الخبر والغفران والجذور الممكنة
محمّد خريّفالخبر والغفران والجذور الممكنةخبر الرّسم في السّرد شهادة علي بؤس الاقتفاء والسّير علي المنوال أو النّمط المحنّط أو المرسّخ بالثّقافةالماورائيّة وان كان جذر( خبر) يطيح علي مستوي المعجم إمكانات أخري منها ما اقرّ الاستعمال معانيها ومنها جذور يمكن أن يكون لها معان افتراضية وهي (بخر- ربخ – خرب- برخ-رخب-) وهذه الجذور الممكنة تحرّر الخبر من بؤس الشّاهد الحاكي الخانع مقتفي الأثر الذّليل الكاذب بتخريبه وفي التّخريب إحالة علي معني الدّنس والدّنس فعل العّامة في حين يكون الخبر بمعني الرّواية من فعل رواة الشّعر والحديث لذلك كان الخبر متأرجحا بين القبول والرّفض شانه شان الشّعر محمودا منبوذا محمودا مالم يضرّ بمسلم ومالم يعرّض بعقيدة علي حدّ تعبير الجرجاني في دلائل الإعجاز وان لم يلتزم الخبر بشروط التّقوي فخرّب نثره محاولا تجاوز السّقف في مقامات الهمذاني حيث مدّ خراب الطّبع وجزر خبر الرّسم و انتصار تهمة الزّندقة علي تمرّد الذّات فخنس لاعج الخراب بعصا القائم وتهويل يوم الحساب والعقاب. والتّرغيب في يوم الغفران وان كان جذر “غ ف ر ” لايتيح ما يتيحة جذر” خ ب ر” من إمكانات أخري افتراضيّة غير رغف وغرف وفغر وهي متمكّنه في معاني الفراغ والغرف وما يتعلّق من معاني الأكل والشّراب والمجون وغضّ الطّرف والسّتر والكتمان . فالغفران بمعني آخر خبر زور يغطّي خبر خطيئة أو سيّئة وكأنّي بخبر الغفران أو رسالته بخبر يغطّي خبرا والخبر هي أخبار أعلام أمثال المتنبي وابن الرواندي وبشّار وأبي تمّام والحلاّج وغيرهم أمثال مولاي الشيخ والمقصود به المعرّي في رسالة ابن القارح يخشي ابن القارح أن تبقي كما هي دون أن يعلن دون أن يعلن أصحابها بأخبار أخري يعلنون فيها توبتهم فيغض الله ورسوله وصحابته عنهم الأبصار. ولكنني اغتاظ علي الزّنادقة والملحدين الّذين يتلاعبون بالدّين ويرومون إدخال الشّبهات والشّكوك علي المسلمين ويستعذبون القدح في نبوة النّبيين صلوات الله عليهم أجمعين ويتظرّفون و يبتدئون إعجابا بذلك المذهب…والحسين بن منصور الحلاّج من نيسابور وقيل من مرو ويدّعي كل علم وكان متهوّرا جسورا يروم انقلاب الدّول ويدّعي فيه أصحابه الإلوهيّة ويقول بالحلول ويظهر مذاهب الشّيعة للملوك ومذاهب الصّوفية للعامّة وفي تضاعيف ذلك يدّعي أن الالوهيّة قد حلّت فيه وناظره علي بن عيسي الوزير فوجده صفرا من العلوم ” ص36 وابن القارح كان في عرضه أخبار هؤلاء المخرّبين معلّقا علي كل خبر بما يواتي العقل والذّكاء لاالتهوّر والزندقة فهو لا يخرج عن خبر الرّسم وبؤسه إلي خبر التمرّد وغناه والعبرة بالنّهاية أو المال ورجاء التّوبة لا الثّبات علي العناد كما يقول معلّقا علي نهاية علي بن العباس بن جريح الرّومي ” فأرجو أن يكون هذا القول توبة ممّا كان اعتقده من ذبحه نفسه مشيرا إلي قول ابن الرومي لأبي عثمان ” والخنجر إذا زاد علي الألم ذبحت به نفسي”ابن القارح يبدو مشفقا علي هؤلاء راجيا لهم التّوبة والغفران اقتداء بما جاء في خاتمة الرّسالة من صيغ الاعتذار عن الخطل والعيوب ” مافرغت من السّوداء وأنا اعتذر من خطل فيها أو زلل فانّ الخطأ مع الاعتذار والاجتهاد ” والخبر في رسالة ابن القارح التي كانت تأمر بتقبّل الشّرع وتعيب من ترك أصلا إلي فرع كما يقول المعرّي في جملة يستهلّ بها رسالته يجسّم تلك الذهنية النّمطيّة التي لايمتزج حرفه بمقال الزّور والغفران لايخلو من أخبار الزّور اتّسعت جنّة الغفران لها في محاكاة جدّ ينطوي علي سخرية لتلقح ذهنيّة طبيعيّة يساير خبرها مفهوم الغفران كما تستسيغه العقيدة عقيدة ابن القارح محنّطة بنمطية عقيدة العامّة عقيدة الشّرع البدائي فيكفي أن ينجز طالب المغفرة خبرا افتراضيا يغطيّ به خبره الواقعيّ المتحوّل بمقامات اللّغة ليحصل له الغفران الحتميّ ليصير الغفران بمفهوم مختلف كذبة خبر علي خبر أو شهادة زور تصبح شهادة حقيقة وهذا الغفران خارج عرف النّمط صنيع إعادة صوغ الخبر لاغير في فضاء ميتافيزيقيّ هو فضاء الجنّة مشروطا بسلطة المتلقّي “الله” الذي بقدرته يتحوّل الكذب صدقا يؤهّل صاحبه للفوز بالجنّة لذا فمسالة الغفران مسالة متعلّقة بمقامات الخبر ومختلف تداولاته لابفعل الإنسان الواقعيّ في الدّنيا. لذا جاء الخبر في رسالة الغفران جملا قصصية راوية علي المجاز وان اضمر الخبر مشروع تخريب العقيدة في رسالة ابن القارح وذلك بالإخبار الخالع نزوة ابن القارح بما يجس له أو يخطر من أمور السّارح في الجنّة بجبلّة الطّبع ونبض السّجع بالمحاكاة السّاخرة فيحصد القارئ النمطيّ تمرّدا من مقامات القول من خبر مكتوب بحرفه لايخالطه وشاية بزور إلي خبر ضد يد عالق بمقامه علوق غلبة الظنّ علي اليقين والحركة علي الجمود والقصيد علي الآية والمدنّس علي المقدّس والإمكان علي التمكّن ويظلّ خبر إبليس خبر صدق لايشوبه زور فإبليس وحده لايطمع في جنّه ولا غفران ولايندم بل يستمرّ في غيّه لابائسا ولا خائفا مما هو فيه من أصفاد وأغلال وزفير نار بل لايزال متهكّما من ابن القارح ومن لفّ لفّه . ” فيطلع فيري إبليس -لعنه الله- وهو يضطرب في الأغلال والسلاسل ومقامع الحديد تأخذه من أيدي الزبانية …. فيقول إني لا أسالك في شيء من ذلك ولكن أسالك عن خبر تخبرينه أن الخمر حرمت عليكم في الدنيا وأحلت لكم في الآخرة فهل يفعل في الجنة بالولدان المخلدين فعل أهل القريات فيقول عليك البهلة أما شغلك ماانت فيه أما سمعت قوله تعالي” ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون سورة البقرة آية 25وتعطي حرّية القول بالخبر الخارب لإبليس أو يفتكّها متحدّيا فيقول ” وان في الجنّة لاشربة كثيرة غير الخمر فما فعل بشار بن برد فان له عندي يدا ليست لغيره من ولد ادم كان يفضلني دون الشعراء وهو القائل إبليس أفضل من أبيكم ادم فتبينوا يا معشر الأشرار النار عنصره وادم طينته والطين لا يسمو سمو النار لقد قال الحقّ ولم يزل قائله من الممقوتين.فلا يسكت من كلامه إلاّ ورجل في أصناف العذاب يغمض عينيه حتي لاينظر ما نزل به من النقم فيفتحها الزبانيّة بكلاليب من النّار وإذا هو “بشّار بن برد” قد أعطي عينين بعد الكمه لينظر إلي ما نزل به من نكال ص ص(308 و309و310). إمكانات عدة يتيحها الخبر في صيغة “خرب” تخلع عن الخبر زيف التمكن في اقتفاء الرّسم فيتمرد معلنا خبر الحق أو البيان المختلف بيان الشيطان الثابت في طبعه الإنساني رغم أصناف العذاب وكلاليب النار انه الوحيد المقتنع بفعله وماله فلم يمتهن النفاق ولم يلجم لسانه بخبر آخر يغالط خبره ولم يسع إلي الخلاص من النار بأساليب التمويه التي افتعلها ابن القارح.. وماخبر الشيطان المدعوم ببيتي شعر إلا اعتراف بل احتفاء فا بتهاج بفرحة التمرّد النّافع في وجه الغفران البائس الضارّ ومن منافع خراب الرّسم اهتداء الشّيطان إلي معرفة مخاطبيه بفلان وفلان لابالاسماء والألقاب في الجنّة كما هو الأمر لعلي بن منصور القارح وان لم يجد صعوبة في الاهتداء إلي معرفة بشّار بن برد وفي هذا أكثر من دلالة إذ الخبر يرفل في إيقاع سجع ساخر مصحوب بألم الحبّ حبّ الدّنس حبّ الشيطان بل حبّ الطّبع الإنسانيّ الجريء علي الاصداع بحقيقة الشّيطان الّتي يسعي ابن القارح إلي كتمها عن طريق خبر الغفران فهذه الحقيقة من ذاته لكنّه بخبر الرّسم يظهر انّه لايحبّها وكأني برسالة الغفران خبر فاضح أو خارب من ناحية وصكّ توبة برواية كاذبة من ناحية أخري وكانّي أيضا بخبر الشّيطان شارة رفض بحجاج صادق وهكذا يكون إبليس في منظور المعرّي الرّاوي الطبيعيّ الإنسان هو كما هو بعد إدراكه الحدّ النوعيّ للبدائي والنمطيّ أو هضمه الفويرقات المؤسّسة لذهنيّة كل خبر من الأخبار الفنّية فهو اصدق من ابن القارح وأجرا علي قول الطّبع وان كان علي ماهو عليه مكبّلا بالأغلال مبتهجا باللّعنة ومن يتغنّي باللّعنة من شعراء الغواية بسرد خبر بشّار السّاخر وقد أعطي عينين بعد الكمه ليلتذّ برؤية الألم وهنا يقدر الخبر علي إبراز أهمّية المشهد باعتباره وسيلة تعذيب الاهيّ وكان عذاب الله لايكون ناجعا إلاّ بالمسخ وإرجاع العينين لشاعر أعمي ليشهد عذاب ذاته وكأنّنا هنا أمام الاه صاد مصاب بعقدة تعذيب الآخرين وعيونهم تبصر عذابهم أليست هذه عبثيّة تنسب إلي الخالق شانها شان المعتقدات المتعلّقة بالقول إنّ الله يجدّد للكافرين يوم القيامة جلودهم ليشعروا بالألم وهكذا فالألم الاهيّ مذاقه ارضي دنيويّ ومن هنا تنشا حيرة السّؤال الطّبيعيّة لإبليس عن مسالة الغلمان وأهل القريات في الجنّة.ناقد من تونس ـ أبو العلاء المعرّي رسالة الغفران الطبعة الخامسة / تحقيق عائشة عبد الرحمان بنت الشاطئ ـ دار المعارف بمصر 0