الحوار مع الآخر الحضاري: ملامح من تجربة عبد الوهاب المسيري

الحوار – كظاهرة- له أبعاد متعددة مرتبطة به، وسنجد أننا كلما تناولنا بعدا، انفتحت لنا أبعاد أخرى، وإذا توقفنا عند نموذج ما، سنلاحظ إمكانية قراءته بأوجه مختلفة، وأحيانا متضادة. وهذا طبيعي ومقبول، لأن الحوار نشاط إنساني وعقلي ونفسي، وثقافي وفكري، واجتماعي وحضاري.
فللحوار شروطه الموضوعية العلمية، التي لابد للجميع أن يسلم بها، وأن يحترم نتائجها، وهذا حقيقي، لكن لا بد من توافر النيات الصادقة، والرغبة في الوصول إلى الحقيقة. ولا بد أيضا من الوعي بفنون الحوار والمناظرة، وعدم الوثوق في الطرف الآخر، خاصة إذا كانت مناظرة علانية، يشاهدها الملايين، فهنا لا تستهدف الوصول للحق، وإنما الهدف اكتساب أكبر قدر من المتعاطفين والمؤيدين، وحشد الهتاف والتصفيق وصيحات الإعجاب.
فنحن في حاجة إلى المنهج التحليلي بهدف التوصل من خلاله إلى كشف اللبس، بتقرير الحجة وإظهار الحق، ويبلغ ذروة التحقيق في الإحاطة بشروط البرهان، لأنه مدعوم بالعقل والاستدلال، ومن هنا يمكن أن ينطلق الحوار، ليس بين الحضارات والثقافات، لكن بين ممثلي تلك الحضارات والثقافات، لأن الحضارات والثقافات كيانات معنوية لا تتحاور في ما بينها، فأصحابها انطلاقا من الموروث الحضاري والثقافي عندهم، هم الذين يتحاورون، وهم لوحدهم بإمكانهم رسم منهج للحوار، لرفع كل غواشي التنافر والصراع الناجم عن اللاتفاهم والتعصب والانغلاق، وللدخول في نقاش وتداول للآراء، ووضع حد للصراع أو القطيعة بينها.
والأهمية الكبرى للمواقف الحوارية، خاصة على مستوى الحوارات الحضارية والثقافية والسياسية، لا تنبع من الآراء الواردة فيها فحسب، وإنما من طبيعة الشخصيات المتحاورة ذاتها، وكيف تسوّق أفكارها، وتحشد الجماهير وراءها.
ومن هنا، يكون من المفيد التطرق إلى نماذج من الحوار، وتحليلها، من جهة القضايا المطروحة، والشخصيات المشاركة، والجمهور الحاضر فيها.
وتقدم لنا شخصية عبد الوهاب المسيري (رحمه الله) تجربة ثرية في الحوار، إبان وجوده مبعوثًا في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث شارك في مناظرات ومواقف متعددة للحوار مع علماء الغرب عامة، والصهاينة واليهود خاصة . فمن المفيد دراسة هذه التجربة، جنبا إلى جنب مع فكره العميق، الذي كان حصيلة حياته، وعلى حد قوله في كتاب «رحلتي الفكرية: البذور والجذور والثمار»: «إنني فهمت كثيرا من أحداث حياتي الخاصة (الذاتية) من خلال الموضوعات نفسها الأساسية الكامنة التي استخدمتها في دراساتي وأبحاثي الموضوعية» فهو يتأمل أفكاره وقناعاته ونفسيته، في ضوء الروافد التي تغذي عقله ومعارفه، متخذا من المقارنة والموازنة سبيلا مضافا للتفكر، وكما يقول نصا: «في تصوري أن المعرفة الإنسانية أساسا معرفة مقارنة» فمن خلال الأمثلة التي سنسوقها نعرف أن الحوار له متطلبات وتبعات، قد يحمل بعض المتحاورين نيات طيبة، لكن هناك منهم من يحمل نيات خبيثة، فتتكشف أمور كثيرة.
فمثلا، لا ينسى المسيري مشهداً رآه في التلفزيون الأمريكي بعد حرب 1967، حين كان موشيه ديان وزير الدفاع الصهيوني، يحاور بعض الأسرى المصريين العائدين إلى مصر، وكان موضوع خطبته بطبيعة الحال عن سلام مزعوم. وطالب ديان الجنود العائدين إلى مصر، إبلاغ القيادة المصرية، رغبتهم الصهيونية الصادقة في السلام، فلم يرد الجنود عليه، واعتلى وجوههم الصمت، وحينما ركبوا الأتوبيس هتفوا ضده، فقال المعلق، إن الجنود لن ينقلوا للقيادة المصرية رسالة السلام هذه، فقد هتفوا ضدنا.
سنلاحظ أن هذا الموقف لم يكن حواريا، وإنما كان موقفا تسلطيا، فموشيه ديان، فعل ذلك، عقب هزيمة 1967، وأراد من تصوير الحدث وبثه في الإعلام الأمريكي، إقناع الرأي العام في الغرب أن عدوان إسرائيل كان دفاعا عن نفسها، وأنها راغبة في السلام، وأن المشكلة في هؤلاء العرب رافضي السلام. ويكون السؤال أهذا مشهد حواري؟ أم حوار من طرف واحد للتسويق؟
كانت الصهيونية تروّج لنفسها في الغرب وأمريكا، كونها حركة إنسانية لا تهدف إلى الاستيلاء على فلسطين، وأن الزعيم الصهيوني المؤسس ثيودور هرتزل كان كاتباً ليبرالياً، وحديثه عن طرد العرب ينتمي إلى الأيام الرومانسية من حياته، قبل أن ينضج فلسفياً، فكان المسيري يرد على من يقول ذلك بأن ماركس نوردو، وهو شريك هرتزل في تأسيس الحركة الصهيونية؛ صرخ قائلاً: «لمَ لم تخبرني بوجود الفلسطينيين؟» وكأنه كان يعرف أول مرة بوجود الفلسطينيين في المؤتمر الصهيوني الأول، ويذكر أيضا أن عالم الاجتماع اليهودي لودفيج جومبلوفيتش، أرسل خطاباً إلى هرتزل يتهمه فيه بالسذاجة، لتصوره أنه سيؤسس دولته الصهيونية من دون اللجوء إلى العنف.
ويذكر المسيري أيضا، أنه كان يسير بجوار المركز الإسلامي في نيويورك في مانهاتن، ووقف أمام أحد المطاعم فوجد شيئاً لا يصدق: بطاقة شخصية (مصرية) لأحد الجنود المصريين الذين سقطوا شهداء في الحرب، تحمل صورته وإلى جوارها ملابسه المضرجة بدمائه. فتساءل المسيري: هل كان من المفروض أن يراها رواد المطعم فتزداد شهيتهم للدماء والعنصرية؟
ويتذكر أنه في تلك الآونة استمع إلى محاضرة كان يلقيها جنرال إسرائيلي، وقد فوجئ الجنرال بحماس الجمهور الأمريكي البالغ بالانتصار الإسرائيلي الكاسح، والتنكيل بالعرب، وإراقة دمائهم، كما لو كانت المسألة لعبة من لعب الأطفال، فاستشاط غاضباً أمام الجمهور وقال: «يجب أن تتذكروا أننا نتحدث هنا عن بشر وعن دماء بشرية» فوجم الحاضرون، إذ اكتشفوا أنهم كانوا يقومون بشعائر بشعة وثنية بدائية، هي الشماتة في دماء عربية.
ونؤكد ختاما على أن الحوار والمناظرات هي مواقف وأحداث وآراء، ومن الخطأ عدم تحليل الحوارات ودراستها بشكل معمق، بل لا بد من إخضاعها للدرس، والنظر في الاستدلالات الواردة فيها، وكيف يمكن البناء على نتائج هذه الحوارات، والنظر إلى الأجواء التي أجريت فيها. وإذا كان الحوار سبيلا لإزالة التعصب، وإيصال رسائل مختلفة، فإنه أيضا يكشف الكثير من الحقائق عن وجهات النظر المختلفة.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية