الحوثيون ينقلون معركة اليمن إلى قلب أبو ظبي والتحالف السعودي الإماراتي يتوعد بالرد

سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
0

الدوحة ـ «القدس العربي»: يشهد الصراع في اليمن تطوراً ملحوظاً، مع استهداف جماعة الحوثي للعاصمة الإماراتية أبو ظبي، في هجوم هو الأبرز ضد أهداف إماراتية منذ بدء الحرب قبل نحو 7 سنوات، وتتجه التحليلات للشأن اليمني، أنها محاولة انتقام بعد ضربات موجعة تلقتها الجماعة على يد قوات محلية مدعومة من الإمارات.

ويصنف شن الحوثيين عملية عسكرية في قلب الإمارات، في خانة المنعطف الذي تشهده الحرب في اليمن، وبعدا آخر سيشكل تفاصيل المشهد للفترة المقبلة، وتداعياته تحدد بشكل أدق سبل طي الملف الذي قلب الموازين في منطقة الخليج.
ومنذ إعلان الحوثيين شنّ عملية عسكرية في الإمارات، أسفرت عن مقتل 3 أشخاص، وما نجم عنه من ردّ للتحالف السعودي الإماراتي بقصف مكثف على العاصمة صنعاء، معلنا استهداف قيادات حوثية وتدمير منظمات جوية عسكرية، يتابع المراقبون الملف اليمني ويمحصونه ويخضع لدائرة التحليل العميق.
هجمات باليستية للحوثيين
شكل شن جماعة الحوثي هجمات بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة لاستهداف العاصمة الإماراتية أبو ظبي، تطوراً لافتاً، مع ما تسبب به من انفجار 3 صهاريج لنقل المحروقات قرب خزانات شركة «أدنوك» للنفط، واندلاع حريق في منطقة الإنشاءات الجديدة قرب مطار الإمارة، ليؤدي ذلك إلى مقتل 3 أشخاص من جنسيات آسيوية، وإصابة 6 آخرين بجروح.
الجماعة أعلنت فور وقوع الهجوم تنفيذها ما سمته «عملية عسكرية نوعية في العمق الإماراتي» قبل أن تعلن في وقت متأخر أنها استخدمت 5 صواريخ باليستية وعدداً كبيراً من الطائرات المسيرة المفخخة في استهداف العاصمة الإماراتية.
وتكمن خطورة الموقف، كون الأهداف التي طالتها الهجمات الحوثية في الإمارات مناطق استراتيجية حساسة، فشركة «أدنوك» هي المسؤولة عن جميع أنشطة الحكومة الإماراتية بقطاعات النفط والطاقة. كما يعد مطار أبو ظبي الشريان الأهم للعاصمة الإماراتية وأحد أهم المنشآت الحساسة في البلاد.
يقرأ من حديث عضو المكتب السياسي في حركة أنصار الله علي القحوم ما يراه الحوثيين أن التهديدات الإماراتية لا تحمل جديداً، وقال في تصريح صحافي، إن الإمارات تشن هجماتها على اليمن منذ 6 أعوام.
وصنف الهجمات في خانة ما اعتبره: «حق الرد، والإجرام لا بد له من رد وعملياتنا لن تتوقف، وما دام عدوان الإمارات قائماً فإنها ستظل في مرمى الطيران والصواريخ».
المسؤول الحوثي يكشف سبب الهجمات من وجهة نظر الجماعة، كون الإمارات عادت للتصعيد في اليمن بتوجيهات أمريكية وبريطانية. ويمضي إلى أن لديهم معلومات حول هذا التوجه الجديد للإمارات في شن القوات الموالية لها هجوماً في شبوة ومأرب.
وأوضح أن انسحاب الإمارات لم يكن عمليا قد تم، مضيفا أن الأمر شكلي فقط.

خفايا المشهد

خلف تصريحات القيادات الحوثية، تصب تحليلات المتابعين للملف أن الهجوم على المواقع الإماراتية هو رسالة للقيادات في أبو ظبي.
ويكمن السر وراء هذا التحول الحوثي بتوجيه نيرانهم تجاه أهداف إماراتية، وهي التي ظلت غائبة إلى حد كبير طوال سنوات الحرب السبع، في الانتصارات التي حققتها «ألوية العمالقة» اليمنية المدعومة من أبو ظبي، خلال الأيام الماضية، خاصة بمحافظتي شبوة ومأرب.
ودخلت «ألوية العمالقة» إلى المعارك ضد الحوثي في مطلع كانون الثاني/يناير الجاري، مساندة للقوات الحكومية، لتتمكن خلال 10 أيام فقط من استعادة السيطرة على كافة مناطق محافظة شبوة النفطية، من قبضة الحوثيين، بعد أشهر طويلة تقهقرت فيها قوات الجيش اليمني أمام الضربات القوية من الحوثيين.
كما التحقت «ألوية العمالقة» بخط المعارك للمرة الأولى في محافظة مأرب النفطية التي يهاجمها الحوثي منذ نحو عام، لتتمكن من ترجيح الكفة لصالح القوات الحكومية عبر توجيه ضربات موجعة لقوات الحوثي.
وخلف هذا المشهد يقرأ بشكل واضح امتعاض الحوثيين من الدور الذي لعبته التيارات والقوى المدعومة إماراتياً في تفاصيل المشهد، ومحاولات توجيه ضربات للحوثيين.

وعيد إماراتي

استشاطت الإمارات غضباً من الضربات التي تلقتها من الحوثيين وتهديد أمنها الوطني، واستهدافها في عقر دارها، واعتبرت الأمر تجاوزاً خطيراً من الحركة التي لم تدخل معها في مواجهة مباشرة أو حاسمة في وقت سابق.
وكان عبأ مواجهة الحوثي ومحاربته موكلاً بدرجة أكبر على السعودية التي حاربت في الشمالية في اليمن، وتكبدت خسائر بسبب تلك المعارك، ومحاولات الحوثيين استهداف جنوب المملكة.
ومباشرة بعد الهجوم الحوثي، تحركت الإمارات في جميع الاتجاهات للرد على الاستفزاز الذي تعرضت له، ودفعت بدبلوماسيتها لإدانة الهجمات الحوثية.
وبعد الهجوم أعلن وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان، أن «الاستهداف لن يمر دون عقاب».
وقال: «الإمارات تحتفظ بحقها في الرد على تلك الهجمات الإرهابية وهذا التصعيد الإجرامي الآثم».
بدوره، أعلن التحالف العربي، استهداف من وصفها «قيادات إرهابية حوثية شمالي العاصمة صنعاء» رداً على تهديد الجماعة.

تعقد الملف اليمني

أضحت الحرب في اليمن، أكثر تعقيدًا بعد نحو سبع سنوات من الاقتتال والانقسام في صفوف المجموعات المسلحة التي يحظى عدد كبير منها بالدعم من أفرقاء خارجيين.
ولكن المقاربة المغايرة التي تعتمدها إدارة بايدن في التعامل مع الحرب، وسلوك الأفرقاء الإقليميين الذين يظهرون انفتاحًا أكبر لتقديم تنازلات (أو على الأقل، رغبة في التحاور) وتعيين مبعوث خاص جديد للأمم المتحدة أتاحت جميعها فرصةً للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في مختلف أنحاء البلاد والشروع في مفاوضات جدّية من أجل السلام.
لكن حتى الآن تجد هذه المحاولات للتوصل لحل ينهي الأزمة نفسها أمام منعطفات يصعب معها حلحلة تعقيدات المشهد.
وما تزال عدد من الدول تدعو إلى تجاوز القوة نحو الحوار والجلوس لطاولة المفاوضات وتعتبرها الخيار الوحيد لإنهاء أزمة اليمن.
ويرى معهد كارنيغي في تحليل حول المشهد اليمني، أنه بعدما عملت الإمارات العربية المتحدة طوال سنوات على فرض قوتها العسكرية في الخارج على نحوٍ مثير للجدل، اعتمدت في وقت من الأوقات على تسريع حركتها الدبلوماسية، مع التركيز على وجه الخصوص على أمن الملاحة البحرية. والحال هو أن «دبلوماسية المضائق» كانت في صلب السياسة الخارجية الإماراتية. وأتاح هذا التركيز على الشؤون البحرية للإمارات تحقيق أهدافها الوطنية والعالمية على السواء، من خلال إرساء توازن بين طموحاتها على صعيد نشر نفوذها من جهة وبين صورتها الدولية من جهة أخرى، لكن كل ذلك كان يخضع لتوازنات سعت لفرضها في اليمن.

قلب الموازين

لكن الهجوم الحوثي الأخير، فرض معادلة جديدة في الصراع الجاري على اليمن، خصوصاً وأن الاقتصاد الإماراتي، القائم على التجارة والشحن البحري، يوجه السياسة الخارجية، كما جاء في «مبادئ وثيقة الخمسين» الإماراتية، الصادرة في أيلول/سبتمبر 2021.
لذلك، تشكّل الهجمات المتكررة ذات الخلفيات المرتبطة بإيران والتي تستهدف السفن التجارية في شبه الجزيرة العربية، تهديدًا للأمن القومي الإماراتي، مقرونةً بالموقع الجغرافي الهش أصلًا للإمارات في مواجهة إيران.
ويضيف المعهد أنه انتُخِبت الإمارات عضوًا غير دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للفترة 2022-2023 وفي هذا السياق، ظهر الأمن البحري أيضًا على قائمة الالتزامات الأساسية.
وتعرضت أوراق الإمارات التي تركّز على دبلوماسية المضائق والتي تنتهجها على ثلاثة مضائق بحرية، هي هرمز وباب المندب والسويس، إلى الخلط والبعثرة مع استهداف الحوثيين لمركزها.
وتجمع الإمارات بين ثلاثة أبعاد متكافلة في السياسات: الحضور على مستوى الأمن البحري، والحوار البراغماتي والمؤسسي بشأن أمن الملاحة البحرية، والاستثمارات الاقتصادية الجغرافية حول المجاري المائية الحيوية.
هذه المقاربة أوسع نطاقًا من السياسة الخارجية ذات الدوافع العسكرية التي اتبعتها الإمارات حتى الوقت الراهن، ولكنها ليست مناقضة لها. لكنها مع ذلك وجدت نفسها عرضة للاستهداف.
وتشير دراسات وأبحاث نشرت عن الملف اليمني، أن الإمارات ستجد نفسها مجبرة على اتخاذ مواقف مختلفة، وتعيد حساباتها في الصراع الدائر في اليمن.
كما تتجه حسابات أبو ظبي إلى التغير بحسب التحولات الأخيرة، والتي نقلت التهديد إلى عقر دارها، وتحديدها مواقعها الاستراتيجية في أبو ظبي. ويكمن العنصر الحاسم في التحولات التي شهدها الملف اليمني، في تحديد الولايات المتحدة أولوياتها في الملف اليمني.
وكانت إدارة الرئيس جو بايدن تتجه نحو تكثيف العمل الدبلوماسي من أجل إنهاء الصراع، مع تركيزها على إيجاد حلول عملية لمعاناة ملايين اليمنيين بسبب تداعيات الحرب.
وما تزال الولايات المتحدة مترددة في الدخول في خط الأزمة، واتخاذ قرار داعم للإمارات التي تتحرك عبر أذرعها للضغط على واشنطن.
ومؤخراً أكد الرئيس الأمريكي جو بايدن، بمناسبة مرور عام على توليه رئاسة الولايات المتحدة، أن إنهاء الحرب في اليمن يتطلب أن «يتوافق طرفاها» وأن طلب إعادة تصنيف الحوثيين «منظمة إرهابية «قيد النظر».
وفي إجابته على سؤال لأحد الصحافيين حول طلب الإمارات من إدارته إعادة تصنيف الحوثيين «منظمة إرهابية» قال بايدن إنه «لإنهاء الحرب في اليمن يجب أن يتوافق طرفاها، وهذا ليس بالأمر السهل» وأن الطلب «قيد النظر».
وكانت إدارة الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، قد أدرجت الحوثيين على قائمة المجموعات «الإرهابية» في كانون الثاني/يناير 2021.
وبعد تسلم الرئيس بايدن مهامه ألغى تصنيف الحوثيين كجماعة إرهابية للسماح باستمرار عمل المنظمات الإنسانية في اليمن، والمساهمة في الوصول لحل ينهي الحرب.
ويرى مراقبون أن الهجمات الأخيرة للحوثيين على الإمارات، ورد التحالف السعودي الإماراتي على مواقع الحركة، قد تنعكس إيجاباً على الجهود السلمية التي تبذلها أطراف مختلفة، ترى حل الأزمة اليمنية من خلال طاولة المفاوضات.
وحتى الآن تراهن الأمم المتحدة وعدد من الدول على الحل السياسي والسلمي مع دفع الأطراف جميعاً لتقديم تنازلات تنهي الحرب، ومعها معاناة ملايين اليمنيين الذين يدفعون فاتورة الحرب التي جعلت بلدهم على حافة المجاعة، وبؤرة لتفشي الأمراض.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية