الحوار هو الطريق الأقصر لأمن اليمن واستقراره
د. سعيد الشهابيالحوار هو الطريق الأقصر لأمن اليمن واستقراره جاء تعيين رئيس وزراء جديد لليمن الاسبوع الماضي مفاجئا للكثيرين، من حيث توقيته والشخص المعني بالمنصب الجديد. فقد تمتع رئيس الوزراء السابق، عبد القادر باجمال، بتقدير خاص لدي الرئيس علي عبدالله صالح، واستمر في منصبه ثلاث دورات متعاقبة. ومن خلال قراءة الوضع اليمني يتضح ان هناك عددا من القضايا المهمة التي تتطلب رؤي جديدة، وتحتاج قدرة ادارية متميزة وربما توجهات جديدة علي صعيد السياسة في داخل اليمن وخارجه.فهناك اولا الضغط الدولي لاجراء اصلاحات اقتصادية جذرية كشرط لاستمرار المعونات الخارجية، ومكافحة الفساد، وثانيا الاستعداد للانتخابات البرلمانية التي أكد الرئيس اليمني في رسالة اعفاء رئيس الوزراء السابق، انها ستكون في العام المقبل (2008)، وثالثا التعاطي مع التوتر الامني في اقليم صعدة بطريقة جديدة بعد ما يقرب من ثلاثة اعوام علي اندلاع الموجهات المسلحة فيه. المطلعون علي اوضاع اليمن يقولون ان رئيس الوزراء الجديد، علي محمد مجور، يتمتع بقدرات اقتصادية قوية أكثر من سلفه، وعرف بمحاربته الفساد في منصبه السابق كوزير للكهرباء. وينقل عنه انه امر بقطع الكهرباء عن مكتب اقليمي للمؤتمر الشعبي العام نظرا لعدم دفعه فواتير الكهرباء طوال السنوات الخمس الماضية. ويري البعض ان هذا التعيين يسعي لفصل ثلاث مهمات رئيسية عن بعضها. فرئيس الوزراء السابق سيكون معنيا بالسياسات الداخلية للحزب الحاكم، بينما سيتولي رئيس الوزراء الجديد مهمة الادارة الاقتصادية، اما الرئيس فسوف يمسك بالمسألة الامنية خصوصا مع استمرار الازمة في شمال البلاد. الرئيس اتخذ هذه الخطوة لكي يوضح للمانحين (مثل البنك الدولي) انه جاد تجاه تحقيق اصلاحات سياسية واقتصادية، وتجاه ايجاد حل للازمة المتواصلة في اقليم صعدة. عرف اليمن بانفتاحه السياسي مقارنة بالبلدان المحيطة به، كما عرف بحراكه المتواصل في الجانب الحزبي وتعايش ابنائه علي اختلاف مشاربهم الدينية وانتماءاتهم الايديولوجية. فهو بلد عريق كانت له حضارته في العصور السابقة للاسلام، وذكر في القرآن في اطار الحديث عن بلقيس، ملكة سبأ، وسد مأرب الشهير. لعب دورا محوريا في التاريخ الاسلامي وعرف بمدارسه الفقهية وعلمائه وفقهائه وشعرائه، وفي التاريخ المعاصر كان اليمن بلدا متميزا في تفاعله مع التموجات الفكرية والايديولوجية في العالم العربي. حكم بنظام الامامة علي مدي الف عام حتي 1962، وكانت الحرب اليمنية في تلك الفترة فارقا بين عهدين: عهد الحكم الامامي والنظام الجمهوري الحديث، واعتبرها البعض في بعض جوانبها تجسيدا للصراع بين مصر عبد الناصر والحكم السعودي، اذ تدخل الطرفان بشكل شبه مباشر، في ذروة صراع العروبة الثورية الذي تمثله مصر و الاسلام المحافظ الذي تمثله السعودية. كان صراعا مريرا ادي الي تغير جوهري في التركيبة السياسية والدينية في البلاد، واصبح اليمن طوال الفترة اللاحقة محسوبا علي الدول التقدمية العربية، خصوصا مع استمرار الحرب ضد الاستعمار البريطاني وتصدر اليمن للقضايا العربية. وعلي مدي الثلاثين عاما اللاحقة تميزت العلاقات بين اليمن والسعودية بقدر من التوتر نظرا للتغاير الايديولوجي بين النظامين. ففي عهد الرئيس ابراهيم الحمدي (1974 ـ 1977) تبني اليمن سياسة خارجية مستقلة عن السعودية، وغير ودية للقبائل في الداخل. ولكن اغتياله في حادثة مدبرة قال البعض ان السعودية كانت وراءها، كان بداية التقارب بين اليمن والسعودية. مع ذلك استمرت حالة الحساسية بين الطرفين. ولكن الطرفين تحركا في التسعينات لتطوير العلاقات في ما بينهما بشكل حثيث. وفي 12/6/2000م تم توقيع معاهدة الحدود البرية والبحرية بين السعودية واليمن وتقلصت بذلك المشاكل التي دامت 66 عاما أي منذ معاهدة الطائف 1934.تطور العلاقات بين اليمن والسعودية صاحبه امران: اولهما توفير دعم مالي سعودي لليمن الذي كان حتي اكتشاف النفط في التسعينات، يعاني مشاكل اقتصادية واسعة. وثانيهما توسع نشاط المؤسسات الدينية السعودية ذات المنحي الوهابي في اليمن. وهنا يشار الي الحالة المذهبية الخاصة بذلك البلد، اذ يمثل فيه الزيدية نسبة كبيرة من السكان، خصوصا في الاطراف الشمالية منه. وبتحسن العلاقات مع السعودية تكثف النشاط الديني للتوجهات السلفية والوهابية في اليمن، وأصبح الزيديون أكثر تحسسا من دورها. فهذا النشاط المدعوم ماليا من قبل السعودية اصبح يمثل ظاهرة متنامية أقضت مضاجع الزيديين الذين اصبحوا قلقين من انتشار التطرف الديني والسياسي في البلاد. وتزامن تطور العلاقات مع السعودية، تمتين العلاقات مع الولايات المتحدة الامريكية، خصوصا بعد الحوادث الارهابية ضد المصالح الامريكية في اليمن. ويمكن القول ان الحرب الاهلية اليمنية في 1995 كانت فاصلة بين مرحلتين: الاولي بدأت بوحدة شطري اليمن في 22 ايار (مايو) 1990 التي كانت وحدة اندماجية بين شطريه اللذين ظلا منفصلين حتي تاريخ الوحدة في جمهوريتين مختلفتين في أنظمتهما الإدارية هما جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية، والثانية الحرب الاهلية في 1994 التي انتهت بهيمنة كاملة للرئيس علي عبدالله صالح علي الاوضاع بدون منازع. ومنذ ذلك الوقت بدأت علاقات اليمن مع كل من السعودية والولايات المتحدة تتطور تدريجيا حتي تم التوصل الي الاتفاقات الحدودية مع السعودية المذكورة، والي تعاون يمني امريكي أمني وعسكري. هذا التعاون تواصل خلال العقد التالي في اطار الحرب الامريكية ضد الارهاب، وأصبح يقترب بشكل متسارع من دول الخليج. وفي القمم الاخيرة ناقش زعماء دول مجلس التعاون امكان قبول عضوية اليمن بالمجلس، ولكن الامر ما يزال معلقا حتي الآن، ومن غير المتوقع السماح بتلك العضوية في المستقبل المنظور. هذا التطور في العلاقات اليمنية الخليجية فتح المجال امام اليمن للحصول علي مساعدات من دول الخليج تصل الي اكثر من اربعة مليارات دولار. هذا التغير في العلاقات الخارجية اليمنية الذي تمخض عن حدوث تغييرات في توجهات الحكم في السنوات الاخيرة، دفع بشكل تدريجي الي حقائق جديدة في الاوضاع الداخلية اليمنية. فالدعم السعودي عادة يصاحبه نفوذ ديني تمارسه المؤسسات السعودية ذات المنحي الوهابي التي انتشرت علي نطاق واسع في اليمن. هذه الحقيقة أدت الي تعمق مشاعر الزيديين في شمال البلاد وانزعاجهم مما اعتبروه تحالفا مع الولايات المتحدة وما لذلك من انعكاسات سلبية علي هوية البلاد واستقلالها. وفي 2004 بدأت الاحتجاجات من جانبهم علي نطاق واسع، حتي بلغت الصدام المسلح. وفي صيف ذلك العام اشتعل القتال بعد أن تظاهر أنصار رجل الدين والسياسي، حسين الحوثي مطلقين شعارات ضد خط الحكومة اليمنية الذي اعتبروه مسايرا للغرب، واحتجاجا علي السياسة التي تنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية. وتواصلت الاحتجاجات والمواجهات في الشهور اللاحقة علي نطاق يزداد اتساعا. وقد لقي الحوثي مصرعه بعد ذلك بثلاثة أشهر، لكن أقرباءه وأنصاره استأنفوا كفاحه ضد النظام الحاكم في اليمن. وقد جرت عدة دورات من المفاوضات بين الطرفين أي بين الحكومة والثوار، وفي 2006 أصدرت الحكومة قرارا بالعفو عن المعتقلين منهم. علي الرغم من ذلك فإن المنطقة لم تصل أبدا إلي حالة السلم. خلفيات هذا الصراع والأسباب التي أدت إلي اندلاعه تتسم بطابع الغموض. فللوهلة الأولي قد يظن المرء بأن النزاع مبني علي اعتبارات وأحكام دينية أي أن تكون مسبباته عائدة لكون قوات هذه الدولة ذات الأغلبية السنية تقاوم مجموعة تنتمي لمذهب آخر هو المذهب الشيعي.. فمدينة صعدة هي في حقيقة الأمر معقل المذهب الزيدي الذي يعتبر فرعا من فروع المذهب الشيعي، وهو مذهب يكاد يكون مقتصرا علي اليمن وحده. وحتي في هذه المدينة تم بناء معهد للوهابيين أثار حفيظة الزيديين فيها. عندها بدأ الشيخ بدر الدين الحوثي، والد حسين الحوثي، في الرد علي مقولات الوهابيين حول مذهبهم، ومنها كتابات مقبل الوداعي. وثمة جهات محسوبة علي الزيديين، من بينها حزب الحق الذي تأسس بعد الوحدة اليمنية في 1990 والذي فاز ببعض المقاعد في الانتخابات البرلمانية في التسعينات. هذا الحزب له طابع ديني، يمارس الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتحدي النظام بل يمارس نشاطاته من خلال الممارسة الانتخابية في النظام الجمهوري. ولم يدع قط لعودة حكم الائمة، كما يشيعه مناوئوه. وبلغ اعضاؤه بعد تأسيسه اكثر من 25 الفا. مع ذلك تواصلت الضغوط علي الحزب حتي أعلن أمينه العام، أحمد الشامي، مؤخراعن حل الحزب برغم اعتراض عدد من قياداته الاخري. تتهم الحكومة المقاتلين الزيديين بالعمل علي إقصاء رئيس الدولة من سدة الحكم وفرض نظام أئمة جديد يحل محل النظام الجمهوري السائد. لكن عالمة السياسة اريس غلوسماير الألمانية يخالجها الشك إزاء هذا الزعم. فهي تقول: لا أعتقد بأن هناك أحدا في صعدة يفكر علي نحو جدي في إقصاء رئيس الدولة من سدة الحكم. وإلا لما قاتلوا في صعدة بل في العاصمة صنعاء نفسها . وكان الرئيس اليمني نفسه قد سعي لتحقيق بعض التوازن بين الزيديين والوهابيين، وذلك بتقوية جناح الحوثي في التسعينات، علي امل ان يتحقق ذلك التوازن، ولكن بعد حرب العراق الاخيرة، تصاعدت اصوات الحوثيين ضد النظام، بدعوي انه اصبح قريبا من الامريكيين. وفي 2003 فاز يحيي الحوثي، شقيق حسين، ونجل العلامة عبد الملك، بمقعد برلماني عن الحزب الحاكم. تواصل التوتر في السنوات الثلاث الماضية، بعد قتل حسين الحوثي، وكذلك اعمال العنف في الجبال الشمالية. وفي العام الماضي صدر عفو عام عن السجناء من جماعة الحوثي، ولكن مساعي الصلح لم تصل الي نتائج ملموسة. وتواصلت الاعمال العسكرية بدون توقف، ودخل الجيش مدعوما بالافغان العرب والسلفيين وجيش عدن ابين الاسلامي، المناطق المنزوعة السلاح في منطقة صعدة، الامر الذي ادخل المشكلة في اطر اضيق. ان من الصعب الاعتقاد بوجود حل عسكري او امني لمشكلة من هذا النوع خصوصا انها اصبحت اكثر تعقيدا بادخال الابعاد المذهبية فيها. وهناك اصوات عاقلة ترتفع بين الحين والآخر في وسائل الاعلام والمؤسسات السياسية بالبحث عن حل سلمي عن طريق التفاوض والحوار، بعيدا عن لغة العنف والثأر والانتقام. غير ان تلك الاصوات ما تزال غير مسموعة بين ضوضاء القصف والمدافع في صعدة والجبال القريبة منها. والواضح ان جماعة الحوثي انطلقوا في الاساس علي ارضية وطنية محتجين ضد مسايرة السياسات الامريكية من جهة وتفشي الفساد والمحسوبية من جهة اخري. صحيح ان هناك بعدا مذهبيا لجماعة الحوثي الذين انزعجوا من تصاعد النفوذ الوهابي والسلفي في اليمن، نتيجة التقارب مع الحكم السعودي، ولكن من يتابع تطور القضية سيري عمق البعد الوطني في تحركهم، والرغبة في تحقيق ثلاثة امور: اولها استقلال اليمن عن الهيمنة الامريكية والسعودية، وثانيها: مكافحة الفساد المستشري في اوساط الدولة، وثالثها: احترام معتقدات الطوائف والمذاهب بدون تغليب احداها علي الأخري، ورابعها ضمان حرية التعبير والرأي. ان من مصلحة اليمن ان لا تتكرر فيه الازمات الداخلية التي لا تنتهي الي خير عادة، بل المطلوب من قادته بذل الجهود المكثفة لفتح قنوت الحوار والاستماع الي شكاوي المتمردين والتخلي عن عقلية الحسم العسكري الذي لن يتحقق. فاليمن بلد عربي مسلم عريق، يجدر بالجميع مساعدته علي تجاوز المشكلة الامنية والسياسية الحالية بأساليب أقل عنفا، وأقل خطرا علي مستقبل التعايش بين ابنائه الذين صنعوا الحضارات ودافعوا عن الامة علي مدي قرون متواصلة. 9