كلّ ساعة لها رأيها الخاص بالزمن، إلا الساعة العاطلة، فهذه حكمها ثابت. «لكل شيء أوان، ولكل أمر تحت السماء زمان»، العبارة مأخوذة من سفر الجامعة، لكن ما غاية هذا الطائر الذي لا يملّ من الطيران ولا يتعب، وإلى أيّ جهة يقصد؟ شغل هذا الموضوع الإنسان، وجاء تفكيره الأول به بصورة رحلة قام بها كلكامش بحثا عن عشبة الخلود. لسركون بولص قصيدة تتكون من بيتين، لا غير، وتعلن باختصار فشل سؤال الإنسان عن الخلود:
«في كلّ لحظة
يطردني الله من حديقة»
«الساعة الرئيسية» في العالم هي ساعة ميزر الهيدروجينية، ومكانها «مرصد البحرية الأمريكيّة الفلكي»، وتبلغ دقتها إلى أجزاء من البيكو ثانية (واحد في المئة من ترليون جزء من الثانية طيلة 24 ساعة يوميا)، فلو باشرت العمل منذ انقرضت الديناصورات قبل ستين مليون سنة، لما زاد الوقت الذي ربحته أو خسرته حتى يومنا هذا عن ثانيتين، ورغم ذلك فإن العلماء يحاولون تفادي هذا الخطأ، فالجزء الأدق في وحدة الزمن الذي تمّ التوصل إليه، وهي الآتو ثانية، وحسابها يتمّ بالطريقة التالية: تعادل 100 آتو ثانية، بالنسبة إلى الثانية الواحدة، ما تمثّلة ثانية واحدة مقارنة مع 300 مليون سنة. وإذا تكلمنا بلغة الآتو ثانية، وكان علينا إيصال رسالة إلكترونية إلى المركبات الفضائية المحلّقة على بعد ملايين الأميال، وحسب نظرة آينشتاين للعلاقة بين السرعة والزمن، يكون الوقت الذي تخطئ به ساعة ميزر الهيدروجينية، مؤثرا.
تتحدث ساعات الأدباء عن الزمن بطريقة تختلف، ففي الأوقات السعيدة يمرّ الزمن بسرعة البرق، وفي أوقات العذاب يطول الوقت، وتتمدّد الآتو، الجزيئة الأدقّ في الثانية، تبعا لذلك، وتكبر على زمنها، وليس بمقدور أحد تخيّل ما تستغرقه قطرة الماء وهي تسقط على رأس السجين أثناء تعذيبه بالطريقة الصينية؛ يثبّت رأسه بطريقة محكمة، وينزل الماء قطرة قطرة على يافوخه في نقطة واحدة. بعد ساعات تكون القطرة بوزن جبل. إنها أسهل طريقة لتعريف الآتو، لأن الآتو السعيد لا نشعر به، ولا نقيسه، ولا الساعة التي ننعم فيها بالهناء، ولا اليوم أو الشهر.
في الطفولة تدور آلة الزمن ببطء، وتسرع شيئا فشيئا منذ نبلغ سنّ الشباب، وعندما تحلّ الكهولة تأخذ السنين بالانهمار. يقول سعدي يوسف:
«في الخمسين، قد يبدو الشعر الأبيض أسود
قد تبدو الكذبة قولة حق
وسحاب التدخين سماء تمطر…»
إنه السنّ الذي تبدأ فيه الحقائق بالاختلاط مع الخيال، ولا يدري المرء هل يستمدّ العبرة من الواقع أم من الأحلام، كما يقوم في هذا العمر الحدّ الفاصل بين إحساسنا بالخلود، وشعورنا الأكيد بالفناء. من لم يفكر بالموت في عمر الخمسين فهو إما أعمى الفؤاد، أو مجنونه.
المرّة الأولى التي شاهدتُ فيها الموت عن قرب كانت في ساحة مستشفى الكندي في بغداد، كنت أعمل حينذاك طبيبا خافرا، وأنزلوا التابوت من العجلة التي يستقرّ على سقفها، وحطّوه على الأرض. أزاحوا الغطاء، وكان يرقد شيخ ضئيل الوجه بكوفية وعقال، له تجعدات عميقة في وجهه، وعينان مليئتان بمعاني نوم طفولي، لم أتأكد في تلك اللحظة من اللمعة فيهما، هل مصدرها القمر الذي كان بدْرا وانعكس في مائهما، أم أنها كانت دمغة الموت في سواد المقلة، وكانت بيضاء وشبحيّة. كان السلام الذي يعيش في كنفه يفوق كلّ وصفٍ. هل هذه هي الجنّة؟ ثم نظرت إلى أولاده وأحفاده، وكانوا يحيطون بي وأنا أكتب تقرير الوفاة: «توقف القلب بسبب تقدّم العمر». لم يبن عليهم الونى أو الحزن. بالعكس، كانت ملامحهم تشي بالسعادة لأنهم يشاهدون معي الجمال في وجه الشيخ، وكان فيه وسن الموت الرائع، وهو رائع لأنه لا يستدعي الشفقة بل يثير نوعا من الإعجاب. من الشاعر علي الشرقي هذين البيتين:
«جسدي قاربٌ وقلبي شراعٌ .. وحياتي حبلٌ وعقلي نوتيّ»
«أركبوني يوم الولادة بحراً .. سأرى ساحلاً له يوم موتي»
لا ينتهي كلّ شيء بموتنا إذن، ترتفع الروح في تلك اللحظة مثل رائحة الأعشاب وحفيف الأغصان في حديقة؛ النبتة الطيّبة يكون لها شذا طيّبٌ. يوصف عمر الثمانين بأنه خلود صغير، وفيه لا يرى المرء نفسه في الحلم، فالمسنّون تأتيهم صورهم في الحلم وهم دون هذا السنّ.
لا ينتهي كلّ شيء بموتنا إذن، ترتفع الروح في تلك اللحظة مثل رائحة الأعشاب وحفيف الأغصان في حديقة؛ النبتة الطيّبة يكون لها شذا طيّبٌ. يوصف عمر الثمانين بأنه خلود صغير، وفيه لا يرى المرء نفسه في الحلم، فالمسنّون تأتيهم صورهم في الحلم وهم دون هذا السنّ. خبر صروف هذا العمر الشاعر زهير بن أبي سُلمى:
«سَئِمتُ تَكاليفَ الحَياةِ وَمَن يَعِش .. ثَمانينَ حَولاً لا أَبا لَكَ يَسأَمِ»
بينما يعيش المسنّون في الدول المتحضّرة إلى ما بعد المئة، وهناك مراكز تعتني بهم وتقدّم لهم التأهيل الذي يختلف كلّما تقدّم العمر، ويدعون الشيخ والعجوز في عمر الثمانين بالشيخ صغير السنّ والعجوز صغيرة السنّ. كما أنهم يعدّون الستّين عزّ الشباب الواعي، لا تهوّر فيه عند طلب اللذات، ولا تكالب على المال والعمل. وعندما يتجاوز عمر الإنسان المئة ترتسم على وجهه تعابير ابتسامة فتيّة، وتكون لنضارة وجهه خاصّية فريدة، فهو مرئيّ بلونه الذاتي وحسب، ومتورّد، ولكن بشكل مختلف عما يحدث في عهدي الفتوّة والشباب. هل صادف أن شاهدتم على شجرة عمرها مئة عام زهرةً حياتُها يومٌ واحدٌ؟! إن لوجوه المعمّرين مشهدا يتفوّق بجماله على أيّ صورة أخرى للحُسن في وجوه البشر، فهم يبدون شبابا بمعنى السلم، لا بالوسم الذي تطبعه عواصف الجنون على سحنة الشابّ والفتى. في رواية «البؤساء» لفكتور هوغو يصف الكاتب وجوه المسنّين بأن لها «جَمال الصَّلاح»، وهو الجمال الأكمل فنّيّا، لأن التعابير تكون منحوتة على الوجه، ويبدو هذا مثل قطعة فنية «ريليف»، بينما تسيل الألوان من لوحة الفتاة الحسناء طوال الوقت، ويعطي هذا المجرى للمشاهد فكرة عن النضوب وعدم البقاء والفناء. تحفر الشيخوخة المتقدّمة لونها على الريليف، وتبدو كأنها دائمة أبدا، ولا نهائية.
لا يمكننا إيقاف عجلة الزمن، فما إن تمضي لحظة حتى تحلّ مكانها لحظة أخرى تموت سريعا وتولد لحظة جديدة، والولادة والموت اللذان يتعاقبان هما صورة قريبة لعمر الإنسان، فهل من واسطة لإبطاء هذه الآلة؟ ليس هناك من سبيل، مع الأسف الشديد، ولكن توجد طرق لتفكيك هذه الآلة، وإعادة أجزائها إلى العمل، ولكن بفلسفة جديدة.. لو شئنا الدقة فإن عمر الإنسان الحقيقي يساوي حاصل طرح الرقم 30 من عدد سنين عمره الزمني، على أساس أن المرء وهو شابّ يكون في حالة بناء دائم، ثم تبدأ بعد ذلك أول أعمال الهدم، ومنها يأخذ المقياس بالعدّ. عندما بلغ الشاعر غوته السبعين، كانت له تجربة حبّ رائعة مع فتاة شابة، وكتب في مذكراته: «أشكر السماء أنني لست يافعا في هذا الزمن، فالحياة الحقيقية تبدأ في السبعين». أما الروائي سومرست موم، وبعد أن أمضى حياة طويلة وعريضة، وألّف العشرات من القصص والمسرحيات، خلص إلى هذه الحكمة الثمينة: «الحياة عندي بدأت في الثمانين. معها شعرت بأنني ما أزال ذلك الشاب الذي خرج إلى نفسه في موج البحر». يعود السبب في ذلك إلى ملكة الإبداع لدى الشاعر والروائي. تحيا هذه الإرادة الخلّاقة بالأحاسيس والحدس والسحر، وتتطلب وثوبا دائما إلى مشهد الحياة – يدعوها الشاعر الفرنسي رامبو بالوثبة الصامتة للحيوان المفترس – وينتج عن هذا أن تكون «الآتو» لدى الشاعر والناثر متّسعة ومتجددة، مثلما في عمر الطفولة. هناك حكاية طريفة عن شيخ يعيش في الريف اسمه سيّد جبر، لخّص حياته برمّتها بآتو واحدة: «سيّد جبر، من بطن أمه، إلى القبر».
تجاوز عمر جدتي لأبي أكثر من قرن، وكانت تمتلك اسما أدبيا: «مسالك»، وتنتمي إلى عائلة بغدادية عُرفت بمهنة رجالها؛ النقش على الحجر. في هذا المشهد يصف ماركيز موت إحدى العجائز: «تجشّأت تجشّؤا مدوّيا، وماتت. واروها في القبر، ثم أغلقوه بمصطبة من الرّصاص، وكان لدى بعض الحاضرين ما يكفي من بُعد النظر ليدركوا أنهم يشهدون ميلاد عهد جديد».
بمثل هذه الصورة توفّيت السيدة «مسالك النقّاش»، وقد شهدت ساعتها عندما كان عمري خمس سنوات.
كاتب عراقي