الحنين الى الريف

حجم الخط
0

سلافة الماغوطأحن إلى الريف، لأنني بدأت أكره الحياة العصرية. بدأت أكره قصص الـ Ki and tell والـ Red carpet والـ Cat walk والملابس الأنيقة والسيارات الفارهة والسيجار المستورد من الهافانا والعطور الباريسية. أصبحت أكرهها وأكره كل من اعتاد عليها أو من يحلم أن يعتاد عليها. كله رياء برياء. وكل ما أخشاه أن تصل يد الحضارة والتطور التقني إلى أقاصي القرى التي ما زالت تستعمل السراج المشتعل بالزيت ليهتدي به الفلاح في طريقه من الحقل إلى البيت باكراً خشية حلول الظلام.. عند الغروب يتجه الفلاح رب الأسرة سيراً على الأقدام إلى بيته الذي يبقى بابه مفتوحاً طوال النهار حتى أطراف الليل. فالقرية الواحدة أسرة واحدة، وما من غريب إلا الشيطان. ما من أجهزة هاتف خليوي. الكل يتكلم المكالمات الضرورية من عند البقال. وما من أصحن لاقطة للأقمار الإصطناعية ولا محطات خاصة للبالغين. أستاذ الضيعة ما زال يكتب بالطبشور على اللوح، يكتب الأبجدية وجدول الضرب ويعلم القرآن الكريم وأحكام التجويد والأحاديث النبوية الشريفة وأشياء أخرى من دون أن يكون هنالك Sex education حيث المراهقة الأوروبية تعثر في حقيبة يدها على حبوب منع الحمل والفياجرا. فهي قبل سن البلوغ تخشى أن تصاب ببرود جنسي!!! الفياغرا التقليدية التي يعرفها الجميع هي زرقاء اللون للرجال. أما العلم الحديث فقد زود الفتيات بالفياغرا الزهرية اللون! المراهقة الفرنسية أو الايطالية مثلاً تعرف من أمور الجنس أكثر مما تعرفه أم الأولاد في بلادي وأرياف بلادي! إنه الريف الذي فيه تحب الفتاة أجير الفرّان لأنها تشتري من عنده الخبز كل صباح. فلا تعرف غيره ولا تعتقد بأن هنالك غيره والذي لا يفارقها أبداً إلا للذهاب للخدمة العسكرية الإلزامية.

هو يحتفظ بصورتها فهو يعتقد أنها تجلب له البركة والحظ. وهي تحتفظ برسائله التي أغلبها أخطاء إملائية. الفتاة الريفية السورية غالباً لون عينيها شهل بشرتها حنطية أو بيضاء وشعرها خرنوبي بلون الكستناء أو أسود، فيما ندر أشقر. هي بنت الضيعة التي لم يصلها الكهرباء والنور الوحيد الساطع هو القمر والبساطة. تلتف الأسرة في فناء الدار يأكل أفرادها الحصرم والأكدينيا والتوت الشامي ويشربون المتة على ألحان صوت حفيف أوراق الشجر وصرير الجنادب المنبعث من الأحراش. والجدة تشبه أبو الهول في جلستها رغم أنها تغفو أكثر من مرة في السهرة الواحدة والصبايا ينشغلن بالحكايا. الزوج والزوجة ينتهزان كل فرصة سانحة مثل هذه للتنحي إلى غرفة النوم التي سريرها الحديد من أيام زفافهما وعليه فرشات محشوة بالصوف الخام والمغطى بالناموسية الليلكية أو الزرقاء لتجنب اللسعات وقرصات البق التي ما من شيء مؤلم في هذه القرية سواها. ‘ شاعرة من سورية تقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية