الحمرا المغربية مدينة احترام العهود

سعيدة الكامل 
حجم الخط
4

الرباط-“القدس العربي”:تكاد الأجوبة تجمع على أنها ساحرة كلما سألت أحدهم عنها، صاحبة حكايات ووشوم تاريخية على جسدها، كلما تحدث أحد عنها فاض من عينيه ولسانه الإعجاب بها والتيه في قوله حول ما يعجبه فيها بالضبط، هل سحر الأحمر الذي التحفته وشاحا أم البسمة الدائمة بعيونها أم بهجة لهجتها الجارية على لسان العربي والأمازيغي وما تخاصمت الحروف في الكلام أم هو علو كعبها، شمسها الحارقة التي تذوب على خدود هي مآذن انتصبت شاهدة على ما مر بها من أزمنة، أم الأبواب والأسوار التي تفتح وتسيج  قلبها، حكاياها المتجددة بقلبها النابض أم التاريخ الذي يسري في عروقها؟ هي في نظر عاشقيها أجمل الحواضر الكبرى في المغرب، عمرها حوالي ألف سنة منذ بناها المرابطون، مدينة لوحة بلونين أحمر على أسوارها وبيوتها وخضرة تسرق العين لجمال حدائق و”عرصات” تملأ فضائها.

إنها مراكش، العاصمة الثانية للمغرب التاريخي، تقع جغرافيا في القسم الأوسط من خريطة المغرب. في قلب سهل الحوز بين جبال الأطلس الكبير الغربي جنوبا، ووادي تانسيفت شمالا، شديدة البرودة بردا ومفرطة الحرارة حرا. وهي من ضمن مراكز الحضارة الكبرى في المغرب كفاس من ناحية المعمار والدول التي اتخذتها عاصمة لها. تستمد مراكش قوتها من تاريخها، سمي المغرب على اسمها إلى غاية القرن 19 وبداية القرن العشرين، ولحدود الآن ما زال هناك من يعرف المغرب بمراكش.

ظلت المدينة خلال أربعة قرون عاصمة للمغرب الكبير من أقصاه إلى ليبيا وكذا الأندلس، منذ أن جعل منها يوسف ابن تاشفين (1106-1062) عاصمة لمملكته التي امتدت من الأندلس في الشمال إلى السنيغال في الجنوب الغربي والسودان شرقا. وعرفت المدينة تعايش أعراق ولهجات مختلفة سواء محلية أو التي أتت من الشرق والأندلس وافريقيا جنوب الصحراء. وشهدت أكبر نهضة علمية: جامع الكتبيين، والجامع هو ما يحمله لفظ الجامعة حاليا من معنى، كانت تدرس فيه الفلسفة والرياضيات والفيزياء، كان يحاضر فيها ابن رشد في فترة من حياته، وكان تجمعا لبيع الكتب وإنتاجها، تم بناؤه سنة 1149 يعرف حاليا باسم الكتبية ويقع وسط مدينة مراكش.

المكان الذي تحترم فيه العهود

“اسم مراكش أمازيغي ومعناه ترجيحا، حمى الله أو المكان الذي تحترم فيه العهود”. ويحيل محتواه على ضمانات أمن المجال الجغرافي الذي شيدت فيه. يقول المؤرخ محمد رابطة الدين والأستاذ الجامعي في كلية الآداب بمراكش، جامعة القاضي عياض، لـ”القدس العربي” فيما أورد المتخصص، حسن جلاب في كتابه “معجم عراصي مدينة مراكش” أن للاسم معاني متعددة اختلف حولها مؤرخون” مضيفا أن من ضمن التعريفات ما قال به أحمد التوفيق، أن اسم مراكش مركب من كلمتين: مر أو أمر ومعناه عند الصنهاجيين الحماية أو الموضع المتمتع بها، واكش أو أكوش بمعنى الله. وطرأت على الكلمة في نظره تغييرات حتى أصبحت تنطق “مراكش” أي حمى الله أو المكان الذي ترعى فيه العهود. ويحيلنا جلاب إلى كون مراكش تسمى ‘الحمرا” لأنها حمراء التربة والأسوار وقد وردت هذه التسمية المستعملة بدون شك، يقول الباحث صاحب مؤلفات عديدة عن مراكش، في الكتب التاريخية “حمراء لمتونة والموحدين” و”حمراء الحوز”.

تعود بداية نشأة مراكش إلى زمن حكم المرابطين وبالضبط عام 462/1070. وهذا تاريخ له دلالته وغايته في نظر المؤرخ رابطة الدين “أهمها اتخاذ العاصمة بغرض تعزيز رموز سيادة الدولة الناشئة. بعد الأرض والجيش وصك النقود والدعاء للأمير في المنابر. واستخلاص المجابي والشعار. ثم إنشاء قاعدة استراتيجية، من أجل المراقبة عن قرب لتحركات قبائل الأطلس الكبير الغربي، وإيجاد مقر الإدارة المركزية لتدبير شؤون المجال الذي شملته السيادة المرابطية وقاعدة انطلاق للامتداد نحو الشمال. كانت الحصيلة إنتاج مجال حضري تقرب مساحته من 600 هكتار، انتظم في وحدات جغرافية كبرى عرفت بالحومة والحارة والمحلة. يضم منشآت مدنية وعسكرية”. مضيفا أنه “لم يكن ممكنا إنتاج مدينة من هذا الحجم في وسط مناخي حار وجاف، دون فعالية التقنيات الهيدرولوجية التي استخدمت لنقل وتجميع وتخزين وتوزيع المياه المشهور منها الخطارات والسواقي والسقايات” يقول رابطة الدين موضحا أن كل ذلك أدى إلى تشكيل جديد لخريطة المجال وحولها من “خلاء لا أنيس به إلا الغزلان والنعام” إلى ظهور الحياة الحضرية، ومعها ممارسة مختلف أنواع النشاط البشري التي يقتضيها شرط الاستقرار.

ابتداء من عام 1147 أصبحت مراكش عاصمة للموحدين، و”كان اختيارا ذكيا يستجيب للأغراض السياسية ويحقق المتطلبات الأمنية، ويستفيد من الإعداد المجالي للحاضرة وضاحيتها الذي أنجزه المرابطون قبلهم” يقول المؤرخ مشيرا إلى أن المدينة أصبحت مركزا بارزا لإنتاج ورواج المعرفة في الغرب الإسلامي، “فيها ظهرت المدارس وفاق عدد محلات سوق الكتبيين المئة، وانتشرت عادة تكوين الخزانات الخاصة واغتنت خزانات الجوامع وأضحت الحاضرة محجا لرموز أهل العلم والمعرفة، من طبقة أبي الوليد ابن رشد الحفيد وابن زهر وابن عربي والإمام السهيلي. وامتدت خريطة الصلاح وبرز الجانب الشرقي كموقع صوفي وازن في نشاط القوم. واتسعت دائرة أهل الولاية وأرباب الأحوال، وأصبح لبعض رموزهم وزن استثنائي خاص عند العامة والخاصة يتصدرهم أبو العباس السبتي”.

مدينة كبار العلماء

بينما تعتبر القرون الثلاثة الفاصلة بين الموحدين والسعديين، فترة “عدم استقرار وتراجع وخراب” لم تتجاوز إضافات المرينيين مسجد ابن صالح، أما المدرسة التي تنسب إلى أبي الحسن المريني فتحتاج إلى تحقيق لإثبات التأسيس أو التجديد، في نظر رابطة الدين. ورغم هذا الزمن الحرج، على حد تعبيره فالمدينة في نظره أنجبت نخبة من كبار العلماء، من أمثال ابن البناء العددي وابن عبد الملك المراكشي، يقول مؤكدا أن المدينة استعادت مكانتها مع السعديين وأصبح للعنصر الأندلسي والتركي والسوداني وزن في تركيب ساكنتها. ويبدو أن أقدم الأخبار عن ساحة “جامع الفنا” تعود إلى هذه الفترة، يقول رابطة الدين مشيرا لما قام به السعديون من تجديد للقصور الموحدية، وتوسيع للقصبة، وبناء قصر البديع وإنشاء حومة رياض الزيتون لإسكان الأندلسيين، وملاح لليهود على مساحة تقرب من 18 هكتارا وسلسلة مساجد منها: مسجد المواسين، ومسجد باب دكالة، ومسجد سيدي بلعباس. من الباحثين من اعتبر مراكش من كبريات مدن العالم الإسلامي في ذلك العهد، فالعلويون لم يتخذوا من مراكش عاصمة إلا مدة قصيرة، إلا أن عمران المدينة حسب رابطة الدين عرف ما بين 1670 وبداية القرن العشرين إضافات تجديد وتوسعة القصبة وإنشاء حومة باب أحمر وتخصيصها للسود من خدمة المخزن، وادماج حومة سيدي بلعباس في النسيج الحضري وإنشاء حومة بوسكري وتوسيع الملاح وترميم وإصلاح مساجد المدينة وأضرحتها وبناء مسجد بريمة، وسيدي اسحاق ومدرسة مسجد ابن صالح وتجديد جامع ابن يوسف وبناء خزانته وصومعته القائمة إلى اليوم وإعادة بناء باب فاس وبناء سلسلة من القصور المخزنية  قصر المنشية وقصر الدار البيضاء وقصر دار مولاي علي وعرصة المامونية وعرصة مولاي عبد السلام وعرصة مولاي الحسن وقصر الباهية ودار السي سعيد وغرس اكدال وبناء صهريجه الكبير وتجديد منتزه المنارة وإعادة بناء رواقه وإنشاء اكدال اباحماد.

“مراكش هي اختزال لتاريخ المغرب. وحاضرة انصهرت في مجالها وإنسانها، أصول مغربية، أندلسية، مشرقية افريقية. تربعت على عرش الغرب الإسلامي. وقاومت آفات الدهر وجددت على الدوام ذاتها في عشق صوفي للحياة وبهجتها”، بهذه العبارات يختم رابطة الدين حديثه عن مراكش.

أرض البهجة والحكايات

لزائري مراكش وجهات معروفة لا يملونها وإن تكررت الزيارة، في مقدمتها ساحة جامع الفنا التي تشكل قلب المدينة النابض في وسط المدينة العتيقة، هذا المكان الذي كان أول موقع صنفته يونيسكو سنة 1997 كموقع ثقافي لا مادي وكتراث عالمي إنساني. يعد مركز المدينة الصاخب مجمعا للحكايات التي لا تخلوا من حكم ومعرضا مفتوحا لمغنيين وموسيقيين وراقصين ومقلدين وعرافات ومشعوذين، يحيط بهم باعة عصير البرتقال بعربات مميزة وإلى جانبهم قردة وثعابين لهم نصيبهم في الساحة بفضل مستعرضين يجلبون إعجاب البعض فيأخذون صورا رفقتهم ويجيدون عليهم ببعض النقود ويثيرون خوف آخرين فيبتعدون أمتارا. في الليل تبدو الساحة من فوق منيرة تفوح منها روائح أطعمة تطهى وتقدم في الهواء الطلق، ومفعمة بالحياة والغرائب، ومن بين ما قال عنها حسن جلاب في كتابه عنها “وفي كل جهة أبواب غامضة لا يعرف البتة هل ينفذ منها إلى قصر أو خربة أو إصطبل أو قبر أو لي؟”.

ساحة جامع الفنا هي مكان لعاشقي الحكايات، فن الحكاية هو أهم فن هناك ويتم في إطار “حلقة” هناك تحكى الأزلية وسيرة بني هلال والقصص التي تضم حكما، الحكواتي هناك له قدرة على مزج أحداث تاريخية بأشياء من واقعه وتقديمها في قالب ينتهي إلى حكمة، وتكون السخرية طريقة لتخفيف وطأة التابوهات أو “المقدسات” باللهجة الظريفة والجذابة للمراكشيين، وقد خلقت هذه الساحة نجوما في الحكي وصارت لهم شهرة ويقصدهم عاشقوا الحكايات الذين يجلسون قرفصاء أو يظلون واقفين متحلقين بـ”الحلقة” يتتبعون خيط الحكاية إلى أين سينتهي.

وحكاية ساحة جامع الفنا الراقصة والمرحة تبدأ من الاسم فعلى غير فرحها الظاهر يبطن الاسم على عكس ذلك، ّإنه “الفناء” الموت والنهاية، هذا ما تقوله بعض الروايات التي تحكي أن الاسم يجد تاريخه كآخر مكان هزم فيها المرابطون، والرواية الثانية تقول هناك كانت تمارس الحدود الإسلامية خاصة في عهد المرابطين ومكانا للإعدام العلني للمعارضين والمنشقين، حسب بعض المؤرخين، فيما يرى آخرون أن دلالة جامع الفنا هي مسجد الفناء وهو “اسم مستمد من حالة الخراب التي كان عليها” حسب محمد الكنيدري في “مراكش، تاريخ، تراث، ثقافة وروحانية”.

 ولا يكتفي زائر المدينة بجامع الفنا بل لابد أن يلف على المعالم التاريخية: الكتبية، وقصر البديع الذي بني في عهد السعديين في القرن السادس عشر، ويقول مؤرخون أنه كان تحفة تضاهي في جمالها قصور الأمويين بدمشق والعباسيين في بغداد و “تم تدميره بأمر من السلطان العلوي مولاي إسماعيل حوالي سنة 1700 وتم طمر أبوابه ولم تكتشف آثاره من جديد إلا خلال الحماية سنة 1916” يقول الكنيدري في ذات الكتاب. وغيره كقبور السعديين والأسوار والأبواب وسبعة رجال (الأولياء) الذين ينتصبون قرب ساحة باب دكالة.

مدينة العابرين والأبديين

إلى جانب الجمال الأحمر في الأسوار والأبواب التي تعددت بتعدد الدول التي مرت من مراكش، تشكل “العرصات” تكملة للوحة باللون الأخضر، مراكش مدينة مليئة بالخضرة وعشرات “العرصات” و”الجنان” والعرصة هي إما حديقة البيت الداخلية أو الحديقة المحاذية للبيت والمتصلة به. وقد ألهمت “العرصات” ماجوريل، فنان كبير عاش بمراكش مدة طويلة منذ الأربعينيات من القرن الماضي وكان يعشق المدينة بجميع مناطقها فاشترى في قلب مراكش أرضا جرباء وحولها إلى حديقة جلب لها من كل أصقاع العالم نباتات عجيبة وغربية وصممها على طريقته وبنى فيها مرسمه وهي الآن مأثرة من مآثر مراكش. وبعد وفاته اقتناها مصمم الأزياء الشهير، إيفسان لوران، وبنى جنبها متحفا كرسه لفنه في تصميم الأزياء وللفنون التشكيلية.

مدينة بمثل هذا التاريخ والجمال، ليس غريبا أن يعشقها ويزورها مشاهير سينما وفنانون وأدباء وسياسيون من جنسيات متعددة وأن تحتضن مؤتمرات ولقاءات دولية كبرى كاللقاء الذي أعلن تأسيس المنظمة العالمية للتجارة سنة 1994 وقمة المناخ العالمية سنة 2016 والمهرجان الدولي للفيلم والمنتدى العالمي حول الهجرة قبل أيام. ليس غريبا عن مدينة بسحر مراكش أن تتجول أنغيلا ميركل، المستشارة الألمانية، بين أزقة مدينتها العتيقة قبل أيام وهي المدينة التي عاش فيها الكاتب الإسباني الكبير خوان غويتسولو أربعة عقود من عمرها وكان يعرف أنه عاشق مراكش إلى أن توفي بها قبل عامين وطلب في وصية له أن يدفن على أرضها وكذلك كان الأمر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية