الاحتفال بتدشين المرحلة الأولى لإنشاء سجل الأعمال الإداري الفلسطيني، تأخر قليلاً. العاملون في الوزارات الحكومية استغلوا هذا التأخير من أجل تبادل الشائعات قليلاً عن رؤسائهم، وبالأساس من أجل تبادل معلومات بشأن الطرق القروية، التي تتجاوز الحواجز التي يمكن من خلالها الخروج من رام الله والعودة إلى البيت.
قبل أسبوع أغلق الجيش الإسرائيلي عدداً من مداخل مدينتي رام الله والبيرة والقرى التي تقع في محافظة رام الله، وعلى مداخل أخرى وضع جنود يعيقون حركة السيارات الخارجة. أحياناً تمر خمس سيارات في الساعة وأحياناً 15 سيارة، خاصة بعد الظهيرة والمساء، حيث تمتد طوابير طويلة من السيارات. السائقون يتصلون مع البيت ويشرحون بعصبية منضبطة أنه لا يوجد ما يمكن فعله، الاحتلال يقوم بعملية انتقام جماعية.
ليس بالإمكان تسمية العقبات «اتخاذ وسائل أمنية استناداً إلى معلومات استخبارية»، حيث أن كثيراً من السائقين يجدون طرقاً ملتوية (يعرفها الجيش جيداً، ولو أراد كان يمكنه إغلاقها) من أجل الخروج من القفص. يفضل السفر الطويل «بدلاً من الوقوف ساعة أو ثلاث ساعات والنظر إلى الجنود في جيل الـ 19 وهم يتحكمون بنا ويلعبون بوقتنا»،ما قاله أول أمس موظف في وزارة الإعلام لزميله الذي تعرف عليه للتو من وزارة الاقتصاد الوطني. مواقع الأخبار تنشر صور الوضع في الحواجز التي تقع في محيط رام الله للتسهيل على السائقين. وعلى صفحات الـ «فيسبوك» تتواصل أخبار عن ذلك: مكان وجود حركة بطيئة لكنها تتدفق، مكان وجود اختناقات للسيارات ليس لها بداية ولا نهاية. أحياناً ثمة غيوم سوداء مصدرها الإطارات المشتعلة تجعل السائقين يبتعدون عن أماكن المواجهات، مثلاً قرب مخيم الجلزون للاجئين، وهكذا فإن الشوارع الموازية تختنق على الفور.
في كل صباح، الجميع يستيقظون على أخبار جديدة، بما في ذلك عدد المعتقلين في الليلة السابقة وعدد الاقتحامات العسكرية. أمس مثلاً، خمسة معتقلين: 3 من كوبر، وواحد من رام الله، ووالدة أسير من حزما. أول أمس العدد كان 28 معتقلاً، منهم 15 معتقلاً من العيسوية، كما نشر في وسائل الإعلام الفلسطينية: أول أمس رفضت المحكمة العسكرية في عوفر إطلاق سراح عمر وعاصف، وهما والد وشقيق صالح البرغوثي الذي اتهمته إسرائيل بإطلاق النار على إسرائيليين في عوفرا، وحسب تقاريرها، فقد قام الجنود بقتله.
العائلة وممثلو جمعيات حقوق إنسان أعلنوا أنهم لا يستطيعون تصديق التقارير عن موته طالما أنهم لم يروا الجثة، حيث إن شهود عيان قالوا إنهم شاهدوا صالح وهو يخرج حياً من سيارته، بعد أن أطلق الجنود النار عليه قرب سوبرماركت في قرية سردا. في اقتحام كوبر أمس قام ضابط الشاباك بالتحقيق بشكل مطول، كما يبدو (في وسائل الإعلام الفلسطينية يتحدثون عن «قوات الاحتلال») مع سهير، والدة صالح. نادي الأسير الفلسطيني قال إنه أثناء اعتقال الأب (67 سنة) والتحقيق معه فإن المحققين في المسكوبية لم يسمحوا له بالنوم سوى ساعتين في اليوم، وأنه تم إبقاؤه ساعات طويلة وهو مكبل الأيدي من وراء ظهره على كرسي قصير.
مستهلكو الأخبار يتخيلون، بمزيج من الغضب والعجز، ما يمر ببالهم عندما يمنع من النوم وظهره محني في وضعية مؤلمة ـ وهو لا يعرف ما الذي حدث مع أحد أولاده، ويخاف على ابنه الثالث الذي أعلن أنه مطلوب، ويعرف أن بيوت أبنائه وعائلته تتعرض لخطر الهدم بما سمي «الردع الإسرائيلي»، الذي يفسر في الضفة كانتقام جماعي. الإذاعة أيضاً تتحدث عن شيء آخر يقلق الجمهور، على الأقل الجمهور الموجود في منطقة رام الله: ارتفاع أسعار السفر في المواصلات بسبب الوضع. هل يحق للسائق أخذ سعر أعلى مقابل السفر بسبب الانتظار الطويل في الحواجز، أو زيادة كمية الوقود المستهلكة في السفر؟ إذا كان الأمر كذلك، فكم؟ الشكاوى في قسم الشكاوى في وزارة المواصلات ازدادت، قال المتحدث بلسان الوزارة.
السجل الفلسطيني يتضمن فقط أعمالاً من القطاع الخاص. المكتب الفلسطيني المركزي للإحصاء بدأ قبل حوالي أربع سنوات في إنشاء السجل بمشاركة وزارة المالية والاقتصاد القومي الفلسطينية، وبدعم مهني ومالي (700 ألف يورو) من الحكومة الفرنسية. هذا مصدر للفخر، جزء من عملية بناء مؤسسات الدولة، قال متحدثون فلسطينيون وفرنسيون رسميون. الفرنسيون أكدوا أن الدعم يعبر عن الثقة بمستقبل الدولة الفلسطينية. طاقم التأسيس في مكتب الإحصاء حظي بالثناء، وهكذا أيضاً روح التعاون وتبادل المعلومات بين الجهات المختلفة: وزارة الاقتصاد الوطني، وقسم ضريبة القيمة المضافة في وزارة المالية، ومكتب التجارة، والبلديات. في محادثة خاصة، شكر أحد أعضاء طاقم التأسيس بلدية رام الله: من بين كل البلديات، فالمعلومات التي قدمتها كانت الأكثر دقة.
من بحث في وسائل الإعلام الرسمية عن معلومات دقيقة عما حدث في جامعة بير زيت يوم الإثنين الماضي استصعب أن يجد أي معلومات. كانت هناك حاجة إلى تجميع شيء ما من البيان الذي أصدرته الإدارة عن وقف التعليم وإغلاق البوابات أمام الطلبة في يوم الثلاثاء، من بيانات استنكار ومن أفلام فيديو قصيرة، عصبية، عرضت في «فيسبوك». وهذه أظهرت عدداً من الأشخاص أقوياء البنية الذين يرتدون الملابس المدنية وهم يوقفون السيارات على مفترق الطرق أمام الجامعة، ويحاولون إخراج المسافرين من السيارات. اختناق سيارات كبير نشأ حولهم. «هؤلاء بالتأكيد مستعربون»، قالت التي كانت تصور بالهاتف المحمول «انظروا، لديه مسدس»، قالت أخرى تقف قربها.
في الأفلام القصيرة نرى كيف يهرب عدد من الشبان برشاقة من السيارات التي أوقفت، ويركضون نحو الحرم الجامعي. بعض الرصاص في الجو أذهل المصورة. طالب تحدث للصحيفة قال: إنه كان يسافر في السيارة طلاب من التربية الرياضية، أحدهم ـ المقرب من الكتلة الإسلامية في مجلس الطلاب ـ كان قد علق عبر «فيسبوك» ينتقد السلطة الفلسطينية ويدعو الجميع إلى مهاجمة مراكز الشرطة الفلسطينية، في ظهيرة يوم الإثنين. ساعة «الهجوم» مرت بلا شيء ـ هكذا من الواضح أن هذا كان مجرد بطولة «فيسبوك» فقط. ولكن أحداً ما في المخابرات العامة الفلسطينية قرر إرسال عدد من رجاله من أجل اعتقاله، قال الطالب.
المراقبون ومن كانوا لا يزالون في الحرم الجامعي كانوا على قناعة بأن هؤلاء مستعربون، جاءوا قبل بضعة أشهر لاعتقال رئيس الكتلة الإسلامية، لكن المسافرين في السيارة فهموا أن الأمر يتعلق بالأمن الفلسطيني، وربما أبلغوا أصدقاءهم في الكتلة الإسلامية الذين انتظروهم في الحرم الجامعي وبدأوا يهتفون ضد «الشبيبة» (كتلة فتح الطلابية). شجار كبير نشب بين الكتلتين في الجامعة، وتم تحطيم النوافذ والأثاث. عندها جاء أناس ونشطاء آخرون إلى المكان وتدخلوا من أجل تهدئة النفوس وتهدئة الأعصاب المتعبة للجميع.
عميره هاس
هآرتس 21/12/2018