الخرطوم: عودة واسعة للسكان… وانتشار حمى الضنك

حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»: تشهد العاصمة السودانية الخرطوم موجة تفش متسارعة لمرض حمى الضنك، مع تسجيل حالات إصابة في نطاق واسع من الأحياء، خاصة في المناطق الجنوبية، في وقتٍ تتزايد فيه أعداد العائدين إلى المدينة بعد استعادتها بشكل كامل من قبل الجيش في مايو/ أيار الماضي.
وتزامن تفشي المرض مع ترد بيئي غير مسبوق، يتمثل في تراكم النفايات، وغياب حملات رش البعوض، وركود المياه في المصارف، ما ساهم في انتشار كثيف للبعوض الناقل للعدوى، وفقاً لشهادات مواطنين وتقارير محلية.
وعقب سيطرة القوات المسلحة على الخرطوم بعد عامين من الحرب الطاحنة، بدأ ملايين النازحين في العودة إلى منازلهم المتضررة أو المدمرة، إلا أن غياب الخدمات الأساسية، والانهيار شبه الكامل للقطاع الصحي، أعاق قدرة السكان على التصدي لتفشي الأمراض.
في حي الامتداد جنوب العاصمة، قالت نمارق أحمد، وهي أم لثلاثة أطفال، لـ« القدس العربي»: «إنها عادت مع أسرتها قبل شهر فقط بعد أن شتتتهم الحرب بين الداخل والخارج».
وأضافت: «عدنا مرهقين من النزوح، رممنا المنزل واشترينا وحدات طاقة شمسية بمبالغ باهظة، لكننا فوجئنا بالوضع البيئي الكارثي. لا توجد حملات رش، والمصارف مغلقة، والبعوض في كل مكان».
وأشارت إلى أن خمسة من أفراد عائلتها، بينهم والدتها وشقيقاها، أصيبوا بحمى الضنك: «يعانون من حمى شديدة، لا يستطيعون تناول الطعام، المستشفيات غير مهيأة، والمحاليل الطبية شحيحة ومكلفة. نخشى أن يلتقطوا أمراضاً أخرى داخل المستشفى. نحن لسنا وحدنا، لدينا أقارب في أمدرمان مصابون أيضاً، وكذلك الجيران ولكن الأدوية متوفرة في أمدرمان، غرب العاصمة على الأقل».
وفي حي جبرة جنوب الخرطوم، تحدّث أبو بكر إسماعيل لـ« القدس العربي» عن إصابة أسرته بالكامل بحمى الضنك، مشيراً إلى أن الحصول على العلاج والناموسيات بات صعباً للغاية.

سكان يروون لـ«القدس العربي» عن أوضاعهم الصعبة

وقال: «نعيش وسط بيئة موبوءة، ولا توجد صيدليات كافية، والمنطقة ما زالت تتعافى من آثار الحرب. مع عودة السكان بكثافة، يتفشى المرض بشكل متسارع».
مع حلول فصل الخريف، وغياب الإجراءات الوقائية المعتادة مثل حملات الرش وتنظيف المصارف، تكاثرت أعداد البعوض بشكل غير مسبوق.
ووفقاً لمصادر طبية، فإن المرض ينتشر حالياً في أحياء عديدة جنوب الخرطوم، منها الامتداد والعشرة وجبرة ومايو والصحافة والأزهري، ويؤكد أطباء أن غالبية الإصابات سجلت بين العائدين حديثاً من مناطق النزوح.
ورغم أن بعض المستشفيات تقدم خدمات للمصابين، إلا أن طاقتها الاستيعابية محدودة، والإمدادات الطبية شحيحة، ما يجعل كثيراً من المرضى يضطرون لتلقي العلاج في المنازل أو اللجوء للطب الشعبي.
وبدأت الحكومة السودانية في تنفيذ حملات رش لمكافحة البعوض، إلا أن المواطنين يرون أن هذه الحملات جاءت متأخرة وغير كافية بالنظر إلى حجم انتشار المرض.
ويقول سكان محليون إن الرش لم يشمل معظم الأحياء الموبوءة، ولا توجد خطة واضحة لتكثيف الجهود بالتوازي مع ازدياد الحالات.
وفي ظل هذا الوضع، تتصاعد التحذيرات من أن يتحول تفشي حمى الضنك إلى كارثة صحية في حال لم يتم التدخل السريع من الجهات الصحية والمنظمات الإنسانية، خصوصاً مع غياب شبكة رصد وبائي فعالة أو حملات توعية شاملة.
ويطالب السكان والعاملون في الحقل الصحي الحكومة السودانية ووزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية، بالتدخل العاجل عبر إطلاق حملات رش موسعة ومستدامة في جميع الأحياء الموبوءة وتوفير ناموسيات وأدوية مجانية للمصابين في المناطق الفقيرة، وذلك وسط مناشدات لتأهيل المراكز الصحية لتقديم الرعاية الفعالة وإطلاق حملة توعية مجتمعية لتثقيف السكان حول الوقاية وطرق التعامل مع المرض غير المألوف لسكان الخرطوم.
وفي ظل تعافي العاصمة البطيء من آثار الحرب، تمثل حمى الضنك اختباراً جديداً لقدرة السلطات على حماية السكان من الكوارث الصحية، بينما يتزايد القلق من اتساع رقعة الإصابة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية