القاهرة ـ «القدس العربي»: في وقت يعز فيه الرغيف وتصبح الأكلات الشعبية كالفول والفلافل والكشري سلعاً عزيزة المنال، يرى المروجون لصكوك اليأس الحديث عن الحرية ترفاً، والمطالبة بتداول سلمي للسلطة نوعا من النزق السياسي. وبالرغم من ذلك انطلق الحوار الوطني الذي تمثل خلاله قضايا حقوق الإنسان نصيب الأسد في المحاور المطروحة للنقاش. وعلى الرغم من تشكيك وجوه تنتمي لتيارات معارضة بإمكانية أن يسفر الحوار في نهاية الأمر عن تحول حقيقي على أرض الواقع، إلا أن وجوهاً أخرى لا يمكن بأي حال رميها بتهمة التخلي عن تاريخها مقابل الحصول على «فتات التورتة» خاصة وأن كثيرا من تلك الوجوه المستقلة تلعب في مساحة «نهاية العمر» لذا فكثير من أفرادها لا يريدون أن يسدلوا الستار على تاريخهم متلبسين بتهمة المقايضة على الأحلام العريضة للجماهير التي اختزلها الشعار التاريخي لثورة الخامس والعشرين من يناير «عيش..حرية..كرامة اجتماعية» بين أغلبية دخلت متاهة الجوع ويحيط بها الخوف من كل جانب بسبب المستقبل الذي بات لا يبشر بأمل يلوح في الأفق، وبين قلة ثرية تمثل نسبة تتجاوز بالكاد 3 في المئة، يبدو الحديث عن حقوق الإنسان ترفاً. ينسب للحوار الوطني وهو يقطع خطواته الأولى انه فتح الباب لمد الجسور بين النخب السياسية على مختلف أطيافها والسلطة التي يتهمها خصومها بأنها جففت طيلة السنوات الماضية منابع الأمل في الوصول لحد أدنى من قواعد الحكم المدني الذي يضمن تداولا سلميا للسلطة وفق معايير باتت البشرية في معظم أصقاع الأرض تنتهجها في مجال الممارسات السياسية والعملية الانتخابية.
تاريخ لا ينسى
26 نيسان/أبريل من العام الماضي، يوم لا ينساه كل من عاش يحلم بمصر الجديدة القائمة على العدل والمساواة، حتى أولئك الذين يتجرعون مرارة اليأس والذين يتوقون للحظة تجمعهم بذويهم القابعين في الزنازين منذ أعوام، استبشروا خيراً حينما أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي دعوته إلى حوار وطني خلال حفل إفطار الأسرة المصرية في شهر رمضان تحت شعار «وطن يتسع الجميع» كآلية جديدة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030. فيما شملت قاعدة المشاركة في الحوار الوطني مختلف ممثلي المجتمع بكافة فئاته ومؤسساته، وثبت أن هناك حرصا شديدا من قبل إدارة الحوار الوطني للوصول إلى جميع مناطق الجمهورية، بالتنسيق مع مختلف التيارات السياسية في محاولة الغرض منها الوصول لحوار يضم المعارضين جنباً إلى جنب المؤيدين للسلطة والمتدثرين بردائها، من أجل مناقشة أولويات العمل الوطني بهدف التوصل لبناء دولة ديمقراطية مدنية حديثة.
الكثير من الآمال والطموحات من مختلف الفئات، تراهن على الحوار الوطني في حلحلة الوضع والدفع بماء الحياة للشارع السياسي الذي ذبل وأصابه الموات خاصة وأنه قبل دعوة الرئيس إلى الحوار تداعت كافة الجسور بين مختلف القوى السياسية، لذا مثل الحوار أنبوب أوكسجين بين كافة أطياف المجتمع المصري. وسابقا أشار المنسق العام للحوار الوطني إلى ان هناك 84 موضوعًا سيتم عرضها على المواطنين في ظل حرص كافة القوى السياسية على خلق مناخ إيجابي يضمن الوصول لتحقيق الأهداف المنشودة. بينما رصدت إدارة الحوار ثلاثة محاور رئيسية تنظم طبيعة عمله وهي: المحور السياسي، والمحور الاقتصادي، فضلاً عن المحور الاجتماعي. ويضم المحور السياسي خمس لجان، حيث تم الاتفاق على إضافة لجنتين واحدة متخصصة في الأحزاب السياسية، والأخرى بالنقابات والمجتمع الأهلي، بالإضافة إلى اللجان الثلاث السابق إقرارها وهي (لجنة مباشرة الحقوق السياسية والتمثيل النيابي، ولجنة المحليات، ولجنة حقوق الإنسان والحريات العامة) وثماني لجان في المحور الاقتصادي آخرها لجنة متخصصة في السياحة. وجرى تشكيل ست لجان منبثقة عن المحور الاجتماعي تشمل: التعليم، والصحة، والسكان، والأسرة والتماسك المجتمعي، والثقافة والهوية الوطنية، بالإضافة إلى لجنة الشباب.
لا يكاد يختلف أي فصيل سواء المنضوي تحت تيار أي من قوى المعارضة أو من بين الموالين للسلطة على ان الملف الحقوقي في مصر لا يزال يواجه تحديات حقيقية على المستويات كافة وفي طليعتها أوضاع حقوق الإنسان التي باتت تمثل نقطة ضعف في مسار بناء مصر الخالية من درن الاستبداد والتسلط، لأجل ذلك يمثل الحوار الوطني أحد الركائز المهمة لنيل تلك الآمال العريضة للأمة المصرية، وتجسد ذلك في تأسيس لجنة حقوق الإنسان والحريات العامة ضمن لجان المحور السياسي.
تناقش لجنة حقوق الإنسان والحريات العامة القضايا الشائكة والأمنيات التي تهفو نحوها تطلعات جماعات المعارضة المختلفة وترتكز في سبعة موضوعات من أبرزها: أوضاع مراكز الإصلاح والتأهيل واللوائح المنظمة لمراكز الاحتجاز والإشراف القضائي، فضلاً عن تعديل أحكام الحبس الاحتياطي وتقييد الحرية وقواعد التعويض عنهما والتحفظ على الأموال والمنع من السفر واستئناف الجنايات وحماية الشهود والمبلغين، وحرية التعبير والرأي «أحكام حرية وسائل الإعلام والصحافة واستقلالها وحيادها وتعددها والعقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر والعلانية، وقانون حرية تداول المعلومات» وقواعد وأحكام تشجيع التفاعل بين الجماعة الأكاديمية المصرية ونظيرتها في الخارج، وحرية البحث العلمي ومتطلباته، والعقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر والعلانية، والإبداع وحرية الرأي، وإنشاء مفوضية مستقلة للقضاء على التمييز. ويجزم رموز المجتمع المدني على أن وجود لجنة معنية بحقوق الإنسان داخل الحوار الوطني يعد اعترافاً حقيقياً بعدالة مطالب المنادين بضرورة الشروع في مسار الدولة الراشدة، ودليلًا على الإرادة السياسية الرامية لتفعيل الإطارين الدستوري والتشريعي لحماية الحقوق والحريات العامة. وطرح رموز وكوادر حركات حقوق الإنسان رؤيتهم للقضايا المنظورة على جلسات اللجنة المختصة بالحوار، وهموم المجتمع الحقوقي، سواء العامة، أو المتعلقة ببعض الأفراد والجمعيات.
ثقب في زنزانة
يمثل الإفراج عن المسجونين على ذمة قضايا سياسية أملا بعيد المنال لمعظم التيارات السياسية. وعلى الرغم من العقبات التي ظلت تمثل حجراً في وجه إحراز الأهداف الثمينة للمجتمع الحقوقي وسياسة اليد الباطشة التي ظلت تلوح في الأفق، إلا أن حشدا من الحقوقيين ما زالوا يبدون حسن ظن بالسلطة ورغبتها في تحسين أوضاع الملف الحقوقي وذلك من خلال عدة نقاط منها: أولًا: لجنة العفو الرئاسي التي اعتبر كثير من رموز المجتمع المدني إعادة تفعيلها من أبرز إنجازات الدعوة للحوار. إذ تمكنت خلال عام من إعادة تشكيلها القيام بدور فاعل في الإفراج عن مزيد من المحبوسين ووصل عدد المفرج عنهم قرابة 1400 شخص. وكذلك ساهمت اللجنة في دمج عدد من المفرج عنهم مجتمعيًا، عبر عودتهم لأعمالهم، أو توفير فرص عمل لبعضهم، بالإضافة لتسهيل إجراءات عودتهم لاستكمال دراستهم، أو إنهاء الحجز على أموالهم ورفعهم من قوائم الممنوعين من السفر. كما كان لإجراءات العفو الرئاسي الدور المحوري في خدمة الحوار الوطني؛ عبر الاستماع إلى كل وجهات النظر بغض النظر عن الاختلاف السياسي أو الآراء والتيارات الفكرية المتنافرة. ويزعم موالون للحكومة أن تفعيل عمل اللجنة دليل على نجاح استراتيجية الدولة لدعم حقوق الإنسان. غير أن كثيرا من رموز المعارضة وكوادرها يعتبرون ما تم تقديمه بالنسبة لهذا الملف يمثل نقطة في بحر، لأجل ذلك تطالب جماعات المعارضة بحث ملفات المزيد من الشباب المحبوسين والإفراج عن أي شخص يثبت برائته.
ثانيا: حرية التعبير والرأي وضمان استقلال الصحف وكافة الوسائط الإعلامية وحيادها. يرى نفر غير قليل من السياسيين ورموز الأحزاب ان نشأة الحوار الوطني يعد دليلا على سعة صدر الدولة ورغبتها في الانصات لمختلف الأصوات وتناول كافة الرؤى إعمالا بالمبدأ التشاركي الذي يضمن تنظيم عمل كل مؤسسات الدولة الرسمية منها وغير الرسمية جنبًا إلى جنب وبالتوازي فيما بينها؛ لضمان إنجاز أهداف التنمية على مستوى كافة القطاعات. غير أن الأمر في هذا الشأن يتطلب حسب رأي خبراء في الحقل السياسي الإعداد الجيد لضمان مستوى أعلى من حرية الرأي والتعبير، بالإضافة إلى استقلال وحيادية وسائل الإعلام والصحافة، لأجل ذلك يكاد يتفق كافة رموز وكثير من كوادر التيارات السياسية على ضرورة صدور قانون لتداول المعلومات يضمن للصحافيين الحصول على المعلومات من مصادرها الرسمية، ويتيح كذلك للمواطن القدرة على الوصول إلى المعلومات الصحيحة امتثالا للمادة 68 من الدستور والتي نصت على أن المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية. وكذلك يرى أقطاب العمل الإعلامي على ضرورة تعديل التشريعات المنظمة للصحافة والإعلام، بما يرسخ استقلال المؤسسات الصحافية، ويسهل أداء الصحافيين واجبهم المهني، ويرفع القيود التي فرضتها بعض مواد تلك القوانين على حرية الرأي والتعبير. فيما يطالب خصوم السلطة بضرورة خلق قنوات اتصال جديدة من شأنها توسيع مساحات الحرية المتاحة للتعبير عن الرأي، ورفع القيود عن المؤسسات الصحافية والإعلامية بما يُبرز التعدد والتنوع والاختلاف وبيان الرأي والرأي الآخر؛ وذلك لتعزيز وإثراء فكر المواطنين. من جانبه أكد الدكتور علي الدين هلال أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة ومقرر المحور السياسي بالحوار الوطني بأن أحزاب المعارضة في مصر تشهد حالة من الوهن والضعف العام على الرغم من انه من المفترض أن الأحزاب السياسية هي موتور الديمقراطية، وتابع: «نناقش في اللجنة كيف ننشط الأحزاب، وهناك عوامل تتعلق بهيكليتها وبرامجها الداخلية، تحت إشراف لجنة الأحزاب. وأخيرا لجنة النقابات والعمل الأهلي والمجتمع المدني، ونناقش دور النقابات ومشاركتها في العمل الأهلي وكل في ما يخصه».
تعديل أحكام الحبس الاحتياطي بمثل بالنسبة للعاملين في الحقل الحقوقي والمدافعين عن حقوق الإنسان هاجساً منذ فترات بعيدة، فمن المستقر عليه في الضمير الإنساني أن الحبس الاحتياطي إجراء استثنائي له شروط على رأسها الخوف من الإضرار بمصلحة التحقيق سواء بالتأثير على المجني عليه أو الشهود أو بالعبث في الأدلة وغيرها، بوصفه إجراءً يمس بالحق في الحرية. غير انه مع الممارسة حدث بعض الالتباس حتى تحول هذا الاستثناء إلى عقوبة! لأجل ذلك تكاد تجمع الموالاة والمعارضة على أن المنظومة القانونية في مصر تحتاج إلى تعديل، لأجل ذلك بمجرد ان دارت عجلة الحوار الوطني أصبح الحبس الاحتياطي من أولويات عمل لجنة حقوق الإنسان والحريات العامة باعتباره قضية شائكة تواجه المجتمع وليس بوسع السلطة تجاهلها في المستقبل. ومن أجل مواجهة الانتكاسات التي تتسبب فيها هذه الممارسة من المهم النظر بعين الاعتبار لعدد من المقترحات التي باتت تمثل بالنسبة للقوى الوطنية والجماهير الغفيرة أمنيات غالية أنفقت لأجلها الكثير من الأرواح على مر السنوات الماضية وفي مقدمتها: وقف الحبس الاحتياطي المطول الذي تلجأ إليه النيابة العامة والمحاكم، والالتزام بالتعديلات الواردة بموجب القانون 143 لسنة 2006 مع الأخذ في الاعتبار أهمية تحديد مدة واضحة للحبس الاحتياطي تطبيقًا للاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان. وكذلك اقتصار حق استخدام الحبس الاحتياطي من قبل النيابة العامة على درجة معينة من أعضائها، وإلزام النيابة العامة أو المحاكم بتبرير أوامرها القضائية بالحبس الاحتياطي وفقًا لما ينص عليه الدستور. كما ينبغي العمل على تعديل قانون الإجراءات الجنائية، الذي تجاوزه الفكر الإنساني حيث تم وضعه عام 1950 وقد تطورت الجريمة وتطور علم مكافحتها وتطورت نظريات حقوق الإنسان والحريات العامة منذ مولد ذلك القانون بشكل كبير. كما ينبغي وضع ضمانات محددة لمبررات الحبس الاحتياطي، وتفعيل بدائل الحبس الاحتياطي. وكذلك احترام حقوق المحبوسين احتياطيًا الواردة في الدستور المصري وقانون السجون ولائحته التنفيذية. وأيضاً العمل على وقف التضارب بين قرارات القضاء في شأن الحبس الاحتياطي بدون حد أقصى، وهو ما يلزم المحكمة الدستورية العليا العمل على تفسير أوجه التضارب الظاهري بين المادتين 380 و 143 من قانون الإجراءات الجنائية والتي وضعت حدًا أقصى لمدد الحبس الاحتياطي.
هي أمنيات ليست لفئة بعينها بل لشعب سبق الدنيا منذ مهد الإنسانية في تأسيس الدولة، غير انه تخلف عن الركب لأسباب لا علاقة له بها وقد حان الوقت ليسترد تركته التي استولى عليها الضباع على مدى عقود بعيدة.