الحملة الأمنية على “مخيم جنين” وأسئلة السلطة من دون إجابات

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

جنين-“القدس العربي”: ما زالت حالة الاحتقان والاشتباكات المسلحة وحصار مخيم جنين مستمرة بعد نحو 16 يوما من المواجهة بين أجهزة الأمن الفلسطينية ومقاومين في المخيم، غير أن ما ميز الاشتباكات المسلحة خلال اليومين المنصرمين هو أنها لم تستهدف، من الطرفين، إيقاع الأذى بحيث تنتج عنها ضحايا من الطرفين.
وكانت الاشتباكات قد تجددت حيث سمع أصوات انفجارات على مداخل المخيم الذي يقطن فيه نحو 14 ألف مواطن يعانون من نقص المياه والمواد الغذائية وانقطاع الكهرباء، فيما تواصلت زخات الرصاص من دون أن يسقط أي جرحى أو ضحايا بالأرواح.
وحسب وصف الإعلامي عميد شحادة فإن ما ميزها مؤخرا هو أنها “اشتباكات بلا ضحايا”، دعم ذلك ظهور مبادرة قد تكون الأقرب إلى التوازن بين طرفي الميدان، وذلك حسب حديث “القدس العربي” مع مصادر ونشطاء.

مبادرة وفاق
وأعلنت قوى سياسية، ومؤسسات أهلية وحقوقية، وشخصيات وطنية وحقوقية ومجتمعية، إطلاق مبادرة “وفاق” بهدف احتواء “الأزمة الراهنة” في جنين ومخيم جنين، ووضع أسس لعلاقات وطنية متينة ومستدامة.
وتنص مبادرة “وفاق” على التزام جميع الأطراف بإنهاء كافة أشكال الاشتباك والتوتر بشكل فوري، وسحب القوات الأمنية الفلسطينية من محيط المخيم، بالتزامن مع وقف المظاهر المسلحة في المخيم والمدينة.
واقترحت المبادرة إطلاق حوار وطني يجمع كافة المؤسسات والفعاليات والقوى السياسية لوضع خطة شاملة للخروج من الأزمة الحالية، وصياغة ميثاق وطني يضمن عدم تكرار الأحداث الحالية في جنين وباقي المحافظات.
ودعت المبادرة إلى الالتزام بأحكام القانون الفلسطيني من جميع الأطراف، وتحريم الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة أو المقرات والمركبات والعناصر الأمنية والمؤسسات الرسمية.
كما دعت إلى التزام أجهزة الأمن بتطبيق القانون وفق قواعد القبض والتوقيف واحترام كرامة المواطنين، والالتزام الصارم بضوابط استخدام القوة النارية.
ونصت المبادرة على تحميل المسؤولية القانونية لكل من ارتكب جرائم ضد الأشخاص أو الممتلكات، وتقديمهم للمحاكمة وفق أحكام القانون.
وأكدت أن أجهزة أمن السلطة يجب أن تكون ملزمة بنشر نتائج التحقيق في حالات إطلاق النار التي أدت إلى مقتل مواطنين، وتقديم المخالفين للمحاكمة، وتعويض العائلات المتضررة.
وشدَّدت المبادرة أن مقاومة الاحتلال هي حق مشروع لشعبنا، يتم ممارسته في إطار الالتزام بالقانون الدولي الإنساني.
ودعت، وسائل الإعلام والناشطين المؤثرين إلى الامتناع عن أي خطاب تحريضي يُفاقم الأزمة، وتعزيز خطاب الوحدة الوطنية والتضامن المجتمعي في مواجهة التحديات المشتركة.
كما دعت المبادرة، كافة المؤسسات الوطنية، والشخصيات المجتمعية، وجميع الجهات المؤثرة إلى تحمل مسؤولياتهم الوطنية والمجتمعية، والضغط على الأطراف كافة لاتخاذ خطوات عملية وجادة لتطبيق هذه المبادرة، وضمان عدم تكرار الأحداث المؤسفة في جنين ومخيمها، ومتابعة الأوضاع ميدانيًا لضمان تنفيذ بنود المبادرة والميثاق الوطني المتفق عليه بين جميع الأطراف.
واختتمت الهيئات والقوى والمؤسسات بيانها بالتأكيد أننا “كمجتمع فلسطيني موحد، نؤمن بأن الوحدة الوطنية والسلم الأهلي هما أساس صمودنا في وجه الاحتلال ومخططاته”.

مبادرة متوازنة

يعقب الناشط المجتمعي والباحث في علم الاجتماع السياسي والحركات الاجتماعية أحمد أبو الهيجا على مبادرة “وفاق” بالتأكيد على أنها “أول مبادرة متوازنة للحل”. ويرى أن “إشكالية القبول عند السلطة”.
ويتابع: “أنها تطرح بندين، الالتزام بالقانون من جهة، وبحق المقاومين في المقاومة من جهة ثانية، هي تتحدث عن توقف المظاهر غير المسؤولة وعن هجمات السلطة ومعالجاتها الأمنية، وهو ما يجعلها تمثل الموقف المتوازن المطلوب في هذا الوقت، غير أن الإشكالية في هذا الاطار أن السلطة لا تتعامل في هذا الموضوع على أسبابه الظاهرة، يعني تجاوزات حدثت هنا وهناك وبالتالي علي التعامل معها، دلل على ذلك تضارب التصريحات بين وزير الداخلية والناطق بلسان الأجهزة الأمنية، حيث قال الأول انه يستهدف من يختلف مع البرنامج السياسي للسلطة، وهي تصريحات تعطي الموضوع قالبا واضحا مختلفا من فكرة أن هناك إشكالية أمنية مع خارجين عن القانون”.
وكان وزير الداخلية الفلسطيني زياد هب الريح قد عقد مؤتمرا صحافيا جمع الصحافيين وتلقى أسئلتهم وذلك بعد نحو أسبوعين من المواجهة، وخلال المؤتمر تحدث عن الحملة وأهدافها وأسبابها وهو ما اعتبره البعض “تحولا في خطاب السلطة تجاه المسلحين”.
ومما قال وزير الداخلية في السلطة إن الحالة الموجودة في مدينة جنين ومخيم جنين غير مقبولة، مؤكدًا أن العملية في جنين “تستهدف من لا يريد الالتزام ببرنامجنا في ظل التغييرات الراهنة بالمنطقة” وذلك خلافًا لتصريحات الناطق باسم أجهزة الأمن أن العملية تستهدف “الخارجين عن القانون”.
وقال زياد هب الريح، إن “اللقاءات تُعقد مع كل المستويات وفي كل الأماكن، “من أجل أن يكون للجميع دور حاسم باتجاه حقن الدم والوقوف بشكل جيد خلف الأجهزة الأمنية، وتعميق روح الحوار والحفاظ على حقوق الإنسان في جنين وكل المحافظات”.
وأضاف، أن “هناك قيادة تتحمل مسؤولية مستقبل الشعب الفلسطيني، ويجب تعميق الحوار مع القيادة، بقيادة الرئيس أبو مازن”.
وحسب هب الريح، فإن السلطة الفلسطينية “سوف تتواصل مع الكل، وستذهب باتجاه حقن الدم وحسم الموقف ميدانيًا من أجل الالتزام ببرنامج سياسي واحد يعبر عن تطلعات الشعب الفلسطيني”.
وقال: “ما يهمنا الوصول إلى عقول هؤلاء الإخوان بهدف تخفيف المفاهيم التحريضية والتوجيهات المغرضة التي تصل من هنا وهناك وأن ينزلوا عن الشجرة ويكونوا ضمن برنامج الشعب الفلسطيني”.
وشدد الناشط الأكاديمي أحمد أبو الهيجا على أن القضية اليوم تبدو “أقرب إلى رغبة السلطة إلى إعادة الأمور لما قبل 2015 حيث السيطرة التامة والمطلقة على الوضع الأمني في الضفة، ومنع أي عملية مقومة ضد الاحتلال. إنها حالة من سيادة الهدوء في الضفة”.
ويشدد أبو الهيجا أنه “في مقابل ذلك لا نرى أي خطة فلسطينية للمواجهة، كل ما نراه هو خطط الضم الإسرائيلية والتغول الاستيطاني.. وهو ما يعكس إشكالية السلطة التي تطالب المقاومين بشيء بدون تقديم أي إجابة حول أي شيء في ظل أسئلة الناس حول كيف تكون المواجهة مع الاحتلال. فهناك غياب خطة تعامل أو خطة مواجهة مع المستوطنين أو حماية الأرض والمدن الفلسطينية”.
ويخلص إلى أن ذلك الواقع “يخلق إشكاليات ويغيب أفق الحل بشكل كبير”.
ويتابع: “يبدو لنا الموضوع على أنه التزامات أمنية تقدمها السلطة قبل قدوم الرئيس الأمريكي ترامب في قضية بسط سيطرتها في الضفة على أمل ترتيبات اليوم التالي في غزة”.
ويشدد على أن هناك إشكالية ترتبط بالمقاومة في مخيم جنين، “فهناك ملاحظات كثيرة من الناس والأهالي على ما يحدث، هناك نقد على أداء المجموعات المسلحة من حيث العشوائية والتكلفة الكبيرة. وهو نقد من حاضنة المقاومة لتصبح أفضل. أما الحملة الأمنية فليست نابعة من تحسين المقاومة بل من فكرة رفض المبدأ من حيث الأساس وتساوق مع الشروط الأمريكية استعدادا للمرحلة القادمة، وهو ما يجعل التلاقي صعب جدا في هذا الموضوع”.
ويرى أبو الهيجا ان ما يزيد الوضع سوءا هو “ضعف الهياكل الاجتماعية القادرة على رفض ما يجري أو فرض حلول وسط عقلانية بين كل الأطراف”.
ويكمل: “في ظل التعنت عند السلطة أغلب الأطر والحراكات المجتمعية ضعيفة جدا لدرجة أنها لا تصرح ولا تليق تصريحاتها مع مستوى الحدث. وهو جزء من حالة ضعف وهوان”.
ويختم حديثه: “الحملة الأمنية على المخيم من أجل استئصال المفهوم وليس لتصحيح مسار مجموعات أو عقلنة طريقة عملها، وبالتالي من الصعب جدا أن نجد حلا وسط، الأمر عبارة عن حلقة مفرغة. السلطة عاجزة عن الخروج من مربعها. والمجموعات المسلحة لا خيار أمامها في ظل ما هو مطرح عليها من اعتقال وتسليم سلاح.. هنا من المهم التأكيد على أن الظاهرة لن تموت، فالفراغ والحالة السياسية غير المقنعة ستدفع بتوالد تجارب من هذا النوع بشكل مستمر”.

أزمة بنية

الباحث والأكاديمي الجامعي إبراهيم ربايعة يرى أن السياق الفلسطيني ليس طبيعيا، فما زلنا تحت الاحتلال، وهو ما يجعل بكل القضايا المتصلة بالمقاومة وسلاحها لا تتم على قاعدة الدولة والسلاح الواحد المحتكر من الدولة، “هنا يتم الحديث عن رؤية وطنية موحدة للمشروع الوطني المقاوم مختلف عن موضوع توحيد السلاح وسيادة الدولة حيث المفاهيم السائدة في الدول التقليدية، حتى اللحظة ما زلنا نعتبر منظمة التحرير هي الممثل الوحيد والمظلة الحصرية للكل الفلسطيني وهي الناظم بكل الرؤى المتصلة بطبيعة المقاومة”.
ويكمل: “لذلك أي عملية متصلة بالسلاح والمقاومة يجب أن تقوم على قاعدة توافقية متصلة بالتفاهمات الوطنية على مستويين، الأول الفصائلي السياسة العليا، والثاني المستوى المجتمعي، بمعنى إذا كان هناك تقديرات من البنى الاجتماعية بناء على فواعلها الحية أن هذه المرحلة يجب ان لا تكون هناك حالة مقاومة في هذه المنطقة أو تلك فهي التي تقرر ذلك، وهي التي تؤجل هذه الفواعل استخدام المقاومة المسلحة أو ترحلها أو تغير شكلها”.
ويشدد الباحث ربايعة على أن المشكلة اليوم قرار المقاومة وقرار التفاوض وكل قرارات السياسة الفلسطينية هي قرارات لا يتم التشارك بها مع القوى الحية في المجتمع، فلا دور للمجتمع المدني، ولا دور للفصائل والفواعل الاجتماعية الأخرى من عائلات وعشائر وقطاع خاص. أيضا حتى على مستوى العديد من البني التي قد تظهر للبعض على انها بنى تمثيليه فهي متكلسة، وتحديدا عندما يتم الحديث عن نقابات واتحادات وجمعيات.
ويشدد على أن هناك أزمة بنية وهناك أزمة تفاعل وهو ما يقود لهذا الشكل من السياسات التي تتجلى بشكل أحادي سواء بالذهاب لخيار المقاومة المفتوحة أو المقننة أو وقف المقاومة.
وحول الاتهامات التي تسوقها المؤسسة الأمنية بحق المقاتلين يشير إلى أنه من المهم أن كانت هناك حالة جريمة تداخلت مع المقاومة الإعلان بشكل صريح وشفاف ومباشر للجمهور بالاسم والحالة وهذا مهم، حتى اللحظة لم يتم الإعلان بشكل واضح ومن حق الناس معرفة ذلك حتى تكون هناك مسؤولية على المجتمع وتنقية الحالة المقاومة إن اريد الحفاظ عليها.

مفترق طرق حاسم
وحسب الناشط السياسي لؤي طافش فإنه في ظل تصاعد الأزمات السياسية والأمنية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، تبدو العلاقة بين السلطة الفلسطينية ومكونات المجتمع الفلسطيني في مفترق طرق حاسم.
ويرى الناشط أن حالة التوتر المتصاعد مع المجموعات المقاومة هي نتيجة لاعتماد السلطة الفلسطينية على رؤية أمنية تفتقر إلى شمولية وطنية قادرة على توحيد الشعب الفلسطيني ومواجهة التحديات الكبرى، وهو ما حلق أزمة بين السلطة والشعب حيث فقدان الثقة والشرعية.
ويشدد طافش على أن إحدى أبرز الأزمات تمثل في انحصار رؤية السلطة الفلسطينية ضمن إطار أمني ضيق، يهدف إلى ضبط الأوضاع الداخلية أكثر من مواجهة الاحتلال. “في مخيم جنين، على سبيل المثال، تعمقت فجوة الثقة بين السلطة وسكان المخيم الذين يرون أن السلطة فشلت في حماية مصالحهم الوطنية، وانحازت نحو تهدئة الأوضاع لصالح الاحتلال. هذه السياسات الأمنية تسهم في تهميش المخيمات وتُفقد السلطة شرعيتها بين فئات واسعة من الشعب”.
ويرى أن سكان المخيم يؤمنون بأن السلاح الذي يحملونه ليس مجرد أداة للدفاع، بل هو تعبير عن رفضهم للهيمنة الإسرائيلية والمشروع الاستيطاني الذي يلتهم الأرض الفلسطينية.
ولا ينفي طافش مثالب المقاومة في المخيم، فهي تعاني من غياب للمرجعيات السياسية والتنظيمية الواضحة. في ظل غياب رؤية وطنية جامعة، وهو ما يجعل المقاومة عرضة للاستنزاف، وما يعزز من الحاجة إلى مشروع سياسي يعيد تعريف الأهداف الوطنية وفق الظروف الراهنة.
ويرى أن الأزمة في جنين ليست معزولة عن السياق الفلسطيني الأوسع، فالسياسات التي اعتمدتها السلطة الفلسطينية، منذ توقيع اتفاقية أوسلو، أدت إلى تفكيك مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية:
وحسب طافش تعتمد السلطة الفلسطينية على استراتيجيات أمنية تُفقدها الامتداد الشعبي. سكان المخيمات، وفي مقدمتها جنين، يطالبون بإجابات واضحة حول استراتيجيات السلطة تجاه الاستيطان وجرائم المستوطنين في الضفة الغربية، إضافة إلى شلال الدم المتواصل في قطاع غزة. الأمن بدون مشروع وطني شامل يعمق العزلة ويجعل الصراع الداخلي أمرًا لا مفر منه.
ويشدد في حديث خاص بـ”القدس العربي” على أنه وكي يتحقق تجاوز الأزمة فإن المطلوب هو إعادة بناء الثقة من خلال قيام السلطة باتخاذ خطوات ملموسة لإعادة بناء الثقة مع الشعب الفلسطيني، خاصة في المخيمات، من خلال دعم المقاومة الوطنية بدلًا من مواجهتها. وضرورة تقديم مشروع وطني يعيد ترتيب الأولويات الفلسطينية، بدءًا من مواجهة الاستيطان، وصولًا إلى تحقيق الوحدة الوطنية، وإعادة تفعيل المؤسسات الوطنية من نقابات وجمعيات وطنية، بحيث تعود إلى دورها كمحركات للشارع الفلسطيني، بعيدًا عن السيطرة السياسية. ودمج المقاومة في مشروع سياسي، من خلال توفير مرجعيات وطنية للمقاومة تكون قادرة على موازنة العمل الميداني مع متطلبات السياسة الإقليمية والدولية.
ويحذر من إن استمرار السلطة في نهجها الحالي يُهدد بتحويل الصراع الداخلي إلى مواجهة مفتوحة. لذلك، فإن اللحظة الحالية تتطلب شجاعة سياسية لإحداث تغيير جذري في سياسات السلطة، وإعادة الاعتبار للرؤية الوطنية الجامعة التي تشمل الجميع، وتستعيد الثقة المفقودة بين الشعب وقيادته.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية