أحدهم في الأردن فكر مؤخرا في إدخال شحنة زيوت مفعمة بسموم غذائية قاتلة من بينها الزرنيخ والزئبق بعدما أخفقت الشحنة نفسها في دخول الأراضي السعودية.
الغريب في هذا الأمر أن مسؤولين في الجهاز البيروقراطي إنشغلوا في الضغط بهدف إدخال هذه الشحنة وكـأن بنية الشعب الأردني مضادة للزرنيخ أو تتميز من كثرة الملوثات التي حقن بها المواطن في الماضي بأنها سوبرمان.
كنا صغارا عندما كانت مظاهر الترفيه والتسلية اليتيمة المتاحة لنا هي العبث في ساحات جمع القمامة والتزحلق عن الجبل على عبوات الزيت المفرغة {أحد أرقى أنواع التزلج}.
أذكر مثلا تلك الحرب اللاهبة التي نشنها بأن تقصف بعضنا بالخضار الفاسدة الملقاة في النفايات ونحن في غاية الفرح ولاننا فقراء ومسحوقون الملعب الوحيد الذي إختبرناه هو ساحة النفايات في الحي.
عموما قيل لنا مرارا وتكرارا وقتها من كبار السن بان اللعب وسط القمامة مفيد للصحة لانه يحقن الجسم مجانا بعشرات المايكروبات والجراثيم وبالتالي يزيد من مستويات المناعة.
إنها مناعة ربانية مجانية تتيحها لنا مزابل الحارة بدون إستشارة طبيب أو تخصيص ميزانية مالية للقاحات وهي مناعة دعمها أهالينا بسبب إخفاقهم الشديد بتوفير أي وسيلة ترفيه لنا.
صاحبنا بتاع الزرنيخ قرر صنع شيء مماثل وهو تحصين الشعب الأردني برمته عبر تزويده بجرعات من الزرنيخ في شحنة زيت عملاقة فتكت بها سلطة الرقابة- لله الحمد- قبل وصولها لأمعائنا.
الغريب أن مسؤولين يدافعون دوما عن تجار الطعام الفاسد إستماتوا وهم يحاولون تدبير أمر إعادة فحص شحنة الزيت المزرنخ بمختبرات أردنية بعدما سقطت بمختبرات سعودية رغم أن المواصفة الأردنية في الواقع أشد قسوة من شقيقتها السعودية.
يقول خبراء بأن الشعب الأردني يلتهم غذاء ودواء في العام الواحد بقيمة تقترب من خمسة مليارات دينار يتخللها أكثر من مليارين مخصصة لإستيراد الغذاء وأكثر من مليار بقليل من سوق الغذاء المحلي والباقي في مجال الدواء ومستلزمات الطب.
عمليا لا يمكنك أن تعرف في بلد كالأردن لماذا لا يزرع القمح خصوصا في تربة مناسبة تماما للقمح.
ولا تستطيع أن تعرف لماذا يحارب وزير زراعة في إحدى حكومات الماضي مستثمرا فكر وقرر زراعة القمح في بلد يشتري النسبة الأغلب من قمحه من السوق الخارجي ويتعرض لكل أنماط الإبتزاز السياسي لهذا الغرض .
نحن لا نكتفي بعكس قاعدة {نأكل مما نزرع} بل نصر على قاعدة مطابقة قوامها {نمنع بعضنا من زراعة ما يمكن أن يؤكل}.
يقال في أروقة الناس {إللي فوق} أن النظام بنفسه قد يصبح مهددا لو قرر زراعة القمح …هذه كذبة محترفة بالتأكيد لا أصدقها وتهدف على الأرجح لتبرير تقاعس العجزة والفاسدين واللصوص ورموز سوء الإدارة والإخفاق الذين يتم إختيارهم لتمثيل الشعب الجائع.
وعلى سيرة القمح إشتكى لي أحد الوزراء من {الفلسفة الزائدة} لجهاز الرقابة التي تنتهي بتعطيل شحنات هائلة من القمح يفترض أن تطعم للشعب المسكين حيث تعطلت مصالح نخبة من كبار التجار وزادت كلفة التأمين على بضاعتهم لانهم يجولون في أروقة النخب الحاكمة لإجبار سلطات الرقابة على إدخال بضاعتهم التي سقطت في المواصفات الرقابية.
الشعب الأردني يحتاج بصورة ملحة للقمح لكن ليس للقمح المكسر أو الفاسد أو الصالح للبهائم فقط وبدلا من قضاء الوقت في إجتماعات بيروقراطية سخيفة هدفها إنقاذ تجار القمح كان يمكن المبادرة فورا لشراء أجهزة ومختبرات رقابة صالحة وحاسمة للخلاف تحتاجها البلاد بإلحاح.
فيما يتعلق بالغذاء تحديدا وبصراحة مع الضربات التي تلقتها العام الماضي مؤسسات حيتان تجار اللحوم وبعض المطاعم والفنادق التي {تزور} في الطعام أصبحت الحياة أجمل في الأردن.
سمعت شخصيا من أحد مدراء الفنادق الكبيرة أن جولات التفتيش الرقابية على مطابخ القطاع الفندقي والجدية في التعامل مع المسألة إنتهى بإرتفاع نسبة إشغال غرف الفنادق بقدر 17 ‘ مما يسقط النظرية البائسة التي تقول بأن المبالغة في الرقابة على الغذاء والدواء تلحق ضررا بالإقتصاد المحلي.
الرقابة الحقيقية تحافظ على الإقتصاد الوطني وتمنح الأردنيين مساحة ثقة ببعض مؤسساتهم بعدما إنهارت مصداقية غالبية المؤسسات ولا أصدق إطلاقا بأن الضربات التي توجه بين الحين والأخر لحيتان الغذاء والدواء يمكنها أن تضر ولو نملة في الأردن بل على العكس تماما هي تخدم الوطن والمواطن والنمل أيضا.
شخصيا أتمنى توجيه ضربات مماثلة ليس فقط لبقية حيتان الغذاء الفاسد بل لحيتان السياسة وديناصوراتها الذين أفسدوا العلاقة بين النظام والشعب وتم إختيار الكثير منهم لمعالجة مشكلات هم أصلا جزء عضوي منها في تعبير نادر عن حالة توظيف وإستثمار غريبة للغبار والغثاء.
في اليابان طلبت المجالس البلدية من سكان العمارات والأبراج الفارهة زراعة {البندورة} والخيار وحشائس خضراء مثل النعنع على أنابيب عملاقة حول شرفات الشقق بحيث يتاح لكل منزل توفير هذه الأنواع للإستهلاك المنزلي.
في بلادي تخصص ساحات كبيرة صالحة للزراعة إما للسيارات أو للحيوانات أو لإقامة ولائم عملاقة يزينها المنسف ولا يفكر حتى المواطن بزراعة زر بطاطا لإطعام نفسه ..بالتالي المشكلة ليست في الحكومة فقط.
وفي بلادي لا يفكر أي مجلس بلدي بأي مبادرات مهما كانت بسيطة وصغيرة فالقوم في هذه المجالس مشغولون دوما بإنتخابات بلدية عشائرية مزورة تلعب دور الجسر في نقل المرشح لاحقا لإنتخابات البرلمان الأكثر تزويرا وبالتالي للمنصب الوزاري.
إنها عبقرية التزوير الرسمي التي حولت الشعب برمته لكائن متحول مهووس ومنقسم إلى فئتين الأولى تحاول تجنب ضربات التزوير في الإنتخابات قدر الإمكان والثانية تبحث عن أسهل وأسرع الطرق للمشاركة في حفلة التزوير والإستفادة منها.
..إننا للأسف البلد الوحيد في العالم الذي تجد فيه من يلوم الدولة أو ينشق وينقلب عليها ويتحول إلى معارض شرس وداعية للإصلاح والديمقراطية لان ماكينة التزوير تجاهلته والوحيدون الذين نصفق بكفاءة كشعب للتزوير الإنتخابي ورموزه فكيف سنجد وقتا لزراعة حبة بندورة.
أعرف شخصيا سياسيين إنقلبوا على الدولة ليس لان التزوير بالإنتخابات حصل ولكن لان التزوير لم يحصل لصالحهم حيث يتدفع هؤلاء في تعداد {مواهبهم} وفضائلهم في خدمة النظام والناس والأمة.
‘ مدير مكتب ‘القدس العربي’ في الاردن