الحوار الوطني المصري ليس قناة لتصريف فائض القلق وليس منصة لإطلاق

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

يبدو أن «الانسداد السياسي» في بعض البلدان العربية وصل إلى درجة تطلبت إطلاق «منصات حوار» لفتح ممرات تسمح بتجاوز الوضع «المسدود» والخروج إلى فضاءات التفاعل. لكن أسباب حالة الانسداد تختلف من بلد إلى بلد. ففي اليمن يدور الحوار بمساعدة وسيط دولي بحثا عن مخرج من الحرب، وفي السودان يتعثر الحوار بين العسكريين والمدنيين ويتحول رذاذ التعثر إلى دماء تسيل في الشارع، وفي ليبيا ينزلق الحوار إلى استخدام السلاح بين الميليشيات، وفي تونس يريد الرئيس المدني استخدام الحوار لمصادرة الديمقراطية. الحوار نظريا قد يكون خطوة إيجابية للأمام، وقد يصبح مجرد «قناة لتصريف فائض الغضب أو القلق». في مصر يكتسب الحوار، الذي بدأ بالفعل دلالات مهمة، كما تحيط به أوهام كثيرة. ومن المفيد فهم طبيعته ومساره ونتائجه المتوقعة على ضوء التمعن في مبرراته؛ فليس هناك جدل حول «شرعية الحكم» كما هو الحال مثلا في تونس أو السودان. لكن هناك جدلا حول فشل الحكومة. وهناك فرق كبير بين هذا وذاك. وهناك أيضا جدل بشأن النتائج المرجوة منه؛ فالنظام يروج لما يوصف بأنه «عقد اجتماعي جديد» بينما القوى المدنية المشاركة تريد الدفع بأجندة للإصلاح السياسي والاقتصادي غير واضحة المعالم حتى الآن.
ليس هناك إذن حديث عن «تغيير سياسي» في هذه الظروف المضطربة محليا وإقليميا وعالميا. ليس بحجة عدم وجود ربان آخر يصلح لقيادة السفينة، فالمسألة هنا لا تتعلق بـ «شخص الربان» وإنما بـ «المؤسسة» التي يمثلها، ومقدار مصداقيتها والثقة فيها. ربان السفينة الحالي، على الرغم من كل التحديات والصعاب والمسؤولية المشتركة، ما يزال هو الأقدر على طلب المساعدة، والحصول عليها من الداخل والخارج. الوضع الاقتصادي في الداخل يكاد يكون ميؤوسا منه في الوقت الحاضر، ولا بديل عن المساعدة الخارجية. ولا أظن أن هناك قوة خارجية مؤثرة في مسار الحياة في مصر حاليا، تثق في ظهير محلي أكثر من الثقة في المؤسسة العسكرية، التي تمثلها القيادة السياسية الحالية. وطالما أن القيادة تحظى بتأييد ودعم المؤسسة العسكرية، فإن هذا يُعَد كافيا لاستمرار شرعية القيادة.
وحتى نضع النقاط على الحروف فإن مصداقية القوى المدنية لن تتحقق إلا عندما تتحول من مجرد أشخاص أو شخصيات رمزية، إلى مؤسسات، وأن يتحول خطابها السياسي من مجرد شعارات مطلقة سطحية، إلى برامج عملية، تتمتع بتأييد شعبي، قابلة للتطبيق، ولها علاقة قوية بالواقع ومصلحة المواطن الفرد. الأحزاب والقوى المدنية، بما فيها المؤيدة للرئيس ليست مؤسسات، وهي مثل بقع من الزيت تطفو على سطح الماء، يمكن كشطها بسهولة والتخلص منها. بقاء الوضع على ما هو عليه خطير ومدمر لمحركات التغيير في المستقبل. ولذلك فإنه من الضروري فتح المجال العام، وخلق أرضية مستوية وممهدة للمنافسة السياسية الحقيقية، وإطلاق الحريات العامة، وإنهاء استبداد الدولة بالمجتمع وتبديد قوته. بمعنى آخر فإن الحوار لا يجب أن يكون مجرد «قناة لتصريف فائض القلق» وإنما آلية للاتفاق على إعداد أرضية صحية للمنافسة السياسية بين مؤسسات وليس بين أفراد.
أن ظاهرة الضعف المؤسسي للأحزاب السياسية والقوى المدنية المختلفة هي حقيقة واقعة، منذ مصادرة الحياة السياسية في مصر بعد تموز/يوليو 1952 وإدخال نظام الحزب السياسي الواحد، مع صعود المد الوطني والقومي في خمسينات القرن الماضي بإنشاء «هيئة التحرير» ثم «الاتحاد القومي» ثم «الاتحاد الاشتراكي العربي» حيث أصبح التنظيم السياسي، منذ ذلك الوقت، جزءا عضويا من أجهزة الدولة، تتصل شرايينه بها، ويتنفس من خلالها، ويدين بالولاء لها، حتى وصل الأمر إلى أن يصبح أمين التنظيم في الاتحاد الاشتراكي العربي في عهد عبد الناصر هو وزير الداخلية، وأن يصبح الأمين العام للحزب الوطني في عهد حسني مبارك هو وزير الإعلام. وقد ترسخ هذا الضعف مع إغلاق المجال العام، وخنق الحريات السياسية، وعدم احترام القانون، وسطو الأفراد على سلطات المؤسسات، والاستبداد بالمجتمع ككل، واضعافه ليكون دائما تحت أمر الدولة؛ فأصبح مجتمعا «كسيحا» في مواجهة دولة «كاسحة» يتعرض يوما بعد يوم لنضوب قواه. هذه العلاقة المشوهة بين الدولة والمجتمع هي خطر كبير يهدد الدولة والمجتمع معا. ويتطلب استقرار الحياة السياسية في مصر، تحريرها من كل أشكال تدخل الدولة، وإطلاق الحريات العامة، وفتح المجال العام للتفاعل بين الدولة والمجتمع، وبين المجتمع ونفسه. هذا لن يحدث بين يوم وليلة، ولن يؤتي نتائجه المرجوة مباشرة. الأولوية في الحوار هي «تغيير أسس وقواعد إدارة الحياة السياسية» وإتاحة فترة كافية من الاستقرار لممارسة السياسية على تلك الأرضية الجديدة.

ما هو مضمون الحوار؟

الرئيس عبد الفتاح السيسي «أشار» إلى رغبته في إجراء حوار وطني بين الدولة وكل القوى السياسية «بدون تمييز» بشكل بدأ عابرا في ختام لقائه مع الصحافيين في توشكى، ثم بعد ذلك وجه الدعوة صريحة في «لقاء الأسرة المصرية». هذه الرغبة كانت بلا شك استجابة لمبررات فعلية ولم تأت من فراغ. فهل كان الرئيس السيسي، أو النظام السياسي الحالي يواجه أزمة سياسية حقيقية تبرر طلب الحوار؟ الإجابة: لا. وعلى الرغم من أن النظام يواجه ضغوطا بشأن مسائل تتعلق بالحريات وحقوق الإنسان، بما في ذلك حالات الغياب القسرى، والاعتقال الممدد، ووجود عدد كبير من القيادات السياسية والنشطاء وراء قضبان السجون، إلا أن تلك الضغوط كانت متقطعة، وضعيفة، وكان يتم تسوية بعضها أو تهدئة حدتها بصفقات تجارية أو غيرها، مثل أزمة جوليو ريحيني. وقد بدأ النظام أخيرا في تقديم دليل على صدق النية في الحوار، بالإفراج عن عدد من معتقلي الرأي.
في كل الأحوال فإن الانتقادات الموجهة إلى نظام الحكم المصري في الخارج لم تصل أبدا إلى درجة التهديد، بما يدعو رئيس الدولة إلى استدعاء رصيد محلي سياسي لدعمه، أو لإجراء حوار مع القوى السياسية المحلية بقصد تأييده أو «تجديد البيعة» له، خصوصا إذا كان أمر الحوار يتعلق بوضع أسس ما يطلق عليه «الجمهورية الجديدة» و تطبيق «رؤية 2030» بعد أكثر من 6 سنوات على إطلاقها. كذلك يمكن القول بشكل عام أنه لا توجد قوة عالمية في الوقت الحاضر تستهدف النظام في مصر لغرض تهديده، أو لها مصلحة في إسقاطه؛ فالولايات المتحدة لها مصالح معه تريد المحافظة عليها، وكذلك الأمر بالنسبة لروسيا والصين والاتحاد الأوروبي. ومن ثم فان «مارش المؤامرة على مصر» الذي يتم ترديده كلما اشتد الضيق ينتفي ولا يقبل التصديق. وبسبب موقع مصر الجيوستراتيجي وثقلها البشري في الشرق الأوسط ككل، وليس عربيا فقط، فإن استقرارها يعتبر حجر زاوية في استقرار النظام الإقليمي، خصوصا في ظل السباق على القوة في المنطقة، واضطراب توازن القوى على المستوى العالمي.
وقد جاءت الدعوة إلى الحوار، على الأرجح، بقصد احتواء حالة القلق الناتج عن فشل السياسة الاقتصادية منذ عام 2016 حتى الآن، وتعزيز الاستراتيجية السياسية المحلية، وفتح الباب لتوسيع نطاق «الظهير المدني» للنظام من خلال ضم «أصوات جديدة» إلى «الكتلة السياسية الشمولية» التي بدأ تشكيلها في الانتخابات النيابية الأخيرة (حزب مستقبل وطن، والقائمة الانتخابية المغلقة التي ضمت معه أحزابا أخرى) استعدادا للانتخابات النيابية المقبلة، والانتخابات المحلية المؤجلة، مع تأكيد «عزل الإخوان المسلمين» سياسيا، أو ربما استمالة البعض منهم لصالح العزل. لقد جاء الحوار بدعوة من الرئيس عبد الفتاح السيسي، فهو الذي وجه بإعداد المنصة السياسية له، وسيكون ظله ممتدا على جلساته حتى تثمر، بحيث يطل النظام السياسي في نهايته على المنطقة والعالم وهو منتصب على منصة سياسية أوسع نطاقا، وأكثر استقرارا في مواجهة التقلبات والاضطرابات التي يمر بها الإقليم والعالم. الحوار الوطني في مصر إذن هو في جوهره استعداد للمستقبل، وليس تصفية حسابات مع الماضي، حتى فيما يتعلق بتداعيات فشل السياسة الاقتصادية، والموقف من الإخوان المسلمين. وقد شهد النظام السياسي المصري من قبل مثل هذه الحوارات في تقلباته السياسية المختلفة، مثل «الميثاق الوطني للقوى الشعبية» و «بيان 30 مارس» و «ورقة أكتوبر» وكان «الحوار» أداة من أدوات تعزيز شرعية النظام، وليس لتأسيس شرعية جديدة.
ومن الضروري التحذير من مبالغة القوى المدنية في توقعات المكاسب السياسية من الحوار. كما يجب التحذير أيضا من أن يتحول الحوار إلى نوع من «الجدل البيزنطي» بعيدا عن القضايا المباشرة التي تتعلق بتجاوز الفشل الاقتصادي، وتحسين ظروف المعيشة للطبقة الوسطى والشباب والفقراء، والدعوة إلى وضع أسس جديدة لحياة سياسية مستقرة على أساس المنافسة العادلة على أرض مستوية وممهدة للمنافسة.

المسار الاقتصادي للحوار

من الضروري وضع خطة للخروج من الحلقة المفرغة الجهنمية للديون، بدلا من استراتيجية إطالة عمر الدين التي تتبناها الحكومة، التي أسفرت فعليا عن ارتفاع الدين الخارجي بمعدل يفوق ثلاثة أمثال معدل النمو السنوي، وارتفاع خدمة الدين إلى ما يقرب من 20 في المئة من إجمالي الناتج المحلي سنويا، ووصول الدين الخارجي إلى ما يعادل ثلث الناتج المحلي. سياسة التوسع في الاستدانة لم تؤد إلى تعزيز التنمية، بل إنها انتكست بها، وجعلت السياسة الاقتصادية تدور حول محور واحد فقط هو «إدارة الدين العام» حيث أصبحت خدمة الدين العام تبتلع أكثر من 100 في المئة من إجمالي الإيرادات العامة في موازنة العام المالي 2022/2023. السياسة الاقتصادية يجب أن تعود إلى أصلها، ألا وهو خدمة التنمية وتعزيز فرص الرخاء والعدالة. كذلك فإن المسار الاقتصادي للحوار يجب أن يتضمن ما يلي:
ضرورة عودة الدولة لممارسة دورها الطبيعي في الاقتصاد كواضع للسياسة الاقتصادية، ومنظم للنشاط الاقتصادي، وداعم لفرص التنمية، وتوسيع طاقات الإنتاج، وزيادة القدرات التنافسية للإنتاج الوطني محليا وخارجيا، وإتاحة فرص العمل الملائمة للباحثين عن العمل، وزيادة الاستثمارات، وبناء اقتصاد على أسس الشفافية والعدالة والكفاءة في تخصيص الموارد، والفاعلية الإدارية. وهذا يتطلب وقف مزاحمة الدولة للقطاع الخاص؛ لأنها لن تكون بديلا عنه، ولا يجب أبدا أن تمارس في وقت واحد دور «المالك والمدير والمنظم والمراقب وجامع الضرائب». كما يجب أن تتوقف الدولة عن تشويه أداء السوق بقرارات إدارية، وضمان الشفافية والمسؤولية في أعمال المشتروات الحكومية، وعدم اقتراح مشروعات في خطط التنمية قبل إجراء دراسات جدوى كافية لهذه المشروعات بواسطة جهات مستقلة متخصصة.
توجيه الاستثمارات إلى بناء الحد الأدنى اللازم لتوفير مقومات القدرة على تحمل الأزمات في القطاعات الأساسية وعلى رأسها الغذاء والطاقة والتعليم والصحة. وفي الوقت نفسه وضع مقومات زيادة نسبة التشابك والتداخل في حلقات سلاسل الإنتاج والتوريدات العالمية، كطريق صحيح لبناء صناعات متقدمة قادرة على المنافسة في السوق المحلي والأسواق العالمية، فالسلع التي تفشل في المنافسة داخل سوقها المحلي لن تنجح أبدا في المنافسة بالأسواق الخارجية. وعلى هذا الأساس يجب إعادة ترتيب أولويات الإنفاق والاستثمار في الموازنة العامة وخطة التنمية الاقتصادية.
التوقف عن إدارة الاقتصاد بالأوامر، لما في ذلك من مخاطر شديدة على آليات السوق، مثلما نشهده حاليا في سوق البناء، وفي أسواق تجارة السلع ومستلزمات الإنتاج. الأول تأثر سلبا بقرار وقف البناء، والثاني بقرارات تقييد الاستيراد المختلفة. لقد توقف القطاع الخاص غير النفطي عن النمو تماما لمدة تقرب من عامين، وتراجع للشهر الـ 19 على التوالي في الشهر الماضي، وليس في ذلك خير.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية