي على الامور نظرة عجلى كما تفعل الذاكرة، ويعيش في بضع ثوان أحداثا تقتضي بالفعل وقتا طويلا كشريط سينمائي نزيد سرعة بثه، فعندما نستعرض الماضي نختصره لاننا نعرف وقائعه التي تحققت وانتهت والتي نتمثلها لهذا السبب دفعة واحدة كشيء جامد لا كظاهرة نفسية تتم بالتعاقب والتدرج، ولا يوجد ايقاع واحد للوجود بل ايقاعات متعددة بحسب وعي الاشخاص الذين يقيسونها. ان الزمان شيء مطاط ففي دقيقة من النوم نحلم بأخبار استغرقت الايام والاسابيع الطويلة. كما نستطيع ان نختزل احقابا تاريخية برمتها الى بضع لحظات.
بهذا المفهوم وحسب مقابلاته ومقالاته نقرأ لأدونيس ان الزمن ساعات نمر بها فنشعر أننا قد رأينا المشهد الذي نراه الآن، وسمعنا هذه الكلمات التي نسمعها الآن.. إننا نقف حاليا في نفس المكان الذي سبق لنا الوقوف فيه ونعاني من نفس الظروف التي اختبرناها من قبل، ويعزوها الخروج الى الذاكرة من اللاشعور بصورة غير شرعية، واقتحامها للباب الموصد في وجهها عادة، فلكي نحيا الماضي يجب ان نتعلم كيف نعلق أهمية على الامور غير المجدية، كيف نحلم.. يجب أن نضع أنفسنا في الماضي كلية، أن نتتبع انبثاقه الآني، وتحققه، لا ان نبحث عن اثره في شيء جاهز ومعطى سلفا. يجب ان نذهب من الماضي الى الحاضر لا العكس.. فالذاكرة ليست تقهقرا، بل تقدم حثيث. ولما كان الانسان مضطرا ان يهيئ للغد انطلاقا من اليوم وبالاستناد الى خبرة الامس، فإنه ملزم بالاحتفاظ بالماضي، واستباق المستقبل في اتصال واحد لا انقسام فيه تذوب فيه آنات الوجود كلها معا وتجور على بعضها.