القاهرة ـ «القدس العربي»: ما بين الحديث عن تسليح القبائل لمواجهة قوات حكومة الوفاق الليبية، المعترف بها دولياً، والتلويح بالتدخل المباشر في ليبيا، جاءت كلمات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال افتتاح قاعدة جرجوب العسكرية في النجيلة غربي مطروح أول أمس السبت، في حين نصح القيادي في جماعة «أنصار الله» الحوثية، محمد علي الحوثي، السيسي، بعدم التدخل في ليبيا.
حديث الرئيس المصري أثار جدلا واسعا حول طبيعة التدخل المصري المباشر في ليبيا، الذي بات حسب قوله يحظى بـ«الشرعية الدولية»، مشددًا على «كون مدينتي سرت والجفرة خطا أحمر لن تسمح مصر لأحد بتجاوزه».
سامح شكري، وزير الخارجية المصري، قال إن بلاده «تسعى لتعزيز الحل السياسي للأزمة الليبية، وإن أي تهديد للأمن القومي العربي والمصري سيكون له رد مناسب».
وتابع في تصريحات متلفزة «نتابع بشكل وثيق جميع التحركات العسكرية في مدينة سرت الليبية، وحكومة السراج لم تحسن قراءة موقف الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن ليبيا».
وأضاف «ننسق مع جميع الأطراف الدولية المؤثرة وعلى رأسها الولايات المتحدة في سبيل حل أزمة ليبيا بشكل سياسي، ونواصل التنسيق مع تونس والجزائر بشأن ليبيا، ولدينا رؤية مشتركة تعزز حل ليبي ـ ليبي».
وقال إن «تركيا تتوسع في سوريا والعراق وليبيا مخالفة الشرعية الدولية»، مضيفًا أن «مصر ترفض محاولة تركيا للتوسع في ليبيا وأننا ننسق مع تونس والجزائر ولدينا رؤية مشتركة بشأن ليبيا».
خيار إضطراري
عمرو الشوبكي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، كتب على صفحته على «فيسبوك»: «مخطىء من يتصور أن الخيار العسكري نزهة أو مغامرة كالتي نشاهدها في الأفلام، ومخطىء أيضا من يسقطه من حساباته كخيار اضطراري، في حال فشل كل الخيارات السياسية».
وأضاف: «يقينا أن مصر تمر بتحديين كبيرين الأول وجودي يتعلق بقضية المياة وسد النهضة وهو التحدي الأخطر على مصر، والتحدي الثاني حدودي يتعلق بتهديد أمنها القومي على يد ميليشيات متطرفة وإرهابية مدعومة من تركيا».
وتابع: «خطاب الرئيس ليس إعلان حرب على تركيا ولن يعني السيطرة على ليبيا، إنما يعني محاولة وضع خطوط حمراء جديدة لقواعد لعبة كانت قائمة على دعم أطراف إقليمية ودولية لطرفي الصراع دون التدخل المباشر، وغيرتها تركيا حين جلبت ميليشيات من سوريا إلى ليبيا، وحين أعلنت عن نيتها إقامة قواعد عسكرية في ليبيا (ناضلت كل دول شمال أفريقيا من أجل الاستقلال وإنهاء وجود القواعد الأجنبية) وأخيرا الحديث بشكل مباشر عن احتلال مناطق النفط والغاز في الشرق الليبي، ولذا جاء موقف مصر واضحا بأن هذه القواعد الجديدة التي تريد أن تفرضها تركيا لن تقبلها القاهرة».
وزاد: «أرى توسيع دائرة مسرح العمليات العسكرية وزيادة درجة التدخل المصري (سقفه سرت) وفق الشروط التي وضعت (دعوة شبه جاهزة من البرلمان الليبي) لكنها لن تتطور لحرب مباشرة وواسعة بين مصر وتركيا لا يريدها أي عاقل».
محلل: مخطئ من يتصور أن الخيار العسكري نزهة أو مغامرة نشاهدها في الأفلام
وبين أن : «الحل في ليبيا سيبقى سياسيا ولن يقضي أي طرف عسكريا على الآخر، وهذا الكلام سبق وقلناه حين تقدم خليفة حفتر نحو طرابلس، وقتها قلت لن يدخلها ولن يحسم الصراع عسكريا، وعلى تركيا وحلفائها أن يعوا أنهم لن يحسموا الصراع عسكريا، وأن السيطرة على مدن الشرق لن تكون مقبولة مصريا ولدى أطراف إقليمية ودولية كثيرة».
ضربات جوية
اللواء محمود خلف، مستشار أكاديمية ناصر العسكرية، قال إن «من يريد الحرب مع مصر يتجاوز الخط الأحمر في ليبيا»، مؤكدًا أن «القوات المسلحة التي تحتل المركز السادس عالميا جاهزة للحرب في أي وقت».
وأضاف خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامي المقرب من نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أحمد موسى، في برنامج «على مسؤوليتي»، المذاع على قناة «صدى البلد»، أن «الخط الأحمر في ليبيا عند مدينة سرت والجفرة الذي حدده الرئيس عبد الفتاح السيسي لن يسمح لأي قوات أن تتخطاه لأنها ستكون في حالة حرب مع مصر».
وتابع أن «أي قوات تتخطى الخط الأحمر في ليبيا ستكون مرصودة جوا وسيتم توجيه ضربات من جانب القوات المسلحة وسيكون التدمير الشامل لمن يتخطى تلك المنطقة ومن يتبقى سيتم أسره».
وأكد أن «المقاتل المصري يجيد القتال في مسرح العمليات الصحراوي»، كاشفا أن «مسرح عمليات ليبيا مدروس جيدا للقوات المسلحة المصرية، كما أن القوات الخاصة المنقولة جوا تعمل في أي وقت بكفاءة عالية».
واعتبر أن «السيسي حدد ساعة الصفر بأنها ستبدأ مع اقتراب أي شخص من الخط الأحمر في ليبيا».
وقال إنه «لا توجد دولة في العالم خاضت حروبا مثل مصر حيث تخوض حروبا منذ عام 1956 ونمتلك على إثر ذلك خبرة قتال عالية».
محمد أنور السادات رئيس حزب «الإصلاح والتنمية»، أشاد بتصريحات السيسي خلال تفقده المنطقة الغربية العسكرية، وطالب المعارضة أن تنحي خلافاتها وتعلو المصلحة الوطنية والتكاتف ضد كل ما يواجهنا من أخطار داخلية وخارجية.
وأضاف أن الواجب الوطني يحتم على الجميع الآن الالتفاف حول القيادة السياسية مهما كان الاختلاف في وجهات النظر ومد يد العون والمساندة دعما للدولة المصرية، فما تواجهه مصر الآن من تحديات تتطلب إرادة سياسية يساندها دعم شعبي، وكلاهما لا يقبل التجزئة أو الانفصال.
وتابع: مصر الآن هي الطرف المستقر في معادلة إقليمية مضطربة واجهت تحديات وأخطارا ولا تزال تواجه كارهين ومتربصين، فلا مجال الآن إلا أن تعلو المصلحة الوطنية فوق كل الطموحات الشخصية والفئوية، والحزبية والمصالح الضيقة ويجب أن نجعلها مصلحة عليا فوق كل المصالح والاعتبارات، وأعتقد أن هذا لا يختلف عليه أي وطني مخلص غيور على مصر.
وتتداول وسائل إعلام رسمية مصرية بيان منسوبا لمجلس مشايخ ترهونة، أعلن فيه تأييده المطلق لما جاء في خطاب السيسي وبحضور وفد عن القبائل الليبية، حيث أكد على السيادة الليبية، وضرورة المحافظة عليها من خلال الدفاع عن الأمن القومي العربي.
في المقابل رفضت حكومة الوفاق الليبية، تلويح السيسي بالتدخل العسكري المباشر في ليبيا، واعتبرته اعتداء سافرا على سيادة البلاد.
خارجياً رأت، الولايات المتحدة أن تصريحات الرئيس المصري تؤكد ضرورة تعاون ليبيا وجيرانها والأطراف الخارجية لتطبيق وقف إطلاق النار لتجنب تفاقم حدة الصراع.
وأعربت الخارجية الأمريكية في بيان عن دعمها لجهود مصر للعودة إلى مفاوضات سياسية، معتبرة أن خريطة الطريق نحو الاستقرار تتضمن وقف إطلاق النار والاستئناف الفوري لإنتاج النفط وإطلاق عملية سياسية.
إلى ذلك، نصح القيادي في جماعة «أنصار الله» الحوثية، محمد علي الحوثي، السيسي بعدم التدخل في ليبيا.
وقال الحوثي في تغريدة عبر حسابه على موقع «تويتر» أمس الأحد: «لا ننصح الأخوة في جمهورية مصر بالتدخل العسكري في ليبيا حتى لو كان نتيجة قلق من الوجود التركي هناك».
وأضاف: «الاستنزاف في هذه المعارك لا يجدي وما يقدم سيكون مرهقا إن لم يكن أكثر، والخطر الحقيقي هو في استمرار الكيان الصهيوني مؤامراته التي يريد من خلالها تأمين مستقبله بإشعال معارك وهمية جانبية بلا قيمة».