التقته: فاطمة عطفة كان مخططا لهذا الحديث أن ينشر بعد أيام من إجرائه، لكن الأحداث العاصفة في أكثر من بلد عربي أدت إلى التأخير، وقد رحل الأستاذ الفقيد خلدون النقيب إلى جوار ربه – تغمده الله بواسع رحمته – قبل أن يرى حديثه منشورا في ‘القدس العربي’. وإذا كانت المنارات الثقافية لا تغيب ولا يخفت وهجها بالرحيل، أرجو أن يحمل نشر هذا الحوار في طياته بعض العزاء والصبر الجميل لأسرة الراحل الكبير وأبناء وطنه وأمته. وأنا، إذ أشارك قراء ‘القدس العربي’ فرصة الدخول في عالم النقيب وتطلعاته الفكرية، أشعر بحسرة خاصة لفقدان هذا المفكر العربي الجليل.* نبدأ من خلال خبرتك الخاصة والبيئة الثقافية التي تؤهل الإنسان وتوجه اهتماماته نحو الثقافة والعلوم، هل التميز ناتج عن الموهبة المتولدة لدى الإنسان فقط؟ أم أن البيئة لها أثرها في اكتشاف هذه الموهبة وتوجيهها؟* لقد بدأت بشكل مبكر بالقراءة وبالسياسة ربما في وقت متقارب، منذ أن كنت في المرحلة الثانوية قضيت وقتي بين كتب والدي الذي كان قاضيا وكان مهتما بالثقافة وبالتاريخ، وفي ذات الوقت كنت أدرس في العراق، وهذا كان في الأربعينيات والخمسينيات، عندها كان العراق يغلي، واندمجت بالعمل السياسي وطردت من المدرسة في العراق أثناء العدوان الثلاثي على مصر. عدت إلى الكويت وأكملت دراستي الثانوية فيها. هناك برز ميلي نحو موضوعين هما التاريخ وعلم النفس، وقد حاولت أن أربط بين الاثنين من خلال قراءاتي. ثم بعد انقلاب عبد الكريم قاسم عدت إلى العراق وطردت مرة أخرى من الجامعة في عهد سيطرة البعثيين والقوميين فذهبت إلى مصر وأكملت دراستي هناك، طوال هذا الوقت كانت قراءاتي تتوسع من علم النفس والتاريخ إلى علم الاجتماع والتخصص الذي اخترته، والذي وسع مداركي وشغلني في هذا الوقت هو المساهمة في العمل السياسي وربما يكون هذا أحد العوامل التي دفعتني للتفكير في القضايا الهامة.* ربما من خلال عمل والدك في ميدان القضاء والحرية المتاحة في الكويت بالإضافة لاندماجك في العمل السياسي في العراق والدراسة في مصر، هذه الدول الثلاث ماذا شكلت بالنسبة لك؟ وماذا أضافت هذه البيئات الثلاث المختلفة لشخصك؟* النقطة الأساسية هي أني لم أكن قوميا في يوم من الأيام، ربما أقول إني مؤمن بالأممية، ولذلك هذه الدول الثلاث علمتني أن إحساسي هو عدم حصر الانتماء لمنطقة أو بلد والتعصب له، بل علمتني الانتماء والتعصب للدول العربية كلها، ولذلك قطعت دراستي للدكتوراه وتطوعت بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إذاً انتمائي كان عربيا أمميا، وهذه الفكرة التي تعلمت منها أن لا أبقى في مكان واحد لمدة طويلة.* يلاحظ أن الكثير من الأدباء والمثقفين الذين تطوعوا للعمل لدى فصائل منظمة التحرير ومنها الجبهة الشعبية، كان لديهم شعور قوي بالقضية الفلسطينية وبضرورة النضال في سبيل هذه القضية المحورية؟* في الحقيقة، كان موضوع القضية الفلسطينية هو المحور الأساسي، وهذا المحور كانت تدور حوله جميع الاتجاهات الفكرية، والأشخاص الذين ذكرتهم مروا بهذه المرحلة التي مررت بها. لكن هناك خيبة أمل من منظمة التحرير، ومن قيادة منظمة التحرير، ومن القيادات الفلسطينية عموما، وهذه النقطة تحديدا ركز عليها محمد عابد الجابري في كتابه عن الخطاب العربي المعاصر، إذ حاول أن يصورها بشكل دقيق، وهي أننا كنا في مرحلة الحلم. وعندما جاءت حرب 67 كانت هناك خطة محاكة أسقطت كل شيء، هذه الصدمة التي ما يزال صداها يتردد ليس فقط في ميادين السياسة، وإنما أيضا في ميادين الثقافة حيث فقدنا ليس الأمل ولكن الإحساس بأنه من الممكن أن يكون هناك مخرج من مأزق الأمة العربية الأساسي، والذي هو فقدان القيادة والروح للإبداع والابتكار. إن الإحساس باليأس استمر لفترة طويلة إلى ما بعد حرب 73. بعد حرب 73 كانت هناك صدمة جديدة بقدوم السادات وظهور التيار الساداتي. الآن التيار الساداتي ليس تيارا سياسيا فقط، بل تيار ثقافي، وهو تيار الخضوع والخنوع والتخلي عن المقاومة والتخلي عن دولة الرعاية الاجتماعية، حتى الحركات الأدبية والفكرية دخلت في مرحلة مهينة. فالوجودية انتشرت على نطاق واسع، والثرثرة فوق النيل والمخدرات وغيرها، كل هذا انتشر في هذه الفترة. * أليس هناك من طموح للنهوض أو أمل بالصحوة؟* نعم، نحن بدأنا نستفيق تدريجيا الآن، ومنذ فترة الثمانينيات والتسعينيات بدأ يتبلور التياران الرئيسيان، التيار المنهزم وهو تيار اليسار، والتيار القومي وتيار الإسلام والذي هو وعلى الرغم من اعتقادنا بأنه تيار محافظ ومتزمت وربما رجعي في كثير من الأحيان، ولكنه هو الذي رفع راية المقاومة للهيمنة الأجنبية، ونحن ندين لهذا التيار بالحقيقة في إحياء فكرة المقاومة وثقافتها. وأنا أذكر أن حسن حنفي لديه مجموعة من الدراسات بعنوان ثقافة المقاومة، وهذا شيء جميل، لكننا الآن نعيش في معضلة أن الذين يقاومون هم أكثر الجماعات تزمتا وتحفظا من الناحية الاجتماعية. والشيء نفسه تجدينه الآن في العراق الذي مزق ودمر، فهو الآن بلد مدمر وممزق والذين يقودونه اليوم هم الصدريون وغيرهم، وهم من أكثر الناس محافظة وتزمتا. ونلاحظ أيضا أن جميع التيارات في العراق تريد أن تحصل على صفقة، إما مع إيران أو مع الأمريكان. لا رجاء الآن للعراق إلا في انقراض هذا الجيل الذي يقوده، وهذه العملية ربما تأخذ زمنا طويلا جدا أو أن ينتفض الشعب العراقي. وهناك لمعلوماتكم انتفاضات كثيرة تحدث في العراق، آخرها التي وصلت للإعلام في منطقة الديوانية ومنطقة الفرات الأوسط، كانت هناك مظاهرات تطالب بالخدمات، ومن الممكن مع الأيام أن يتطور هذا الشيء لأمر آخر، فالعراق لم يذهب بعيدا عن صدام حسين، فالذين يحكمون العراق يحكمون بعقلية صدام حسين والنظام الراحل.* برأيك هذه الحركات التي غدونا نتحدث عنها اليوم والتي ظهرت في دولنا العربية، هل هي دليل على فشل النظام العربي وهو الذي دفع بهذه الحركات للتكون والظهور؟ وهل المجتمعات قادرة وحدها على أن تخلق شيئا تبحث عنه نتيجة لفشل القيادات؟ * النظام العربي حسب تقديري نشأ من سايكس بيكو وفشل فكرة الدولة العربية. منذ تلك اللحظة ونحن تدريجيا نتخلى عن فكرة أن هناك شعبا وأمة واحدة. هذه الأنظمة التي جاءت في ظل الاستعمار قامت بعدة أعمال، ولكنّ هناك عملين فقط مهمان بالنسبة لنا، هما مسألة التحديث والعصرنة على الطريقة الغربية والبنى التحتية التي أنشأتها. ولكن هذين العملين خلقا فكرة أن هناك شخصية وطنية مميزة لكل شعب عربي تختلف عن غيره من الأقطار الأخرى، وهنا بيت القصيد. نحن العرب نتعاطف مع بعضنا بعـضاً كعرب وإلى ما هناك، لكن فكرة الشعب الواحد والأمة الواحدة هذه أساسا، هناك الكثير من المثقفين في المؤسسات الفكرية وغيرها يتجنبون فكرة وطن عربي، أيضا فكرة الوطن العربي بالمعنى القومي أصبحت ممجوجة لأنها مبنية على التعصب القومي والعنصري. الآن عملية التحرر من القيود التي وضعت منذ عام 1919 إلى 2011 لأنه عام فيه عملية تحرير للأفكار كما حدث مع الشباب التونسي والمصري حيث يعملون على التحرر من الحكم الدكتاتوري الموجود في دولهم. أنا أعتقد أن هناك هذا الإحساس وهذه الرغبة بالتحرر الفكري أن نبدأ الآن على الأقل على مستوى الشباب بتشكيل حركة للتنسيق مع المصريين والتونسيين تحميهم من محاولة المسؤولين السيطرة على حركتهم وإثبات أنها لن تفشل، فربما نحتاج للتنسيق على مستوى الشباب وليس على مستوى الحركات والأحزاب التقليدية، فالأحزاب التقليدية مع الأسف جميعها فشلت ولا بد من أن نتقبل هذا الواقع. ليس هناك حزب سياسي تقليدي موجود في منطقة الوطن العربي يمكن أن يدعي أنه يمثل مصالح هذه الشعوب. لا الإخوان المسلمون ولا القوميون التقليديون ولا القوميون الذين تبنوا الاشتراكية، ولا حتى فكرة الاشتراكية الأوروبية، فهذه الفكرة أصلا فشلت لأن الحركات العمالية في أوروبا تخلت عنها في الحرب العالمية الأولى وانهارت الأممية الثانية والثالثة التي حاول الاتحاد السوفييتي أن ينعشها، وانهار الاتحاد السوفييتي نفسه في 89. في مرحلة العالم الجديد الآن لا بد أن نفكر في التجذير على كل المستويات وخاصة على مستوى الفكر لأنه هو الذي يوجه الفعل.* تحدثت في محاضرتك عن العولمة، وطبعا غزت العولمة مجتمعاتنا العربية وكان هناك خوف من هذه العولمة، لكن هل تعتقد أنت كمفكر أن العولمة هي التي دفعت الشباب المصري والتونسي كي يتسلم المبادرة الاجتماعية ويستخدم العولمة من الإنترنت وغيره من الأدوات لإيصال صوته للعالم وإظهار ما كان السياسيون يخفونه، فمن خلال هذه العولمة والحداثة أصبح من الصعب إخفاء الكثير من الأمور عن هذا الشباب الذي احتشد في الساحات؟ * فكرة توجسنا من العولمة، نحن نتكلم عن العولمة الغربية الرأسمالية. ولكن العولمة هي حقيقة تاريخية وهي قائمة منذ بداية التاريخ، وهذا ما حاولت أن أتطرق له من خلال محاضرتي. لكن الخوف أن تستخدم العولمة للزيادة في إخضاعنا وتخلينا عن المقاومة، كما في أطروحة نريد أن نستولي على أذهانهم وعقولهم بعد أن استولينا على أبدانهم. هذا الشعار هو الذي بدأ مع الاستعمار وهو الذي بدأ يأخذ المنحى الجديد. الجديد في هذا أن الشباب في مصر وتونس استطاعوا أن يستخدموا نفس السلاح في تحرير أنفسهم من الحكم الجائر واحتمال أن يولد حزب مجتمع عربي جديد في كليهما مليء بالآمال والاحتمالات. إذاً، الخوف ليس من العولمة فهي معنا بحكم صلات الشعوب مع بعضها بعـضاً وتلاقيها على أفكار مشتركة. نحن لا يمكن أن نوقف عجلة العولمة، ولكن نحن نتكلم عن العولمة الغربية الرأسمالية الليبرالية التي تريد أن تفتح أسواق العالم، وتريد أن تخضع شعوب العالم لإرادتها. لذلك عندما تكلمت في محاضرتي أن أوروبا تقف الآن مرتعدة، فعلا هي كذلك. وإن كنتم تلاحظون اليوم اجتماعات حلف الأطلسي ستجدون، ومن خلال الوثائق التي لا تنشر عادة، وهي موجودة على الإنترنت، وهي تدور عن التفكير الاستراتيجي للمخططين للسياسة الأوروبية، كلهم خوف من أن هذا العالم الفقير سوف يهجم على هذه البقعة الغنية. والآن توسيع حلف الأطلسي والشراكة الأوروبية وكل هذا هو تجنب لما يمكن أن يحدث. نحن هنا نتحدث على مستوى الفعل، أما على مستوى الفكر فهذا ينعكس الآن على مخاوف الأوروبيين على مصالحهم، وحتى في جامعاتهم نجد شخصا من المخططين الاستراتيجيين يقف ويقول: إن الإخوان المسلمين سوف يستلمون الحكم في مصر، وهذه كارثة بالنسبة لنا! هذا الكلام موجود في الجامعات على مستوى الأساتذة، وعلى مستوى الذين يخططون للمستقبل. وقد اقتبست نصين من دوبريه ومن قائد الجيش البريطاني في محاضرتي، ولكنّ هناك نصوصاً أخرى أكثر بشاعة وتدل على الجهل. اليوم هم يخافون منا، ونحن نعتبرهم حلفاء لنا! فكيف نخرج من هذه المعادلة؟ إن كانوا يخافون، فهناك تأكيدات بالتاريخ بأننا لا يمكن أن نشكل تهديدا لهم، سواء كان من الإخوان المسلمين أو غيرهم. أنا أعتقد أن مشروع النهضة الذي تكلمنا عنه والذي أظن أنه شكل حياتنا الثقافية من أيام سعد زغلول إلى أيامنا هذه، كيف نبني المؤسسات، كيف نكتب القوانيين وكيف ندخل الشريعة في هذه القوانين، وأسلوب التعليم الحديث وغيره، هذا كله يجعلنا نعيد لأذهاننا مقولات مثل المستبد العادل، مثل عدم التناقض بين التراث المسيحي وبين الإسلام، فالإسلام من الممكن أن يكون حديثا. كل هذه المقولات في عصر النهضة الآن لا بد أن تجعلنا نعيد النظر حتى في الأسس الفكرية التي بني عليها المشروع الحضاري في عصر النهضة الذي أنجب لنا عبد الناصر وحكمه في آخر محاولة جدية للمقاومة. الناصرية كانت مشروعا للمقاومة، ولكنه مشروع ثبت أنه متخلف لأنه لم يستول على قيادة أيديولوجية المقاومة. نعم، نحن لا نريد الانعزال، ولكن في ذات الوقت نحن بحاجة إلى أن نحدد مصالحنا على أساس مصالحنا، وليس على أساس قربنا أو بعدنا من الغرب، وفعلا نحن نعاني من لعنة قربنا من الغرب.* هل برأيك الشباب اليوم في بداية تبشر باسترجاع عصر النهضة لهذه الأمة حتى لو أخذ وقتا؟ وهل الثورة التي بدأت في تونس ومصر يمكن أن تمتد إلى باقي الأقطار كمجتمع شبابي يستعيد قيادة هذه المجتمعات التي شاخت ويبدأ بالتصحيح؟ * نعم من الممكن. لكن، أولا: لا بد أن ندرس العقبات أمامنا. ثانيا: لا بد أن يكون هناك تفكير بمشروع مقاومة على المدى البعيد. الآن نتحدث عن مرحلة آنية، ومن الصعب التكهن بالمستقبل. وهناك واحد من علماء الفيزياء كان يقول: لقد تعلمت أن أتنبأ بكل شيء إلا المستقبل، فالتنبؤ بالمستقبل صعب لأن هناك الكثير من المعطيات والعقبات، والعقبة الأساسية الآن أمام حركات من هذا النوع هي أن تثبت أقدامها لأنها أطاحت برؤوس النظام، ولكن وسائل القمع ما زالت قائمة وهي تتربص بهم ولا يمكن الوثوق بحكام من جيل مبارك، سواء كان في مصر أو السعودية أو في دول الخليج. هذه الحكومات تناور الآن للخروج بحل وسط يحفظ مصالحها والتي تتعارض تماما مع مصالح الشعب. أنا أعتقد أنه على جميع الدول العربية أن تدعم ثورة تونس والمغرب العربي وأن تشكل لجان تنسيق لدعم هذه الانتفاضة. وأظن الآن أن أغلب الأنظمة العربية متداعية ومتهالكة لسبب بسيط: منذ سنة 1969 كل الأنظمة تغيرت في دول العالم ماعدا الأنظمة في الدول العربية والتي هي بجميع الأحوال مقبلة على التغيير.* هناك المحور التركي والمحور الإيراني في المنطقة، البعض من العرب يتقرب من المحور التركي على أساس أنه محور معتدل، وهناك من يرفض المحور الإيراني. هل برأيك تستطيع تركيا لعب دور في المستقبل، وأنت تعلم الخلفية التاريخية وسيطرة تركيا على المنطقة العربية لمدة 400 سنة وتأثيراتها؟* بالنسبة لإيران كانت لديّ محاضرة في مؤسسة الفكر العربي، وتكلمنا عن هذه النقطة بالذات وطلبت من الحاضرين أن يتذكروا سنة 1954-55 عندما كان هناك حلف بغداد واستمرت الأحلاف العسكرية في فترة الخمسينيات. الفكرة الأساسية من وراء هذه الأحلاف هي فرض طوق أمني مكون من تركيا وإيران وباكستان والدول العربية المتعاونة معهم حول احتمال، هذا الاحتمال الذي كان مخيفا عند الغربيين يتمثل في أن سورية والعراق سيتوحدان أو يتفقان على مشروع لخلق كتلة بشرية وكتلة هائلة من الموارد في هذين البلدين. إيران لأول مرة قطعت هذا الطوق. خلقت في هذا الطوق ثغرة كبيرة. نحن نرفض حكم الملالي ونرفض العقلية المتزمتة ونرفض فكرة الطائفية في الدستور حيث يقول إن المذهب الرسمي وليس الدين الرسمي هو الإمام الإثنا عشري. هذا كله نرفضه ولكن من مصلحتنا أن تبقى إيران إلى جانبنا، ومن مصلحتنا أن تمسكهم بالدين يجعلهم أكثر تعاونا مع العرب ويقربهم لنا، ومن الخطأ الجسيم أن نحارب إيران. تبقى تركيا. بالنسبة لتركيا يجب أن لا تزعجنا حقيقة أن الأتراك حكمونا، وحكمونا بطريقة الاستبداد هذا لا ينكر، ولكن يجب أن لا ننسى أن الأتراك حفظوا هوية المجتمع العربي، حاولوا تتريك العرب بسبب التراث العربي وهي عملية موثقة، وفشلوا في ذلك لكنهم في نفس الوقت لم ينصاعوا إلى فكرة تجزيء الامبراطورية وتمزيق العالم العربي. وهذا حدث في فترة التنظيمات وهي أسوأ فترة مرت على الامبراطورية العثمانية، التنظيمات التي حاولوا أن يقيموها بضغط هائل من الغربييين: أن تركيا تقلد أوروبا بالجيش المحترف، وبنظم التعليم الحديثة، وبأن التكنولوجيا هي الطريق نحو التقدم، فانهارت مقاومة العثمانيين. وفي عام 1856 في زمن السلطان محمود ظهرت فكرة التنظيمات وبدأ انهيار الامبراطورية العثمانية منذ تلك الفترة وأصبحت لقمة سهلة. وبسبب سوء إدارة الاقتصاد وبسبب الحاجة لأوروبا، بدأت تستدين وبدأت تخضع باستمرار فيما يسمى ‘نظام من التنازلات’. والوضع نفسه وقع في مصر أيام الخديوي إسماعيل. في تلك الفترة حدثت أول مقاومة عربية وكانت في أيام عرابي 1882. هذه العمليات للأسف ليس لدينا مؤرخون في التاريخ يستطيعون الربط بين هذه الظواهر ببعضها. تركيا من ناحية أخرى، والكثير من الناس لا يعرفون ذلك، نقطة الضعف الأساسية لديها هو رغبتها في الانضمام لأوروبا، لكن الأوربيين يرفضون ذلك لعدة أسباب، منها انتماؤها للإسلام. ولكن الاعتراض الأساسي هو أن هويتها الثقافية هي ثقافة المتوسط، ولم تكن في يوم من الأيام تعتقد نفسها أوروبية إلا في زمن أتاتورك. والشيء نفسه يطبق على اليونان. وأنا ذكرت في محاضرتي كيف عاملت ألمانيا وفرنسا اليونان على أنه بلد غير أوروبي، وفعلا جغرافيا، هو أوروبي ولكن هويته هوية متوسط. وهناك عقلية محددة للشعوب المتوسطية والتي كانت تجمعها لغة واحدة مشتركة يسمونها لينغوافرانكة والتي كانت مزيجا بين العربية والفارسية والأرمنية والتركية. وأعتقد أن حتى دول البلقان والتي يرفضها الغرب الآن هو يدخلها في الحلف الأطلسي، ولكن لا يقبل بها في الاتحاد الأوروبي لأنه ليس هناك من دول البلقان من ينتمي ثقافيا إلى الغرب بل ينتمي إلى هوية المتوسط. إذاً، من باب أولى بنا أن نعتقد أن الهوية المتوسطية هي ضمن مصالحنا الحيوية العربية وليست الفكرة القميئة التابعة لساركوزي التي تتحدث عن الشراكة المتوسطية، حتى أن البلجيك والألمان والهولنديين والبولنديين يستخفون بهذه الشراكة المتوسطية ويتهكمون على ساركوزي. إذا لا الفرانكوفونية ولا الشراكة المتوسطية تستعيض عن الثقافة المتوسطية الأصيلة التي تأصلت عبر التاريخ. نحن هنا نتحدث عن ستة قرون وأكثر من هذه الهوية. نحن نعتقد أن البحر المتوسط كان بحيرة إغريقية فينيقية وهذه هويته الفعلية ولم تكن في يوم من الأيام ولم تتعد أوروبا في حدودها التاريخية الجغرافية إلا الطليان، فأوروبا تقف خارج أسوار ميلانو أما ما تحت هذا فهو عالم متوسطي وليس أوروبيا. أتمنى أن يكون هناك مجموعة من المثقفين يشاركونني هذه الفكرة ويحيون فكرة ثقافة المتوسط.