د. جـمال حضري ‘مكره أخاك لا بطل’، هكذا صورت العرب من تجبره الظروف على ركوب المكاره، فيستحل ما كان يجافي، ويخوض فيما كان يعاف. وهذه ليست قطعا بطولة، وأي بطولة لمن حاله كحال من وصف المتنبي: و من نكد الدنيا على الحر أن يرى عدوا له ما من صداقته بدوهل حال الأحرار اليوم أبعد من نكد المتنبي وهم يدفعون دفعا إلى استنجاد الغريب واستغاثة الأبعدين؟ أليس واقع الأحرار اليوم أشد مرارة وقد وقعوا بين سيف ‘يزيد’ وتنكر ‘الكوفة’؟ ألم يجرد ‘دهاقنة التسلط’ كل أسلحتهم لامتهان كرامتهم وإسكات صرختهم ووأد مطلبهم؟ هل أبقى الحقد المتفلّت من كل مروءة لهم حصنا يجأرون إليه ليواري دماءهم المسفوكة وأبدانهم المستباحة أحياء وأمواتا؟ هل وفّر عليهم ‘زبانية الإجرام’ المنتقون لهذا القتل ‘القذر’ و’المتبجح’ سبيلا يحفظ مهجهم ويستبقي ذكرهم؟ ألم يبدع ‘الظلمة’ في تنويع طرق التنكيل بضحاياهم المسالمين وقد اغتروا بخلو يدهم من كل وسيلة تقاوم غير الحناجر المدوية بتراتيل الرفض وأناشيد الحرية وأغاني المجد والفداء؟ ألم يستنفر ‘البغاة’ كل ‘طيشهم وجنونهم’ وهم ينزلون إلى ساحات التظاهر المتعاظم ليطفئوا المشاعل التي أضاءت دروب الحرية بعد أن ظن ‘الجلادون’ أن الضحايا قد استكانوا أبدا وأسلموا القياد راغبين تارة وأخرى راهبين؟
ثم ألم يرسل المستصرخون ‘صورهم المدوية’ ونداءاتهم المشفوعة بدماء الشباب المغدور ودموع الحرائر المهجّرات وحيرة الصبية في الملاجئ؟ ألم تمض على عمر هذه الانتفاضة أيام حسوم لم تر فيها البشرية قدرا من الصبر والعزيمة والكرامة والشكيمة يكافئ ما أبداه هؤلاء الأبطال؟ فأين النخوة القومية وأين الغيرة الوطنية وأين الأخوة الإسلامية لتغنيهم عن مد أبصارهم بعيدا عن أمتهم وإخوانهم؟ أين المدد والعدد الذي يسد حاجتهم إلى الحرية ويسند مطلبهم في الانعتاق؟ من الملام في هذه الأحجية الممجوجة أهم الضحايا المغلوبون وقد توسلوا بكل إعلام الدنيا ليسمع ذوو القربى قبل غيرهم صوت جراحهم وصورة إبائهم وآيات صمودهم ومصابرتهم على التمســـك بالحرية والحياة، أم إن الملوم هم ذوو القربى والرحم الوطنية والقومية والإســلامية وقد استبسلوا ‘حكمة’ و’عقلانية’، وبرهنوا باقتدار على ‘قلقهم’ و’انزعاجهم’ وتخبطهم وهم يعدون ‘خطة’ عفوا بل ‘ورقة’ عفوا بل ‘ملاحظات’ مكتوبة عفوا بل ‘شفوية’ ليقرعوا بها ‘قاتلا متهورا’ وليقنعوا بها ‘سفيها متجبرا. هل تنتظر العقول الراجحة والنفوس النبيلة فناء جيل كامل من الشباب المؤمن بحقه ودوره في التغيير حتى تتحرك؟ هل تنتظر الإنسانية بشتى مشاربها الروحية الأقربين ليمارسوا ‘حق الشفعة السياسية’ مع قريبهم لينقذوا روحه، أم تبادر إلى ممارسة ‘حق التضامن الإنساني’ بنص شرعة حقوق الإنسان؟ وليكن العنوان ما يكون، أفي ذلك ضير؟ بأي شعار يزايد الظلمة على المسحوقين إذا مدوا يد النجدة إلى من يرغب في إجابتها؟ بأي مبدأ يسائلون شعوبهم المقهورة إذا هبت لصرختها هيآت الدنيا ومنظماتها؟ وهل عورات هذه الأنظمة المفضوحة تسمح لها بالحديث عن عمالة ووفاء أو عن خيانة وولاء؟ إن الذاكرة لم تنس بعد حرب الخليج، وقد التحم ‘التقدميون’ و’الرجعيون’ و’الأمميون’ و’الانعزاليون’ في صف واحد لمقارعة أحد الخارجين عن هذا ‘الصف’؟ فأين غابت حينها شعارات الاستنجاد بالغريب و’الصليب’؟ لم استحل ‘الظلمة الأذكياء’ كل ممنوع وجروا خلف حساباتهم و’تكتيكاتهم’ ولم يسمعوا لشعوبهم لحظة ولا جعلوا لموقفها أو مشاعرها قيمة. لم تستنفر الآن المقولات النائمة والمبادئ السادرة للتشويش على صوت المطعون وهو ينزف؟ ألم يرصد ‘أعتاهم’ بأجهزته النشيطة مواقف معارضيه علهم ينبسون ولو مرة بتدويل قضيتهم وتحريك منظمات حقوق الإنسان لينقض على ثورتهم مستبيحا بيضتها لأنها تتعاون مع الأجنبي، فلما أعيته الحيلة ركب جهالته وغدر بهم وهم في الساحات يمتعون العالم بثورتهم النبيلة، وعندما زال ليله وفتحت مغاليق أسراره، وُجِد البلدُ وقد بيع أغلى ما فيه بأرخس الأثمان، بيعت أرضه وسماؤه وغازه وماؤه ولمن يا ترى؟ لإسرائيل. وهل أخبار ‘مجنونهم’ بعيدة عنا؟ ألم يرم طلاب الحرية الذين طاردهم السنين ذات العدد بالخيانة والعمالة والانخراط في ‘حرب صليبية’؟ ولم تهمل الأحداث هذا ‘الوليّ النقيّ’ لكي تنكشف علاقاته السرية على عمليات بيع مواطنيه والتنكيل بهم منخرطا بذلك وبكل ‘إخلاص’ مع ‘الصليبيين’ في حربهم على ‘الإرهاب.
لكن، هل يعني هذا انخراط الرعاة والرعية في مسلك الخيانة والعمالة سواء بسواء؟ حاشى والله لا يستوي القائم على أمر الناس إذا ولغ في بيع الوطن ورهن الحاضر والمستقبل لحظوظ ذاته وحاشيته مستبقيا تسلطها بهذا الثمن الرهيب العجيب، ومن نهض إلى عرض مظلوميته على القريب قبل البعيد فلم يهب لنجدته مخلوق. لن ينطلي مكرهم ثانية على الشعوب، ولن تنفذ الخديعة إلى أهدافها، لأن هذه الشعوب أوعى بحدود مطالبها وأخشى على حدود أوطانها من ‘المتاجرين’ بما يملكون و’ما لا يملكون’. ستعرف هذه الأجيال الحية الذكية، المخلصة النقية كيف تشق الطريق مع كل حر مد لها العون، وستكافئ بكل مروءة وعزة من أجاب صرختها وأطفأ لوعتها، ولن تضطر لبيع قيمها ولا ترابها لأن أيام الصبر والمصابرة أقنعت البعيد والقريب أن الذين استعدوا لملحمة الموت بهذا العناد الصلب والبذل العزيز والعطاء السخي لن يعرضوا في مزاد الآخرين شرفهم للبيع ولا سيادتهم للانتقاص، فليهنأ الخائفون على مآل ثورة الأحرار، وليحسم المترددون أمرهم فقد آن الأوان، وليرحل الكاذبون لأن للأوطان شعوبا أغير عليها وآمن على حوزتها منهم.’ كاتب جزائري