الخدعة انتصرت

حجم الخط
0

أبيرما غولاننُشرت في المدة الاخيرة، في مضاءلة ما، نتائج استطلاع هاتفي أُجري بين 500 اسرائيلي من متحدثي العبرية في شأن غور الاردن. يُبين استطلاع الرأي أن الاسرائيليين يفضلون أكثر من كل شيء أن يشغلوا أنفسهم بما يسكنونه أو ما يأكلونه وألا يشوشوا عليهم فوق المُراد بالواقع، وعلى ذلك يمكن أن يُباعوا بسهولة كل هوس شبه سياسي، وأن تروج بينهم أهواء مقطوعة عن كل صلة عملية أو أخلاقية.

لم يزر أكثر المستطلعة آراؤهم (نحو من 80 في المئة) غور الاردن في السنين العشر الاخيرة، لكن 64 في المئة منهم على ثقة بأنه تحت سيادة اسرائيلية. من يعلم؟ ربما يعتبرون الاحتلال صورة سيادة. وأجاب أكثر المستطلعة آراؤهم عن سؤال كم من اليهود وكم من العرب يسكنون الغور بأنه توجد هناك أكثرية يهودية مطلقة، وقال فريق منهم ان هناك أقلية من العرب، وقال 10 في المئة انه لا يوجد هناك عرب البتة. أما النسبة الحقيقية نحو 10 آلاف يهودي مقابل نحو 65 ألف عربي ـ فعرفها قليلون ولا سيما اولئك الذين وُلدوا قبل 1967. وهذا التقسيم ليس بحسب السن فقط، فهو يعتمد ايضا على التقسيم بين علمانيين ومتدينين، بحيث انه بين العلمانيين نسبة اولئك الذين يعلمون أن الحديث عن منطقة محتلة أكبر كثيرا كما كان متوقعا. ومن هنا استنتج مُجرو استطلاع الرأي أن تصور الحقائق يتأثر تأثرا كبيرا بالتصور العام.

يُبين استطلاع الرأي اذا أنه لما كان العلم بمكانة غور الاردن وصبغته مقطوع وأكثر الاسرائيليين حتى اولئك الذين يعتقدون أنه جزء من دولة اسرائيل أو انه من المهم أن يكون كذلك، لا يزورونه (ويمكن أن نفترض أن كثيرا منهم ولا سيما الشباب لا يكادون يعرفون أين يقع على الخريطة) فثمة فرق هائل بين الواقع في الغور وانعكاسه في الرأي العام.

هذا الفرق هو تجسد المادة التي صيغت منها الخدعة التي أخذت تضرب جذورها في الواقع الاسرائيلي. انها خدعة الاستيطان التي يبدو بحسب جميع العلامات أنها انتصرت على تصور الواقع الصهيوني وأسقطته.

الغور هو حالة اختبار واضحة. لم تكن فيه أكثرية عربية بارزة اليوم فقط. فحتى 1967 سكنه عشرات آلاف اللاجئين الذين هربوا و/ أو طُردوا من اسرائيل في 1948 وعدة عشرات آلاف من البدو. وفي الثامن من حزيران (يونيو) 1967 عندما احتلت اسرائيل الغور هرب أكثر اللاجئين ( أكثر من 100 ألف) من المخيمات التي سكنوها في الشرق. إن خطة ألون وابتداء الاستيطان العلماني ( الكيبوتسات والقرى الزراعية) في الغور حركاه الى قلب الاجماع الاسرائيلي لكنهما أبقياه خارج الدولة وهذه حقيقة. فكما كانت الحال في سيناء في السبعينيات، يمكن أن نسمع في الغور تعريف ‘ في اسرائيل’ جوابا عن سؤال: ‘ أين عملتَ من قبل؟’. هذه النغمة الناشزة مؤذية على نحو خاص إزاء حقيقة أن عشرات آلاف الفلسطينيين أصبحوا لاجئين مرتين وعاد فريق منهم الى الغور ويسكنه اليوم، وأنه لم تنجح أية حكومة برغم استثمارات ضخمة تبذيرية في جذب سكان الى هناك. يصعب أن نفهم كيف لا يتساءل اولئك الشباب الذين يلوون الحقائق بحسب رواية بنيامين نتنياهو الانفعالية والتي مؤداها أن ‘الغور ذخر استراتيجي والواجب علينا أن نهتم به من جميع النواحي ـ الأمنية والاقتصادية والاجتماعية وتطوير البنى التحتية في المنطقة’، كيف لا يتساءلون ألا يشكلون هم باعتبارهم مواطني الدولة أي ذخر؟ كيف يعللون حقيقة أن نتنياهو إذ كان وزير مالية اصلاحيا مقلصا، وزع على شباب مثلهم في الغور أجرة دراسة وأجرة سكن بالمجان، في حين كان يمكن أن يحلموا بذلك فقط في الخضيرة وكريات غات.

لا يوجد الجواب عن هذا السؤال في المجال السياسي (الداخلي والخارجي) بل في المجال الاجتماعي ـ الثقافي. إن خدعة الاستيطان تصور اسرائيل بأنها غيتو حصين، وتصور المناطق بأنها مناطق حاشية مشحونة بالعواطف اليهودية، وتصور الصراع السياسي بأنه صراع دامٍ أبدي مقطوع عن المكان والزمان وفيه ينكل الأغيار جميعا باليهود جميعا. انتصر هذا الخطاب كما قلنا آنفا على الصهيونية الواقعية، وإلا فكيف يمكن أن نفسر التأييد الشامل لتصريحات نتنياهو الجوفاء عن الغور أو عن أي ‘صخرة لوجودنا’ اخرى؟.

هآرتس 22/6/2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية