الخاسر والامريكي ويس اندرسون يستعيد ‘يوتوبيا’ عائلة حقبة الستينات

حجم الخط
0

الايراني عباس كياروستامي يستعير عوالم المعلّم الياباني أوزو حول الحب الفرنسي: زياد الخزاعيفي اشتغالات المعلّم الياباني ياساجيرو أوزو (1903ـ 1963) تُحاك قصص شفيفة حول العائلة واستحقاقات عواطفها. رقة سينمائية تحتفي بالاواصر وهموم ياباني ما بعد الحرب العالمية الثانية وذاكرة نهوض البلاد بعد عقود من الحروب، ولاحقا قنابل الرئيس الامريكي هاري ترومان النووية التي حسمت أنفة الامبراطورية الاستعمارية. عمل أوزو على ثيمة المصالحة الشعبية مع تراكمات خسارات القادة، فذهب الى البشر العاديين وصور بتأن نادر الاخلاق الجديدة وتحولات الثقافة الوافدة. هناك تقابلات كثيرة في أعماله خصوصا في ثلاثية نوريكو الشهيرة المكون من ‘ربيع متأخر'(1949) و’صيف مبكر'(1951) و’حكاية طوكيو'(1953) بين الريف المتجانس كمقابل للمدينة الكبيرة التي تعصف بها الحداثة واشتراطاتها الاجنبية (الامريكية كاحتلال). بيد ان اوزو لا يصطاد هذه التغييرات على أساس انها قدر سياسي، بل يقاربها باعتبارها مكوّنا قوميا تحتاجه البلاد وأناسها الذين سئموا اخبار المعارك وتضخم النعرة الشوفينية انذاك. نرى بطلة القسمين الاولين الشابة نوريكو وهي تعاند والدها ونصائحه في الزواج والاستقرار في طوكيو، مفضلة قرارها بالبقاء قربه والاهتمام بما تبقى من عمره، قبل ان تفاجأ العائلة بقرارها الغريب بترك العاصمة للزواج من شاب لا تهواه، لكنها تمتثل الى اقتراح والدتها الخائفة من عنوستها!

، فيما يشعر والدا القسم الاخير جفاء الابناء المهمومين بالعملوالواجب، حينما يحلان ضيفين في بيت الابنة البكر.

ترى كيف يقارب مخرج اجنبي ذو صيت دولي مجتمعا اسيويا مركبا، من دون الاخلال بصنعة المعلّم أوزو؟ في جديد صاحب ‘طعم الكرز’ (السعفة الذهب عام 1997) المخرج الايراني المميز عباس كياروستامي’مثل امرىء عاشق’ الذي يتنافس ضمن مسابقة الدورة الخامسة والستين لمهرجان كان السينمائي الجاري، استعارة جلية وتحية معمقة لشخصيات أوزو واحداث افلامه المختزلة، لكن مع زيادة عيار التهكم السياسي الذي لم يكن يعيره المعلّم الياباني انتباها اساسيا.

تقع طوكيو الالفية الثالثة في عمل كياروستامي خارج اهتمام ابطاله الثلاثة، انهم موجودون في محيطها وسيرورتها اليومية، لكن من دون ان تصبح هي محركا ثوريا للقاءاتهم وتعارفهم، بمعنى انهم سكان هامش مفعم بالفردية والاقصاء، ورغم ذلك يهفون الى علاقات اكثر حميمية لا يحققونها او على الاقل لا يقاربونها الا ضمن صفقات ينظمها أناس اخرون ومثلهم صدف غريبة التوقيت.

يعتاد البروفسور الجامعي (تاكاشي اوكونو) المستوحد بشيخوخته وتقاعده، على ‘تأجير’ فتيات ليل يأنسن فراغ حياته.

وهي لقاءات لا تعني انها تنتهي بالضرورة بمواقعات جسدية. ذلك ان عمره خارج نطاق الشقاوة الجنسية. انه رجل متفلسف، متباسط، وصافي النوايا. وعبر صفقة من احدى طلابه القدامى الذي يدير مقصفا ليليا، يستضيف شابة جامعية (رين تاكاناشي) في دارته المليئة بكتب المعرفة، الامر الذي يغريها للاقتراب من تفاصيل اكثر عنه وتاريخه، بينما يصبح العجوز مهووسا بشؤونها الشخصية التي تقوده الى مواجهة مع الحبيب الشاب السمكري (ريو كاسي) المتحول من متيم الى منتقم في نهاية الشريط، حينما يرمي حجرا وسط بيت العجوز، كاحتجاج رافض واعلان فشل شخصي.

يختزل مخرج ‘اين منزل صديقي'(1987) و’عبر اشجار الزيتون'(1994) محيط العاصمة الذي لا نراه الا بعيدا، بمواقع قليلة، يبان خلالها اهتمامه الصارم بزمن الحكاية الذي لا يتعدى الساعات الاربع والعشرين. يبدأ كياروستامي عمله ليلا، وبلقطة طويلة داخل المقصف حيث نسمع شكوى الشابة من لجاجة حبيبها، قبل ان تُرغم على ‘السفر’ الىالضواحي للقاء العجوز. في هذا الفصل الحكيم، تكون الظلمة الخارجية حامية للتعارف وحاضنة للجذوة التي تشتعل في كيان البروفسور، وكأن به احدى شخصيات صاحب ‘الجميلات النائمات’ للكاتب ياسوناري كواباتا (1899 ـ 1972) المنتشية بصفو دواخلها واحتكامها لقدرها الذاتي. يُبقي كياروستامي بطليه داخل المنزل أطول فترة سينمائية، حيث نرصد المحيط الثري للعجوز، مقابل فضول الشابة الذي يقودها الى تطامن داخلي. ومع المشاهد النهارية، تكون السيارة (كما في فيلمه ‘عشرة’ 2002) هي المكان الانتقالي الامثل لصدامات الشخصيات الثلاث ومشاحناتها عند شوارع المدينة والتي تُفجر هوسا عاطفيا مضمرا بين العجوز وفتاته، حتى انتصارهما على ابن الشارع الذي لم يستوف حق عشقها ولم يع تلك الفوارق بين أميته وحسية الشابة التي رأت فيه ولهانا معرقلا لطلقها الشبابي.

بعد الشهرة الكاسحة لعمله المحكم الصنع ‘نبي’ (الجائزة الكبرى، كان 2009)، يعيد المخرج الفرنسي جاك أوديار تألق بصيرته السينمائية في جديده ‘الصدأ والعظم’، محيلا العلاقة العصية على التحول في مبتدئها الى عشق بين كائنين متضاربي المشاعر والظنون، كاعلان سينمائي عن شيوع فردانية مريضة بين بشر اليوم. نقابل البطل علي (البلجيكي ماثياس شونارتز الذي عرف شهرة عالمية عبر ادائه الخاطف في ‘رأس ثور’ لمواطنه ميشيل ر. روسكام) برفقة ابنه البالغ خمسة اعوام، ليكشف الشريط عن وحش كاسر كتوم بشأن عوزه وجوعه ووحدته القسرية. انه مقاتل ضد عسف حياة وانانية نظام اجتماعي واقتصادي مرير، لا يلتفت الى كائنات مستوحدة مثله. انه طريدة مليئة بالعظام القوية التي عليها ان تؤدي اشغال العنف والحيلة وحماية السلطة. من طرف أخر، هو يتيم الطبقة التي تلفظها البنية الاجتماعية الاوروبية الغارقة بأزماتها الاقتصادية وحصاراتها المؤسساتية. ان مشهد بحث علي عن بقايا لقيمات وعبوات ماء تركها مسافرو قطار الجنوب المتوجه الى مدينة كان، تشي بحجم الكارثة التي تحيق بحياة شاب على قدر هائل من العنفوان، لكنه مكسور بلقمة عيشه.

على الطرف الاخر، تكون ستيفاني (أداء مشع من ماريون كوتيار) مدربة الحيتان في متنزه بحري، على موعد مع أقصائها الثنائي المتشكل من عبوديتها كقيمة انتاجية الى نظام عمل خطر وغير منصف، وثانيا رضوخها الطوعي الى رجل لا يكف عن اهانتها وتصغير شأنها.

انها امرأة على الهامش المديني، تقدم عروضا احتفائية لبشر يهربون بدورهم من ضغوطهم الاجتماعية والعائلية الى وسط مائي مفتعل، يرقبون فيه حركات أكروباتيكية لحيوانات أسيرة.

وحينما يتم لقاء الاثنين، أثر حادث اعتداء تتعرض له البطلة، ويقود علي الى بيتها ومستعبدها الذكوري، تشتعل الشرارة في عمق شجاعتها المغيبة، وتقول له بحزم: ‘لا أوامر بعد الآن!’، تزامنا مع هذا، يقع المكروه الذي يبتر ساقيها، ويحولها الى كائن عاجز مليء بالصدأ. يكون علي الضخم الجثة، بمثابة الملاك صاحب المأثرة في نقلها الى الحياة وتنشيط فعلها الجماعي. يدخل البطل من اجل تجاوز محنته المالية في حلبات ملاكمات غير شرعية تجري فصولها في نطاق ازقة واماكن مهجورة، تجتمع فيها حثالات مهاجرين مع فرنسيين ملفوظي الشرعية، يقامرون على اللكمات والدم الرخيص.

يصور أوديار محيط المدينة الذهبية كجحيم اجتماعي، اذ ان الاقصاء سيّد المنظومات العائلية التي تتحصن بالسرقات والحيل وفشل افرادها في امتلاك مهارات تنقل حيواتهم الى مكانة أرفع. عليه، تحول الظروف ستيفاني، التي تمشي الان على ساقين اصطناعيتين، الى مضاربة مالية على قوة عظم علي وعضلاته وعنفوانه الجنسي الذي يتبادلان، لاتمام مواقعاته، رسائل نصية ذات رمز مضحك عبر هواتفهما المحمولة!

هذه الاخيرة، يقوم بها علي من دون جذوة عاطفية، اي انه حيوان عديم المشاعر، مفعم بالجنسية والتفريغ، يواقع النساء لحاجة جسده وهرموناته وعنفه المضمر. وهو لن يستعيد انسانيته الا أثر حادث غرق صغيره في بحيرة متجمدة، راحا يستعيدان فوق سطحها فرح علاقة ابوية مجتزأة الدوافع حيث الاب فاشل في نيل عمل مشرف ينقذهما من الحط العائلي، والابن الصغير الذي تتناوشه اياد وعواطف اقارب لن يتوانوا عن التخلي عنه مع تصاعد عنف الوالد المحبط. ان حدث الغرق والانقاذ هو العلامة المريرة لخطاياه وغبائه اللذين كادا ان يوديا بحياة الكائن البريء الذي تعلم الأنزواء. في المشهد الختامي، داخل المستشفى، نرى علي وهو يجهش بالبكاء تأسيا على صدئه ايضا. وبما ان معجزات الحياة متوافرة من حولنا، ونعجز عن اكتشاف اقدارها، يساوي المخرج اوديار بين الفاجعة القصيرة وانتصار البشر على محنهم. هنا نتابع اجتماع العائلة امام مدخل فندق فيالعاصمة البولندية وارشو أيذانا بأمل كاد ان يكون صعب المنال، لكنه ترتب بعزم الابطال الثلاثة كمكافأة ربانية لوحدتها المتأخرة، تماما كما حاك صاحب ‘انظر كيف ينهارون'(1994) و’النبضات التي يخطها قلبي’ (2005) مصير الشاب الشمال افريقي مالك الجبينة (طاهر رحيم) بطل فيلمه ‘نبي’ حيث يجتمع في نهاية المطاف مع الام الشابة جميلة (ليلى بختي) أرملة زميله في السجن والذي قضى المرض الخبيث عليه لاحقا، ليكوّن عائلة تُعلن عن موت ماضيه الاجرامي الاسود. هكذا يصبح علي مكملا لمالك في انتمائهما الى حثالة اجتماعية لن ينصفها المجتمع الاستهلاكي الكبير، ولن يشركها برفاهيته التي تبقيهم على حافة الصدأ الاوروبي! في عمله الاخير ‘مملكة طلوع القمر’ الذي افتتحت به الدورة الخامسة والستون (حتى 27 الجاري) ذهب المخرج الامريكي ويس اندرسون (1969) الى قلب اليوتوبيا العائلية، حانيا على افرادها بخيالات فترة الستينات الانقلابية، محيلا عمله التهكمي الى فرح موسيقي، اختيرت فقراته بدقة وتأن نادرين. انه استمرار درامي لعمله السابق ‘شركة ديرجلينك’ (2007) الذي تابع مغامرات الاخوة الثلاثة للوصول الى والدتهم التي تبوذّت واستقرت في الهند، وقبله رائعته ‘راشمور'(1998) التي تهكمت على مفاهيم عفّة الاخلاق في المؤسسة التعليمية الامريكية، عبر علاقة عشق يتنافس فيها طالب ثوروي وصديقه الثري على قلب استاذة حسناء!. تنعكس الاية هنا، اذ يهرب الابناء الى البرية، وتتحول الارادة العائلية ورموز السلطة من حولها الى حيوانات هائجة لاعادتهما، ومنعهم من تكريس الثورة على القيم الاوثوقراطية التي يشرحها لنا احد اجداد القرية البحرية والمستولين من الحكايات الشعبية الخاصة بمحيط جزيرة نيو أنغلاند. ان البطلين اليافعين سام (جارد غيلمان) وسوزي(كارا هايوارد) يمثلان جذوة اجتماعية لانتفاضة تبدأ كتمرد صبياني ويتحول الى مبارزات رعاة بقر، تتدخل الطبيعة في أقداره وتحولاته!. هو، على حظه العاثر الذي حوله الى يتيم تحرسه مؤسسة شبه عسكرية هي الكشافة، من دون ان تمنع عنصرية الاخرين من التحامل على وضعه الشخصي ونقص محتده. وهي، كموقف مضاد لكآبة والديها البطركيين الغافلين عن مراهقتها، وكيانها الذي يشتعل بالحلم في الهروب نحو عالم طوباوي، تجده في الغالب ضمن فصول روايات خيالية مفعمة بالمغامرات والاجواء البطولية الخارقة، وهذا ما يتحقق لها لاحقا، ليلة العرض المسرحي الذي يمهد مقابلتها مع سام. يهرب الاثنان نحو الطرف الاخر من الجزيرة، قبل ان يحاصرا من قبل قائد الكشافة العصابي (أدوارد نورتون) ورئيس الشرطة (بروس ويليس) المغرم بوالدة سوزي (الممثلة القديرة فرانسيس ماكدورمان)، ويصبح عليه واجب انقاذ ابنة العشيقة التي تعرف السر الفاضح. المفاجأة ان البطلين عقدا قرانهما. لكن من يُفهِم الاب الذي صحا من غفلته، والام التي تُصدم بان حبها المخفي، أنما يسكن طرف لسان ابنتها الوحيدة، ان الثورة وقعت ولا نهاية لنيرانها. وحدها، تكون الموسيقى، الحارس التعبيري الذي يهز كيان مشاهد فيلم أندرسون الذي زخر بكم وافر من الخيال والالوان والكاريكاتورية والاشعار والمواقف الكوميدية والسمفونيات. من هنا نفهم، ان بطلي ‘مملكة طلوع القمر’ التي يؤسسانها كموقع ووطن لهما عند حافة البحر، انما هي الجنة التي كان يجب على الولايات المتحدة ان تكون اثر ثورة الهيبيز وانتفاضات الستينات المجيدة. ينقذ رئيس الشرطة اليافعين، بيد انه يخسر حبه لام سوزي. يتحول رئيس الكشافة الى بطل منقذ ويُعيد بناء الحصن الذي يحمل اسم لبنان، ليختتم المأثورة السينمائية ببطله سام وهو يشرح سيرورة سمفونية نسمعها كتحية لعالم لن يسوده الوئام الا عبر الموسيقى!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية