يرى الخبير الاقتصادي هارون عمر، أن الجزائر تتوفر على مؤهلات يمكن أن تجعلها قبلة دولية للاستثمار الأجنبي، مثل الموقع الاستراتيجي وأسعار الطاقة الرخيصة والبنية التحتية القوية مع دخول مشاريع كبيرة طور الاستغلال قريبا.
ويقدم أستاذ الاقتصاد بجامعة المدية في الجزائر، قراءة في قانون الاستثمار الجديد ولمحة عن أهم المشاريع الاستثمارية الكبرى، كما يتحدث عن توجه البلاد لدعم الفلاحة الصحراوية التي يتم المراهنة عليها لتأمين غذاء الجزائريين والتصدير في ظل مناخ دولي مضطرب يمتاز بشح المواد الغذائية.
ويشير الأستاذ عمر وهو متخصص في المقاولاتية وإنشاء المؤسسات، إلى أن الجزائر حاليا بحاجة إلى مليون ونصف مليون مؤسسة صغيرة ومتوسطة تسمح لها ببناء نسيج صناعي وخدماتي قوي يؤهلها لاستقبال شركات عالمية.
○اعتمدت الجزائر قانون استثمار جديد يطمح لاستقطاب رساميل أجنبية للبلاد، ما هي أبرز مزايا النص الجديد وهل يحقق الرهانات من ورائه؟
•المعروف عالميا أن رأس المال جبان، ولعل المرحلة التي مرت بها الجزائر والتي عرفت إزاحة نظام من خلال الحراك الشعبي وانتخاب رئيس جديد للبلاد ألزم صناع القرار بتصحيح الأخطاء التي حصلت في المرحلة السابقة من خلال البحث عن نص قانوني يعمل على بث الطمأنينة في نفوس المستثمرين خاصة ما تعلق باستقرار الجانب القانوني وحرية الاستثمار وتحويل الأرباح إلى الخارج مع التأكيد على رفع كل القيود الإدارية والبيروقراطية من طريق الرساميل الأجنبية، وللوصول إلى هذا الأمر فإن القانون الجديد للاستثمار بني على أربعة عناصر أساسية تتعلق الأولى بالإستراتيجية العامة للاستثمار والتي تحتوي مجموعة السياسات وأولويات الاستثمار والامتيازات الممنوحة للمستثمرين والتي سيتكفل بها المجلس الوطني للاستثمار، كما تم استحداث هيئة تم إلحاقها بالوزير الأول سميت بـ «الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار» ووظيفتها استقبال وتسيير ملفات الاستثمار من خلال شباك وحيد مخصص للاستثمارات الكبرى والاستثمارات الأجنبية ووكالات لا مركزية للاستثمارات المحلية، وستكون هذه الهيئة تحت وصاية الوزير الأول ما سيجعلها قادرة على العمل بحرية أكبر وقدرات مفتوحة في مجال اتخاذ القرار. كما سيتم استحداث هيئة خاصة لتسيير العقار الصناعي والمناطق الصناعية يضاف إلى ذلك استحداث آلية مستقلة رفيعة المستوى توضع لدى رئيس الجمهورية تهدف بشكل أساسي للفصل في طعون وشكاوي المستثمرين وهو ما يؤكد أن القانون الجديد معد بشكل يجعل المستثمر في أريحية من كل النواحي التي قد تخلق توجسا أو ريبة خاصة أن الرئيس شخصيا سيتابع هذا الملف.
○هل الإشكال فقط في رأيكم هو في التشريعات الاقتصادية غير المحفزة أم يتعدى الأمر لمناخ عام لا يشجع على استقطاب الاستثمارات؟
•الجزائر تعول على خلق ديناميكية جديدة في الاقتصاد من خلال رؤية «2022 سنة اقتصادية» التي أطلقها الرئيس والتي تحوي على مجموعة كبيرة من الإصلاحات العميقة التي كانت بدايتها مشروع قانون الاستثمار، وإصلاحات جبائية وجمركية وبنكية بدأت ترى النور شيئا فشيئا، خاصة أن الجزائر ستقدم تحفيزات كبيرة للمستثمرين المقبلين على إنتاج السلع ذات الأولوية التي تساهم في خفض فاتورة الاستيراد، ولعل المشاكل التي كانت موجودة من قبل تتعلق في الأساس بغياب الإرادة السياسية لفتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية، كما أن تخلي الجزائر على قاعدة 49/51 (إجبار المستثمر الأجنبي على إيجاد شريك جزائري يمتلك الأغلبية) يؤكد أن الرؤية الجديدة منفتحة على كل المبادرات القادرة على خلق القيمة المضافة والرفع من نسب التوظيف، والدليل على ذلك الزيارات التي قام بها الرئيس في مطلع السنة الجارية والتي قادته لدول في الخليج العربي وإلى تركيا وإيطاليا، والرسالة كانت واضحة في أن أبواب الاستثمار في الجزائر مفتوحة، والرئيس شخصيا ضامن لرفع كل القيود التي كانت تعكر صفو الاستثمار الأجنبي المباشر في الجزائر. وأعتقد أن الجزائر لديها ما يؤهلها اليوم لتكون قبلة دولية للاستثمار نظرا لمجموعة من المعطيات لعل أبرزها أسعار الطاقة الرخيصة مقارنة بما هو متوفر في باقي الدول المحيطة، خاصة ما يتعلق بالدول الأفريقية والدول الأوروبية، الموقع الاستراتيجي الرابط بين أوروبا وأفريقيا الذي يرفع أهميته البنى التحتية المنجزة والتي هي قيد الإنجاز خاصة رفع كفاءة الموانئ الجزائرية وربط البحر المتوسط بعمق أفريقيا من خلال خط سكك حديدية وطريق سيار، توفر المواد الأولية بأسعار تفضيلية خاصة ما تعلق بالحديد الخام والفوسفات وعديد الأتربة النادرة، توفر اليد العاملة الشابة المؤهلة والرخيصة.
○هل يمكن أن تعطونا لمحة عامة عن الاستثمارات الكبرى الجارية حاليا والتي تمثل في رأيكم مستقبل الاقتصاد الجزائري؟
•يعتبر منجم غار جبيلات بتندوف أقصى غرب الجزائر، مثلا من أهم الاستثمارات خارج المحروقات في الجزائر نظرا للأهمية الاستراتيجية لهذا المنجم الذي ستضخ فيه استثمارات أولية تصل لحدود 2 مليار دولار، وهو يعتبر بداية توجه الجزائر نحو تنويع مواردها الريعية التي اعتمدت تاريخيا على النفط والغاز خاصة أن الجزائر بدأت تتوسع في تصنيع وتصدير الحديد وذلك من خلال مصنعي الحجار وبلارة (هذا الأخير الذي يمثل شراكة جزائرية قطرية إنتاجه يصل إلى 05 ملايين طن ينتج منها حالية نصف الكمية). ويكفي أن نقول أن احتياطات المنجم المعلن عنها تعادل 3.5 مليار طن منها 1.7 مليار طن قابلة للاستغلال في المرحلة الأولى التي ستكون في حدود 2026 وهو ما سيجعل الجزائر واحدة من أحد أهم موردي المادة الأولية فيما يتعلق بالحديد من خلال سكة الحديد التي ستربط المنجم بميناء جن جن بجيجل شرقي البلاد، وهو ما سيحقق وصول المادة الأولية للميناء للتصدير وللمصنع الجزائري القطري الموجود في نفس المنطقة.
ولعل الصين واحدة من أهم مستوردي الحديد الخام في العالم وهذا ما سيجعل الخام الجزائري يتوجه بشكل واسع إلى المصانع الصينية خاصة أن بيكين تستورد 53 في المئة من خام الحديد، كما ستستفيد المصانع الأوروبية من الخام الجزائري وتقلل تكلفة النقل نظرا للقرب الجغرافي بين البلد والقارة العجوز خاصة ان أغلب الممونين لهذه المصانع بعيدون جغرافيا، كما يمكن للجزائر الاستفادة من الوضعية الطاقوية الحالية نظرا لامتلاكها مصادر طاقة رخيصة ومستمرة في ظل ارتفاع أسعار الغاز عالميا مما يرهن عمل المصانع الأوروبية خاصة، وهو ما قد يخلق فرصة للجزائر من أجل استقطاب استثمارات تاريخية في المجال. وبالحديث عن ميناء جن جن الواقع في الشرق الجزائري فإن ربطه بالطريق السيار شمال جنوب وشرق غرب يجعله شريان حياة للاقتصاد، علما أن الجزائر تعمل أيضا على ربط شمالها بجنوبها من خلال سكة حديدية بالشراكة مع دولة قطر.
يضاف لما سبق الاستثمار المعلن عنه في مجال الفوسفات بمنطقة تبسة شرق العاصمة حيث يتوقع أن يتم ضخ 7 مليار دولار خاصة أن الاحتياطات تصل لحدود 2.1 مليار طن وهو ما سيمكن الجزائر من إنتاج وتصدير ما يفوق 06 مليون طن سنويا من الأسمدة والمنتجات، كما أن ارتفاع عوائد النفط والغاز سيجعل الجزائر تعيد إطلاق عديد مشاريع البنى التحتية التي تم تجميدها في المرحلة الماضية بسبب مخلفات أزمة كورونا.
○يكثر الحديث عن الفلاحة في الجنوب كأحد مصادر الثروة وتأمين الغذاء للبلاد في محيط دولي مضطرب يزداد فيه شح المواد الأساسية، هل يمكن فعلا أن تكون الصحراء سلة غذاء للجزائر؟
•الجزائر أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة وهو ما يجعل قدراتها الفلاحية غير محدودة، خاصة بعد دخول المناطق الصحراوية في المعادلة والتي كان التوجه إليها اضطراريا نظرا لتحويل عديد المساحات الزراعية في الشمال لمناطق حضارية، وهو ما جعل الجنوب الجزائري خزان غذائي للجزائريين، ولعل تجربة الكوفيد أكدت أن الفلاحة الجزائرية قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي خاصة فيما يتعلق بالخضر والفواكه خاصة أن حجم مساهمة الفلاحة في الناتج المحلي الخام خلال أزمة كورونا سنة 2020 كان 25 مليار دولار مقابل 23 مليار دولار سنة 2019 ولعل المشكل الأكبر الذي تعانيه الجزائر هو في حجم إنتاجها من الحبوب على غرار القمح، القمح اللين، الشعير والشوفان وهو ما جعل رئيس الجمهورية يقرر رفع سعر شراء هذه المنتجات بنسب تراوحت بين 20 و 30 في المئة وهو ما يتوقع أن يرفع من الإنتاج إلى الضعف، خاصة برفع نسبة الأراضي المروية، ولعل ارتفاع حجم الواردات من القمح والدقيق الذي وصل لحدود 7.5 مليار طن راجع لحالة عدم التأكد التي حصلت في السنوات الأخيرة بسبب جائحة كورونا والأزمة الروسية الأوكرانية حيث أن الجزائر تحتفظ باحتياطي استراتيجي يتجاوز 8 أشهر، والسبب الثاني هو انخفاض الإنتاج الداخلي الذي سيتم تجاوزه بسياسة التحفيز السعري التي تم انتهاجها، وهو ما سيجعل واردات الجزائر الغذائية تتراجع في آفاق 2025.
○أعلنت سوناطراك عن اكتشافات نفطية هامة خلال سنة 2021 والربع الأول للسنة الجارية، هل يعني ذلك أن عصر النفط لم ينته بعد في الجزائر؟
•أقرت سوناطراك خطة لتطوير وتحديث بناها التحتية بتكلفة إجمالية تصل إلى 39 مليار دولار، وهو ما سيبقي الشركة قوة اقتصادية وإنتاجية إقليميا ودوليا، خاصة أن الجزائر وقعت على اتفاق لتحويل الغاز النيجيري عبر النيجر إلى أوروبا وهذا عبر خط يتمد لحوالي 4 آلاف كلم، وسيمكن أوروبا من الاستفادة من حوالي 40 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، كما أن الأزمة الروسية الأوكرانية جعلت العالم ينظر للجزائر كواحدة من أهم روافد الأمن الطاقوي لأوروبا، خاصة أن روسيا تخطط لتحويل حوالي 50 مليار متر مكعب للصين من إجمالي 140 مليار متر مكعب التي تمون بها أوروبا والتي تصل لحدود 40 في المئة من حاجيات القارة العجوز وهو ما يجعل الجزائر الآن أمام فرصة تاريخية للتموقع في السوق الأوروبية التي وإن تخلت عن النفط بسبب اتفاقيات باريس الخاصة بالمحافظة على المناخ فإنها لن تتخلى عن الغاز الجزائري خاصة أن الجزائر تملك احتياطات تصل إلى 159 ترليون قدم مكعب وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية لسنة 2021 وحتى النفط فإن احتياطات الجزائر منه تبلغ 12.2 مليار برميل مع توقع عوائد قد تفوق 35 مليار دولار خلال السنة الجارية مما سينعش احتياطات الجزائر من العملة الصعبة.
○تشير تجارب الدول التي حققت نموا اقتصاديا معتبرا إلى الاعتماد على الصناعات الصغيرة والمتوسطة كقاعدة للانطلاق. الجزائر تمتلك حاليا وزارتين تعنى بالمؤسسات الناشئة، هل بدأتم تلاحظون ثمارا في الميدان؟
•للجزائر وزارتين منتدبتين لدى الوزير الأول كلفت إحداهما بالمؤسسات المصغرة والثانية بالشركات الناشئة واقتصاد المعرفة، أما بالنسبة للشركات المصغرة، فالوزارة تعمل منذ إنشائها على محاولة إعادة هيكلة الجانب المؤسساتي الساهر على تمويل ومرافقة الشباب خاصة أن الجزائر تقدم للشاب الجزائري حديث التخرج من الجامعة ومراكز التكوين تمويلا يصل إلى مليار سنتيم وهو ما يعادل حوالي 70 ألف دولار أمريكي مع إعفاءات جبائية تصل لثلاث سنوات، هذه الامتيازات للشباب تحتاج إلى أنظمة وقوانين ضابطة ومرافقة مستمرة وهو ما تحاول الوزارة المنتدبة العمل عليه لحد الآن، ولكن النتائج المحققة لم ترق بعد إلى المستوى المأمول، نفس الحال بالنسبة للوزارة المنتدبة المكلفة بالشركات الناشئة واقتصاد المعرفة والتي تعمل على بناء بيئة أعمال خاصة بالشركات الناشئة واستحداث هيئات دعم ومرافقة على غرار حاضنات ومسرعات الأعمال وصناديق التمويل المخاطرة. لكن الإشكالات المتوارثة من النظام القديم عطلت الوصول إلى إنشاء مليون ونصف مليون مؤسسة وهو العدد المطلوب لتطوير الاقتصاد الجزائري.