الحنين لقنوات التفاوض السرية
الحنين لقنوات التفاوض السريةيصعب علينا ان نفهم سر غرام السيد محمود عباس رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية بالمفاوضات السرية، واصراره علي انها الوسيلة الوحيدة الأكثر نجاحاً في الوصول الي تسوية مع الاسرائيليين رغم خيبة الأمل الكبري التي تمخضت عنها مفاوضات أوسلو التي أشرف عليها، وأوصلت الشعب الفلسطيني الي حال الهوان التي يعيشها حالياً.السيد عباس كشف امس في حديث لصحيفة هآرتس الاسرائيلية انه اقترح علي نظرائه الاسرائيليين اجراء محادثات سرية، وانه يعتقد في امكانية التوصل الي اتفاق سلام في غضون عام.ولا نعرف لماذا يريد السيد عباس قنوات سرية خلفية للحوار، وهو الذي علي اتصال مباشر مع الاسرائيليين، ولا يتحرك خطوة واحدة دون أخذ اذنهم. المفاوضات السرية كانت مفهومة في الماضي، وقبل اتفاقات اوسلو وعودة السيد عباس وقيادة المنظمة الي غزة ورام الله، لأن الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي كانا في حال عداء، ولا يعترف اي منهما بالآخر، اما الآن فلا حاجة الي السرية علي الاطلاق.ومن المفارقة ان رفض هذا العرض من قبل رئيس السلطة جاء من قبل الاسرائيليين وبطريقة مهينة للغاية، حيث وصف ايهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي بالوكالة وزعيم حزب كاديما المرجح فوزه في انتخابات الاسبوع المقبل، وصف السيد عباس بانه زعيم فاشل ولا فائدة من اجراء اي مفاوضات معه بعد فوز حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية الاخيرة. بينما قال مارك ريجيف المتحدث باسم وزارة الخارجية الاسرائيلية ان القوة السياسية الحقيقية في السلطة الفلسطينية لم تعد بأيدي السيد عباس وزملائه لانها انتقلت الي حماس .السيد عباس ارتكب خطأ كبيرا بتقديمه هذا العرض للاسرائيليين، لانه يعرف جيدا انهم شطبوه كشريك في اي مفاوضات لعدم اقدامه علي نزع سلاح حركة حماس مثلما طالبوه دوما، ولان القوة الشرعية الحقيقية في الساحة الفلسطينية هي حماس ، وحتي لو اجري هذه المفاوضات السرية، ونجح في بلورة اتفاق سلام علي غرار اتفاقات اوسلو، فان هذا الاتفاق لن يكون مقبولا لا من حماس ولا من الشعب الفلسطيني الذي انتخبها.الشخص الوحيد الذي يمكن ان يوقع اتفاقا مع الاسرائيليين ويستطيع تسويقه للشعب الفلسطيني هو المرحوم ياسر عرفات لما كان يتمتع به من شعبية ورصيد وطني يخوله لهذه المهمة. وحتي هذه المهمة، اي توقيع اتفاق سلام، باتت غير ممكنة في سنواته الاخيرة، بسبب تآكل رصيده، وفشل اتفاقات اوسلو في ايصال الشعب الفلسطيني الي الدولة المستقلة بسبب استمرار عمليات الاستيطان، واعادة احتلال الضفة الغربية ومعظم قطاع غزة.السيد عباس لا يريد ان يقرأ المتغيرات علي الساحة الفلسطينية قراءة صحيحة، وما زال يعتقد انه يعيش في تونس، وليس في رام الله، حيث تتواجد الدبابات الاسرائيلية علي بعد بضعة امتار من مقره.الانتخابات الفلسطينية الاخيرة ونتائجها احدثت زلزالا في الحياة السياسية الفلسطينية، ومسحت كل ما قبلها من ممارسات، واجتهادات سياسية، وحركة حماس لم تفز فيها بسبب برنامجها السياسي الذي هو نقيض لاوسلو والمفاوضات السرية والاعتراف بالدولة العبرية، وانما لأن السلطة ورجالاتها لم يتعاملوا مع الطرف الاسرائيلي من موقع الند، ولم يتمسكوا بتراث فتح الحقيقي الذي جعلها القوة السياسية والعسكرية الاكبر علي الساحة الفلسطينية.نتمني ان يؤدي هذا الرد الاسرائيلي المهين علي السيد عباس الي اسدال الستار نهائياً مع كل طروحات القنوات الخلفية، والمفاوضات السرية، وفتح اعين السلطة ورئيسها علي الواقع الفلسطيني علي الارض، وهو واقع يتناقض كليا مع المرحلة التي كان فيها التفاوض السري ممكنا وجائزا.9