الخارج في المعادلة السورية

حجم الخط
0

باسل أبو حمدة مرة وإلى الأبد، لا بد من التخلص من الخزعبلات السياسية التي تقوم على الانتقائية في موضوع نسج خارطة العلاقات السياسية الخارجية لمختلف مكونات الكيانات المنخرطة في عملية سياسية آخذة بالتشكل في سوريا إثر اندلاع الثورة السورية المباركة بما في ذلك النظام وقوى المعارضة على اختلاف مشاربها، حيث لا يجوز الخلط بين ما تبقى من علاقات للنظام مع عدد يتضاءل من دول العالم وبين علاقات لقوى المعارضة الناشئة مع عدد آخر يتزايد من دول العالم، فلا مكان هنا لاستخدام المعايير ذاتها في توصيف تلك العلاقات بشقيها المتباعدين، فكل منهما يبني علاقاته وفق ما تقتضيه مصالحه، أما ما يحدد مدى وطنية تلك العلاقات الخارجية من عدمها، فإنه من المفترض ألا يخرج عن نطاق مدى استجابة تلك العلاقات للمصالح العليا للشعب السوري المتمثلة بحريته وكرامته وعيشه الكريم.العلاقات الخارجية تحددها ،عادة، شبكة من المصالح التي تتقاطع تارة وتتنافر تارة أو تسير جنبا إلى جنب في بعض الأحيان، ومصالح الشعب السوري ممثلا بقواه السياسية الناشئة الساعية لإسقاط النظام تتقاطع في المرحلة الحالية وبشكل تكتيكي قد يطول أو يقصر مع مجموعة من القوى الدولية الفاعلة التي لطالما تحالفت مع النظام نفسه وساهمت في وصوله إلى السلطة وحتى في ترسيخ قبضته على الشعب السوري، لا بل وتوكيله بالكثير من الملفات السياسية الإقليمية الحيوية، التي راح يتلاعب فيها على هواه ضاربا بعرض الحائط مروحة من حقوق ومصالح وتطلعات شعوب المنطقة، وبالتالي، فإنه ليس من حق أبواق النظام الحاليين أن يرفعوا الصوت في وجه المعارضة السورية ويدعون أنها تخون الوطن عندما تتعامل مع هذه الجهة الدولية أو تلك، فهذه الأطروحة (الأخلاقية) المزيفة لا مكان لها في معادلة العلاقات الدولية القائمة على مبدأ المنافع المتبادلة وتحقيق المصالح. هنا يبدو أنه لا بد من توضح ماهية الوطن أصلا مثلما يتعين الفصل مرة وإلى الأبد أيضا بين النظام والوطن من جهة وبين رئيس النظام والوطن من جهة أخرى، الأمر الذي نعترف بأن تلك الأبواق نجحت، إلى حد ما، في تسويقه بين الناس على مدار نحو نصف قرن من الزمن، ما يجعل القضية كلها تدخل في نفق مفاهيمي معتم من أجل إنارته من جديد لا بد من العودة إلى جادة الصواب في التعامل مع مسلمات مفاهيمية غابت عن المشهد السياسي السوري طويلا من نوع أن الوطن هو كل الناس ولا يمكن أن يختزل في فرد أو أسرة أو حفنة من الأفراد، وبالتالي، فإنه من الطبيعي ،في المقابل، أن لا تختزل مصالح الوطن الخارجية أو تحشر في هذا الإطار الضيق، الذي يقف على طرفي نقيض أصلا مع مصالح الناس.يعتلي سلم أولويات السوريين في هذه اللحظة الحرجة والمؤلمة من تاريخ بلدهم البند الأول من مبادرة كوفي عنان والتي تقضي بوقف القتل في مختلف مدن وأرياف سوريا، بينما لا تزال مجموعة المراقبين التي تشكلت بقرار من مجلس الأمن الدولي للاشراف على تنفيذ البنود الستة لهذه المبادرة الدولية منهمكة في تحسس موطئ قدم لأعضائها على الأرض السورية في ظل استمرار عمليات القتل الوحشي التي تمارسها عصابات النظام ومرتزقته صباحا مساءا من جنوب البلاد إلى شمالها ومن شرقها إلى جنوبها، ما دفع بعض أهم القوى السياسية المعارضة للنظام إلى اتهام المجموعة الدولية بالتغطية على جرائم النظام نفسه والتي كان أطفال ونساء ورجال مدينة الحولة الوادعة آخر ضحاياها، حيث تم ذبحهم بالسكاكين بدم بارد في مجزرة يندى لها جبين الانسانية جمعاء. السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل تكسرت النوايا الحسنة للمجتمع الدولي حيال الشعب السوري على صخرة عنف النظام وشعاره القائل’ الأسد أو يحرق البلد’؟ أم أن هذه النوايا لم تكن موجودة أصلا وأن المبادرة برمتها ملحوقة، منذ البداية، بالمبادرة العربية التي سبقتها والتي لم تفض إلا لمزيد من أعداد الشهداء والجرحى والمعتقلين والمشردين، ما يولد سؤالا جوهريا آخر حول هوية ‘مايسترو’ العملية برمتها في المعادلة الدولية بجانبها السوري، حيث تضج وسائل الاعلام العالمية في الحديث عن عسكرة الثورة السورية المباركة، بينما تصمت تماما حين يتعلق الأمر بإمداد النظام السوري بمزيد من وسائل القتل من دول وجهات باتت معروفة للقاصي والداني وعلى رأسها إيران وروسيا وحزب الله وحكومة المالكي في العراق، والأدهى من كل ذلك موقف الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان من التفجيرات الارهابية التي تستهدف المجتمع السوري في أمنه وأمانه والتي يعتبر أنها تحمل بصمات تنظيم ‘القاعدة’ بينما منفذهـــــــا معروف وهويته مكشوفة وأياديه طويلة طالت، بالإضافة إلى سوريا نفسها، لبنان وتركيا وغيرهما وهي مرشحة لتطول أكثر وتطال المزيد من الضحيايا الأبرياء حول العالم. الخارج في المعادلة السورية يراهن على النتيجة النهائية للصراع الدموي على السلطة في سوريا وهو في حالة انتظار أن تتكشف هوية القوة المسيطرة التي من المنتظر أن تنبثق عن هذا الصراع، لكن بات من الواضح أن القوى العالمية بما فيها روسيا ترهن موقفها من المتغير السوري بموقف دول إقليمية فاعلة بالمنطقة تترقب بدورها النتيجة نفسها وعلى رأسها الدولة العبرية التي لا حاجة لتحليل موقفها من هذا المتغير عند خاصرتها الشمالية الغربية طالما تبرع أحد أركان النظام السوري وكشف عن مدى ارتباط أو ترابط الأمنين في الدولتين المارقتين، خاصة وأن جنرالات تل أبيب وساستها أيضا يقدرون كثيرا للنظام في سوريا وقفته’ الجامدة’ معهم في الجهة المقابلة من تلك الحدود. في مقابل ذلك، يبدو أن القوى السياسية المكونة للمعارضة السورية لا تزال تتخبط بدورها في فهم الخارج في معادلة بلادهم وما يزيد من ارباكها لا علاقة له البتة في حالة التشرذم التي تعاني منها هذه القوى بقدر ما هو مرتبط بمدى تطرف النظام السوري وتماديه في إعمال سكينه في قلب ضحيته المتمثلة في الانسان السوري الضعيف المغلوب على أمره ليس لأنه لا يملك إرادة المقاومة ولكن لأن أحدا في الخارج لا يستطيع أو لا يريد أو لم يقرر بعد أو لا يزال يترردد في حسم موقفه من النظام الاستبدادي الذي يرزح تحت قبضته وتاليا في مد يد العون ورفع تلك تلك السكين عن عنق السوريين. الدرس معروف، بدوره، ذلك أنه من خلال ما يجري في الميدان وعلى الأرض، لا من خلال إرهاصات وحسابات الخارج، يمكن قراءة المشهد السياسي السوري على حقيقته، حيث تشي التطورات بأن جميع المعادلات الخارجية التي طبقت في تجارب ثورية أخرى في إطار الربيع العربي غير قابلة للحياة في الحالة السورية حيث بات واضحا أن الشعب السوري قد دخل في نفق طويل حالك الظلمة لن يخرج منه إلا بعد أن يكون قد دفع ثمنا باهظا لاسقاط نظام لا مثيل لإستبداده في تاريخ الانسانية، بحيث يصبح من الطبيعي القول أنه مع جلاء هذه الغمامة السوداء عن الشعب السوري فإن النور سيتخطى حدود وسماء سورية إلى مناطق مجاورة وغير مجاورة لسوريا، التي ثبت بالملموس أنها حجر زاوية في السياسات الإقليمية والدولية مهما كانت طبيعة النظام السياسي الذي يحكم فيها أو يحكمها. ‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية