الخروج نحو السياسي: كيف يمكن فهم ثقافتنا الدينية المعاصرة؟

تعود نظرية «الخروج من الدين» إلى المفكر الفرنسي مارسيل غوشيه، في بحوثه حول المجال الديني، وعلاقته بالتحديث والحيز العام. يرى غوشيه أن سؤال الإيمان ليس السؤال الأساسي في الدين، أي دين كان، وإنما سؤال الموقع الاجتماعي، الذي يحدد دور الدين في تنظيم حياة البشر وعلاقاتهم الاجتماعية، ما يجعل «الدين» شكلاً من أشكال القوة المؤسِّسة للنظام الاجتماعي، وأحد أهم البنى الرمزية، التي تؤطر تفكير البشر وسلوكهم، خاصة في المجتمعات التقليدية قبل الحديثة. يؤكد غوشيه، في تعريفه لتلك المجتمعات، أن الدين كان طريقة وجود، تشمل المعتقد الديني التنظيم الاجتماعي، عبر الاعتقاد بالآخر فوق الطبيعي (الإله) الذي يمنحنا القانون المشترك، دون تدخل منّا، أو اعتبار لآرائنا الخاصة. ويرى أن هذا النمط من الدين ولّى دون رجعة، فالدين، عقب التحديث، لم يعد العامل الأساسي في التنظيم الاجتماعي، فقد نشأ الحيز السياسي المستقل، بعد علمنة السيادة، والمبادئ والأساطير الدينية، وفي هذا الحيز ليس الدين، إلا وجهة نظر، تتساوى مع بقية المنظورات غير الدينية.

لا يرى المفكر الفرنسي أن الناس في العصور الوسطى كانوا أكثر إيماناً من البشر المعاصرين، ما اختلف هو طبيعة السيادة والتنظيم الاجتماعي. وقد يظن البعض أن الدين عاد، مع صعود ظواهر متطرفة أو أصولية، ولكن في الواقع لا يمكن للدين أن يعود، بوصفه الناظم الأساسي للحياة، وإنما ما «يعود» هو الهوية، أو النزعات الراديكالية، أو الدعوات الشعبوية، في إطار الحيز السياسي الحديث، متصارع القيم، وليس في إطار «الدين»، بوصفه تنظيما للحياة في إطار العلاقة مع الآخر المتعالي، الذي يعطي لكل شيء في عالمنا اسمه ومكانته وجوهره. لقد خرج العالم من الدين، ولن يعود. تبدو هذه النظرية متعارضة مع كثير من الدراسات الحديثة حول الدين والظاهرة الإيمانية، ولكنها ليست كذلك بالفعل، الاختلاف يكمن في الموضوع، والحقل البحثي، فهي تدرس الدين من زاوية علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتاريخ والنظرية السياسية، وبالتالي فأسئلتها مختلفة، وربما كانت تلك الأسئلة هي أكثر ما يعنينا في أي تفكير حول «الدين» في منطقتنا، إذ نكاد لا نجد له وجوداً خارج حقل السيادة السياسية والنظام الاجتماعي، الذي تعمّق به غوشيه، الأمر الذي قد يؤكد أننا بدورنا «خرجنا من الدين»، وليس فقط المجتمعات الغربية. وبالفعل، فإن معظم الجدالات والدراسات حول «الإسلام»، تتمحور اليوم حول علاقته بالدولة، والديمقراطية، والصراع مع الغرب، والبنى الاجتماعية، والحيز العام. لدرجة أن سؤال الروحانيات، أو التعالي، أو الإيتك (الفلسفة الأخلاقية) يتقزّم بشدة في الإسلام المعاصر، وسط تسييس مفرط لكل ما هو إسلامي.

من جانب آخر، يؤكد غوشيه أن الدين، في المجتمعات الديمقراطية المعاصرة، وبعد عقود من محاولات بناء مجال التجانس عبر مفاهيم «الأمة» والوطنية والطبقة، باتت أكثر ارتباطاً بـ»الاعتراف»، أي أن كل مجموعة هوية، تحاول نيل اعتراف مؤسساتي بوجودها وخصوصيتها، ضمن الإطار السياسي الدنيوي. هذا الاعتراف، الذي تمنحه الدولة في نهاية المطاف، يجعل من التعالي الديني القديم أكثر تعذراً، مهما استند إلى رموز ومظاهر هوياتية، فلا تعالي إلا للمؤسسات الدنيوية، صاحبة السيادة، التي تمنح الشرعية، بما في ذلك شرعية الأديان، عبر الاعتراف الرسمي بها وبممارساتها. في هذا الشرط، يصبح الاعتراف بهوية الآخر، شرطاً للاعتراف بالهوية الذاتية، ضمن حيّز عام يقوم على الحوار، والنزاع أحياناً، لكن المنضبط تحت سيادة الدولة. إلا أن هذا الشرط التواصلي، الذي يؤمّن الحد الأدنى من الاعتراف، غير متوفّر في كثير من بلدان العالم الثالث، خاصة في البلدان ذات الأغلبية المسلمة.
في هذه البلدان، تحاول الأطراف الهوياتية المتنازعة، فرض سيادتها الكاملة، التي تصل إلى حد الإلغاء، وأحياناً الإبادة، على كل الآخرين، بما في ذلك التدخّل في الحضور الجسدي للمختلف، أي محاولة ضبط أنماط حياته، وأداءاته الاجتماعية، وملبسه ومشربه وسلوكه. وهذا يبدو أقرب لنزال عنيف ودموي حول السياسات الحيوية، المرتبطة بالسلطة الحديثة، أي إدارة وضبط الشؤون الجسدية للأفراد والمجتمعات، بما في ذلك الولادة والوفاة والتكاثر والجنسانية والأدوار الجندرية ومستوى الحياة.
مجدداً لن نجد «الإسلام» المعاصر خارج السيادة، والسيطرة على جهاز الدولة، والحيز العام، والسياسات الحيوية، ومنح الاعتراف (المشروط بسيادة «الإسلام») أو نزعه. دون القدرة على توطيد علاقة جوهرية بالمتعالي، تؤسس لنظام اجتماعي، قادر على الاستمرار دون تدخّل أجهزة دول أو أشباه دول، أو حتى أجسام عسكرية/سياسية حديثة مثل الميليشيات. وهذا أقرب لحالة «خروج» كامل من «الدين». وكلما تديّن الناس، ازدادوا سلطةً وهيمنةً، أو شعروا بمزيد من الأحقيّة في نيل السيادة. ما يجعل الدين والمجتمع والسياسة في أزمة كبرى، ويدخلنا في صراعات صفرية، وحروب وجود وبقاء. هل يمكن إيقاف هذا؟ ومَنْ يجب أن يخشى على «الإسلام» وسط كل «الخروج من الدين» هذا؟

سؤال بلا معنى

سؤال «ما الإسلام؟»، الذي تكرر بحثياً بشدة في العقود الماضية، بدأ يفقد جانباً كبيراً من أهميته، بعد الأحداث المأساوية التي تشهدها المنطقة. أياً كانت حقيقة «الإسلام»، فإنها لن تفيد كثيراً، ما دام كثير من المشاركين في النزاعات المسلّحة، والحروب الأهلية، وجرائم الإبادة، يؤمنون بأن ما يقومون به جانب من الإسلام؛ وما دامت المجتمعات المسلمة عاجزة عن ضبط أنظمتها السياسية والقانونية والتعليمية، بما يمنع تكرار مآسٍ شبيهة بالإبادة الإيزيدية، التي مرّت، دون أن تثير أزمة ضمير واسعة في تلك المجتمعات؛ وتتكرر اليوم، وسط نوع من اللامبالاة الأخلاقية، بل تحظى بالتأييد السياسي، الذي يبدو كبيراً، رغم عدم القدرة على قياسه بدقّة.
حالياً، يميل عدد من المتداخلين في الحيز العام إلى نقد «الإسلام»، أو الدفاع عنه، بناءً على تصوّر تاريخي متكامل حوله، يمتد دون انقطاع، منذ نشأته وحتى عصرنا الراهن، وكأن «الإسلام» ينبثق من جذر معيّن، ثم ينمو ويتفرّع إلى فروع متعددة، بالتفاعل مع ظروف البيئات المحيطة به. وبالتالي علينا تتبّع الجذر، والتفرّعات السابقة، والتغيّرات البيئيّة، كي نفهم الفروع التي نراها اليوم. هذا المنظور قد يؤدي لصعوبات كبيرة، فكيف نفهم السياسيّة المفرطة، وشديدة الحداثة، للإسلام المعاصر، بالعودة إلى نصوص وأفكار وإشكاليات وتحولات اجتماعية، تعود إلى قرون خلت، وتنمو فوق ذلك من جذر واحد؟ وكيف سنحلل بهذا الأسلوب مقولات أساسية في الإسلام اليوم، مثل «الأمة» و»الدولة» و»الهوية» و»الشريعة»؟
ربما يقدّم مفهوم «الخروج من الدين» منظوراً أفضل، فإذا نظرنا إلى الإسلام المعاصر بوصفه صراعاً على السيادة، ضمن مجال سياسي منفصل عن التعالي الديني، فسيغدو لجميع المقولات السابقة معنىً أكثر وضوحاً، وأكثر قابلية للتتبّع، فـ»الأمة» اليوم ليست بالمعنى الديني واللغوي القديم، أي جماعة من البشر قائمة على روابط العقيدة، أو النسب أو التقليد، بل أقرب لمفهوم الأمة القومية الحديثة، التي تعطي لنفسها حق السيادة على أراضٍ وكتل سكانية محددة، وفرض شكل من التجانس عليها؛ أما «الدولة» فليست الدولة القديمة، التي «تدول» وتتغيّر بتغيّر المتغلّب، دون أن يؤثّر هذا جذرياً على المجتمع، بل الدولة التدخلّية الحديثة، التي تُحصي وتضبط وتحتكر وتراقب وتخطط، وتُشكِّل الذوات والأجساد، والتي تدير الدين نفسه، وتحدد نسخه المعيارية؛ بالنسبة لـ»الهوية»، فهي لم تكن تعبيراً شائعاً في العقيدة والفقه الإسلامي أصلاً، فيما صارت اليوم، بمعناها السياسي الحديث، أحد أهم «أركان الإسلام» إن صح التعبير؛ وأخيراً فإن «الشريعة» فقدت معناها القديم، أي كونها منظومة غير مركزية من الاجتهادات والفتاوى، المرتبطة بخصوصية المجتمعات، والعرف والتقليد، لتصبح صراعاً على المدوّنة القانونية الموحّدة، التي تحددها الدولة، ومصدراً دستورياً للتشريع.
سنجد في «الإسلام المعاصر» كثيراً من القومية الحديثة، والتحرر الوطني، والصراع ضد الإمبريالية (ولكن بأسماء مختلفة للعدو)، وسياسات الهوية. ونزعات أيديولوجية، يسارية ويمنيّة وفاشيّة. ولا ندري إن كان الأصح القول إن «الإسلام» قد أسلم تلك الأيديولوجيات؛ أما أنها هي من علمن الإسلام، لتجعله عقائد فعّالة في الصراع السياسي. ولكن في كل الأحوال، فإن نموذج الجذر والفروع، الأقرب لشجرة، في فهم الظاهرة الإسلامية المعاصرة، عاجز عن التفسير في مواضع عديدة، وربما الأجدى التفكير بنموذج «جذموري» Rhizom، حسب تعبير الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز (الجذمور مجموعة نباتية تنمو بشكل أفقي، دون جذر مركزي، وقابلة للتفرّع من أي نقطة، وفي كل الاتجاهات). فقد نما الإسلام المعاصر في كل اتجاه، وبالتفاعل والاندماج مع مختلف العوامل والأيديولوجيات والقوى، دون ناظم مركزي محدد، وباختلاط عناصر ورموز تراثيّة وحديثة، في إطار الصراع الطاحن على السيادة، والهيمنة على المجال السياسي. هل هذه «الجذمورية» أمر أصيل في الإسلام عبر تاريخه، وأحد خصائصه الأساسية؟ سؤال كهذا أكبر من الإجابة عليه هنا، توجد أسئلة أكثر عملّية.

مَنْ المتضرّر؟

المتضرّر الأكبر هو المجتمعات الإسلامية المعاصرة، على الصعيد الأخلاقي والفكري والسياسي والحيوي. فعندما يصبح الدين ناظماً سياسياً للمجتمع والحيز العام، ومتعلقاً بالدولة والصراع على سلطاتها، ويفقد في الوقت نفسه علاقته بالتعالي الديني، فإن المجتمعات ستتعرّض لمزيج من الإفقار الثقافي والروحي، والعنف الفيزيائي والأيديولوجي المفرط. كل شيء في تلك المجتمعات يتمحور حول «الإسلام»، الذي لا يستطيع أحد تحديده بالضبط، ولكن يتعرّض كثيرون بسببه للمنع، والإقصاء، والإلغاء، والرقابة، وأحياناً الإبادة. ملايين من البشر يتحرّكون ويتصارعون ضمن شبكات «إسلامية»، ورغم ذلك لا تقدّم تلك الشبكات قيماً، أو معايير أو مشتركات واضحة، وتفرّق أكثر مما تجمع. ورغم «الدين المفرط»، لا نجد كثيراً من الأخلاقيات والروحانيات، لدى شعوب من المفترض أنها «متديّنة بطبعها».
قد يكون من المتحامل القول، إن الممارسات الدموية المعاصرة، التي يصحّ وصفها بالهمجيّة، مُنتج للمجتمعات المسلمة، الأصح أنها نتيجة الاضمحلال والدمار الذي أصابها، على جميع الصعد، عقب صراعات تاريخية وسياسية شرسة، بأبعاد دولية، أدت إلى تدمير كثير من مؤسسات وبنى التحضّر فيها، ما يجعل «الخروج من الدين»، على المستوى الإسلامي، أقرب لمأساة تاريخية، منه إلى طريقة للتحديث. ولكن هل هذا يعني ضرورة «العودة إلى الدين»؟
هذا مطلب مستحيل غالباً، إذ لم يعد من الممكن الرجوع إلى مجتمعات الدين التقليدية، كما عرّفها مارسيل غوشيه، بعلاقتها مع المتعالي، وتثبيتها للمعاني والأدوار الاجتماعية، وربما الأجدى أن يفكّر المتديّنون بالذهاب إلى «دين» أقرب للمعنى الحديث لنظام الدين، أي منظومة تقوم أساساً على تحديد معنى الإيمان والتعالي الروحي، دون الانشغال بسؤال السيادة، وبالارتباط أكثر بالفلسفة الأخلاقية. لا يمكن بالطبع الاعتماد على الدوافع الذاتية للمتديّنين، حتى لو كان الإصلاح الديني لمصلحتهم ومصلحة مجتمعاتهم، فالتديّن يمنحهم سيادة، يصعب التنازل عنها طوعاً؛ ولذلك الأجدى ربما مواجهة تلك السيادة من قبل غير المتدينين، وأبناء الأديان الأخرى، مع توضيح طبيعة الصراع: «الإسلام» شأن المتدينين وحدهم، أما السيادة فشأن سياسي واجتماعي عمومي، ولا يمكن القبول بامتياز المتديّنين، أو تسلّطهم غير المنضبط على حياة غيرهم؛ كما لا يمكن القبول باستعمال الدين لغرض الهيمنة والقمع، من قبل الحكومات والقوى السياسية والميليشياوية المختلفة؛ ولا بد من تفكيك مفاهيم «الأمة» التي قامت على أساس سيادة وامتياز «الإسلام»، والتركيز على حرية الضمير والمعتقد، والمساواة أمام القانون، حتى لو أطاحت بـ»بالأمة».
الإصلاح الديني شأن المتدينين، ولكنه لن يتم إلا تحت ضغط غيرهم. هذه ورطة تاريخية، ربما لا نخرج منها سالمين، وسط منطقة تقلّ فيها قابلية استمرار الحياة، وتشهد نزعاً متسارعا للتحضّر. بكل الأحوال، لن يسعَد المسلمون وغيرهم، إذا بات من الصعب التمييز بين المتديّن والمجرم، أو عنصر فرق الموت الميليشياوية؛ والشيخ والمستبد السياسي، أو أمير الحرب. التحرّك بسرعة لفصل الإسلام عن صراعات الهوية والأيديولوجيا ضرورة للبقاء، بقاء المجتمعات المسلمة قبل غيرها.

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية