تسجل الكاتبة ربيعة ريحان عودتها إلى المشهد الثقافي، بعمل روائي وازن، خثر عبر زمان طويل، لينهض بعمقه، ونظامه المتين، شامخا بلغته القوية النفاذة، وسحر حكيه القريب من الأنفس والواقع، والتاريخ والذاكرة. فبقدر ما التصق المحكي بالذات، وحفر في مستوياتها الاجتماعية والنفسية والأنثروبولوجية، فقد سعى، أيضا، إلى تقليب المتخيل الفردي والجمعي، على وجوههما المتعددة، منتقدا حينا، ومشخصا حينا آخر، وساخرا أحيانا، بدون أن يبتعد عن الأطروحة السردية التي كرست الكاتبة مسارها الطويل والحافل لمساجلتها، ومقاربتها، إبداعيا، وفي الآن نفسه، بدون أن تحيد عن خطها السردي، في الاجتهاد والتفاني، لتقديم وصلات مستجدة، بعيدا عن التنميط والتكرار، خاصة أنها تحفر في جغرافيا قلما تجرأ غيرها من الروائيين على ارتياد مساربها الغامضة، ويتعلق الأمر، كما سبق، بالتمثيلات الفردية والجمعية حول محكيات الذات، في تعالقها مع محكي الأسرة، أو العائلة، أو مجموعة الانتساب والانتماء.
جغرافيا ثقافية:
تدور أحداث المحكي الروائي في جغرافيا ثقافية؛ تعشقها الكاتبة، ولا تكاد تخلو واحدة من قصصها، أو روايتيها من الإشارة إلى معالمها، وخصوصياتها المتعددة، وهي حاضرة آسفي، أو عبدة بتحديد أشمل، وتستلهم متخيلها المتنوع من تاريخ المدينة القريب، الذي يبدأ مع نهايات الفترة الاستعمارية، وبداية عهد الاستقلال، ولأنّ مدينة آسفي محسوبة على المدن المهمشة والبعيدة عن مصادر صناعة القرار، فإن السرد، لم ينشغل بالقضايا الكبرى، مثل السياسة والاقتصاد والعلاقات مع الآخر البراني، بل سلطت الضوء على القضايا المجهرية، والتفاصيل الدقيقة التي قلما ينتبه إليها الناس والمؤرخون خاصة – وربما تكون في العادة هي الأهم- والشخصيات المهمشة التي لم تكن في الواجهة في أي وقت مضى، معيدة بذلك كتابة تاريخ مختلف ومغاير، ومن منظور أدبي لمدينة لم ترها كما كانت تحلم، وتتمنى وتريد، شأنها في ذلك شأن باقي المدن المغربية الأخرى.
ولم تتقصّد الرواية، من خلال اتخاذها نموذج آسفي فضاء للحكي، واستنبات الأحداث والشخوص، أي نوع من أنواع التعصب لجغرافيا على حساب جغرافيا، أو أي شكل من أشكال الهوية القاتلة، فهي إن حددت نطاقها الجغرافي، فتحت نوافذ كتابتها لتطل على الإنساني، وعالجت قضاياها بارتواء إنساني بليغ، وما الارتهان للمكان الجغرافي، الذي ترتبط به طفولتها، وانتسابها الثقافي والعائلي، إلا جسر لتقصير المسافة على الذات، لتصميم متخيلها الذي تعلمه جيدا، وتميل إليه بالفطرة، وتجده أقرب إلى نفسها، باعتباطية حساسة، وبدون حسابات أيديولوجية، بدون أن ننفي أن خبرتها الثقافية والجغرافية بالمكان النموذج، يسمح لها ببناء أطروحتها بشكل سلس، تكون فيه البيانات البيوغرافية والأثنوغرافية مقنعة وشبه جاهزة، لتبقى نكهة الخيال، وتوابل الاستعارة هما الطابع المحيل على البعدين الذاتي والإنساني في العوالم المصمّمة، للإيهام بالواقعية، والمرجعيّة في الخطاب، انسجاما مع الخطاطة السردية وطبيعة الأطروحة.
معاناة المرأة:
تسلط الرواية الضوء على وضعية المرأة في مغرب نهاية النصف الثاني من القرن العشرين، إبان الانتقال من عهد الحماية إلى عهد الاستقلال، وهيمنة العقلية الذكورية، وما يرافقها من شطط في استعمال السلطة، وامتهان كرامة المرأة، احتكاما إلى تقاليد عتيقة لا تستند إلى أي أساس، من خلال كشف سيرة شخصية أنثوية تدعى في المتن «الخالة أم هاني»، التي تزوجت خمس مرات، وتطلقت خمس مرات بعد معاناة مريرة، بدون أن تشعر ولو مرة في حيواتها الزوجية المتعددة، بأنها إنسان له حضور، ورغبات وحاجات، بل كانت أداة أو شيئا يؤثث حياة الرجل/ الذكر، ويمتعه، ويلبي رغباته الجنسية، ويمدد سلالته، ويخدمه ليل نهار، بدون أن يكون له اعتبار، فكانت الخالة، بناء على ذلك، تفضل الطلاق على التمسك بزواج لا تجد فيه إنسانيتها، متمردة على نظم المجموعة، وثقافتها الأبيسية، وتقاليدها المذلة، مفضلة أن تعيش بقية عمرها وحيدة، متنقلة بين الأحياء، ملتحفة خيباتها المتتالية، رغم أناقتها، وجمالها الساحر الذي كان يفتن الرجال، ويغير النساء، يقول الراوي: «كل الرجال يرون النساء ضروريات لبناء البيوت واستمرار الحياة، ذلك أمر لا نقاش فيه، من سيطبخ ويكنس ويجلي وينجب ويربي، ومن ستنقلب على ظهرها في الليل، جاهزة لتلبية رغبة الزوج وإمتاعه، حتى لو كانت جسدا هامدا أضناه التعب؟).
تسلط الرواية الضوء على وضعية المرأة في مغرب نهاية النصف الثاني من القرن العشرين، إبان الانتقال من عهد الحماية إلى عهد الاستقلال، وهيمنة العقلية الذكورية، وما يرافقها من شطط في استعمال السلطة
حدث ذلك في زمن كانت النساء تتعرضن لكل أنواع التحرش والاغتصاب، اللذين لا تسلم منهما حتى الحيوانات، يقول السارد على لسان الخالة: «لقد هتكني عيسى بالمعقول، وتسبب لي في نزيف، لم يبرأ منه جرحي حتى بعد أن طلقني، وصرت في عصمة أزواج آخرين، دائما ظل هناك دم بعد النوم».
لم تعانِ «الخالة أم هاني» من قهر الرجال الذين تزوجتهم، رغما عنها لإرضاء آخرين، تبعا لتوازنات اجتماعية، واعتبارات ثقافية تخص الأسرة الصغيرة، والعائلة، ثم الوسط والمجتمع، بل أنهكتها، كذلك، سياط شقيقاتها (النساء)، من الجارات، والكنات، والصديقات، ولم تسلم من اتهام المجتمع، كونها امرأة متمردة، مزواجا، خفيفة العقل، تعاني من علة ما تجعلها لا تسخن مكانها في بيت زوجها حتى يطلقها، بدون أن يتثبتن من أمرها، وينظرن في وضعية الآخر (الزوج)، بعدل ومساواة. فالمرأة أولا وأخيرا، في نظر ثقافة المجتمع هي المخطئة، والمسببة للطلاق، والخارجة عن الطوق، وهي سبب البلايا كلها، يقول السارد على لسان الشخصية الرئيسة: «هناك أياد خالية من الرحمة، كانت جاهزة دوما إلى الدفع بي إلى الزوبية (جهنم)، الجمال الذي ترينه كان مثار حسد وغيرة، كان بوسع الكثير من القريبات أن يجتنبن أزواجهن مجرد رؤيتي أو السلام عليّ». إلا أن الخالة لم تذعن لطقوس المجتمع، إلا لتكسرها وتخرقها متى أرادت، فهي سرعان ما تنقلب على الوضع، بعد أن تسيل جراحها، ومهما يكن من أمر، فإن كل طلاق من الطلاقات الخمسة، كانت وراءه قصة مؤلمة آذت الخالة، وجعلتها تفضل أحلّ الحرام، لتنجو بنفسها، أو ما تبقى من نفسها، مثلما كانت وراءه شجاعة الخالة في التعجيل به، وفك وثاقها ممن آذاها، يقول السارد على لسان شخصية الخالة: «في تلك السن، كنت قد صرت ربة بيت، امرأة يعتمد عليها في كل شيء… كلنا كنا نتزوج طفلات، والتي تصل إلى العشرين (يهزها الماء)، تكون قد عنست، و(فاتها الكلام).. أما العنف الذي كانت تتعرض له بسبب أو بدونه، فحدث ولا حرج يقول السارد: «ألم تخبريني أن جارا فظا غليظ القلب، كان يشرح ويملح زوجته الحامل لأتفه الأسباب بحزام بنطلونه؟ لدرجة أنها أنجبت طفلها أحول؟ وآخر كان يقذف زوجته بكل ما هو بقربه، تيمومة، مجمر، منفاخ، يد الهاون؟».
لم تدرك الخالة «أم هاني» طعم الحب، رغم جمالها الفتان، وانتمائها لأسرة موسرة محترمة، لأنّ كلّ زيجاتها كانت مدبرة من لدن آخرين، أو من تصميمهم، بحثا عن امتيازات شخصية، لكن الثمن كانت تؤديه وحدها، بل لم تعرف أبدا، طعم الرغبة التي يفترض أن تجدها الأنثى في علاقة الزواج، وإنما كانت مجبرة على أداء وظيفة ميكانيكية، لتلبية الحاجات البيولوجية لغيرها ممن ترتبط بهم. وككل مجايلاتها من النساء، لم يكن من حقها النظر إلى رجل، أو الإعجاب به، فبالأحرى أن تحبه، أو تتعرف عليه، فتلك خطيئة لا تغتفر، وتوجب الرجم، لذلك، كانت الخالة تتزوج، مثل كل نساء عصرها، برجل قد لا تعرف شكله، ولم تره قط من قبل، ولو على سبيل النظرة الأولى، يقول الراوي: «الخالة امرأة تنتمي في (الفراش) إلى جيل الخمسينيات، جيل الحياء والخفر».
وتعقدت أمور الخالة أكثر بعدم إنجابها لنسل، فاتهمت بالعقر، فضلا عن كون مجرد الطلاق سبة ومعرة لا يغفرهما المجتمع. وهنا يضيف الراوي: «كانت الخالة تستعيد بكامل الصفاء والضحك تفاصيل من ذلك الماضي، حياتها التي كانت بلا طعم مع رجال لم تخترهم، وإنما جاؤوا إليها عرضا، مثلما تأتي الأمراض والنكبات، وما زاد الوضع سوءا أنها لم تنجب، فلو أنجبت لكانت قد تغيرت حياتها جذريا، واضطرت إلى أن تتنازل كثيرا، وتتناسى حساسيتها المفرطة، وتنشغل بالأولاد، ترعاهم وتطبخ لهم الأكلات التي تعجبهم، وتحممهم، وتفسح لهم مواضعهم للنوم، وتحبهم كما لم تحب أحدا في الدنيا كلها، متحملة، في صمت، كل المتاعب».
ويستطرد السارد على لسان شيماء، في هذه النقطة بالذات، قائلا: «كنت قد أدركت أن خيارات زواجها كانت مفروضة عليها، وأنها تقبلتها كشيء محتوم لا محيد عنه، وتقبلت معها الجنس والنوم تحت رجل في فراش غريب، بدون تجاوب، ولا حصول على أي لذة، فلم يكن بمستطاعها لا هي ولا غيرها في زمنها أن تقرر في مصير زواجها، وذلك ليس ضعفا منها، ولا قلة حيلة، بل هي تلك القواعد الأقوى، والعادات التي يثير اقتحامها المشاكل». وعملت الرواية، إضافة إلى سرد معاناة النّساء في مغرب الخمسينيات وما بعدها، من تسلط الذكورية المجتمعية، وسيطرة التقاليد المهينة، على المقارنة بين عقليات نساء الأمس ونساء اليوم، وما طرأ على المدونة الاجتماعية والحقوقية من تغييرات، وكيف تحولت نظرة المرأة إلى ذاتها، وإلى الآخرين، في ظل التحولات المجتمعية الطارئة والمتسارعة، انطلاقا من ذاك السجال الحاصل بين جيلين: جيل الخالة أم هاني، وجيل شيماء، ابنتها بالتبني، راصدة نظرة كل جيل منهما للجيل الآخر، وهو حوار مشروخ يستند إلى ثنائية الانقطاع والانفصال، أكثر من استناده إلى ثنائية الاستمرارية والاتصال، فبينما خرقت الخالة «أم هاني» تلك المنظومة القاسية بطريقتها الخاصة، كأنها تنتقم من نفسها، رضعت شيماء هذا التمرد من جدتها وطورت جيناته بتشرب معطيات مستجدة من عصرها، وأخذت على عاتقها مواجهة أي شيء يعترض حياتها الشخصية، يقول السارد على لسان شيماء: «الأمر أبسط بكثير، فأنا فقط، أومن إيمانا قطعيا لا رجعة فيه، أن من حق أي كان أن يفعل ما يشاء، وأن ينام على الجنب الذي يريحه… ومستعدة أن أقف عند تلك النقطة الساخنة، التي تسمى عادات وتقاليد، أو في أحسن الأحوال، حالة من حالات المألوف، وأنسفها بمفردي». غير أن ذلك لم يصرف الرواية عن التفكير في قضايا وجودية، وأسئلة أنطولوجية، كأن تفكر البنت شيماء، وريثة سر الخالة، في السبب الذي جعل والدتها تتخلى عنها صغيرة، وتمنحها للخالة كي تتبناها؟ يقول السارد على لسان شيماء: «هل فكرت والدتي في الأمر مليا، وهي تعرضني على الخالة أم هاني؟ ألم يراودها الإحساس الأمومي بأنها ستفقدني ولن تراني؟ أكنت رخيصة إلى ذلك الحد الذي سمحت لها فيه بأن تأخذني لتتبناني، وتضع حياتي بمحاذاة حياتها المتقلبة؟». وعن كون الهبل الذي تلصقه النسوة بالخالة حكرا عليها، أم أنه حالة وراثية تخص شجرة السلالة برمتها؟ يقول الراوي: «هل يمكن أن يفكرن (صويحباتها) في ما إذا كان الهبل وراثيا؟ وأنهن يتعاملن مع هذا المعطى بجدية؟ هل يمكن أن يندفعن بعيدا، وينظرن إليّ كواحدة يمكن أن ترث ذلك من أم هاني؟ ثم ما الذي يجمعني بالخالة، حتى أرث منها ذلك؟ إنها ابنة خالة أمي، فلا هي جدي ولا هي جدتي… ودماؤنا لم تعد صافية، اختلطت إلى حد ما بالغريب منذ الستينيات من القرن الماضي، ولم تعد موريسكية بما يكفي»..
٭ ناقد وروائي من المغرب