الخصخصة كبديل للفيدرالية

حجم الخط
0

الصراع الفكري حول الفيدرالية من عدمها، برمته هو صراع إقتصادي بالدرجة الأولى بسبب ندرة الموارد والرغبات الإنسانية المتعددة وهذا الصراع قائم منذ الأزل وسيستمر طالما إستمرت المجتمعات البشرية في كل مكان، هذه المعضلة يعرفها طلاب الإقتصاد في المرحلة التمهيدية جيدا فهي لسوء الحظ لا حلول قاطعة لها حتى في ظل الفيدرالية سيعاني الإنسان من الغبن طالما أن إحتياجاته ورغباته (الأماني) تفوق الإمكانيات المتاحة (الميزانية). فالمشكلة إذن هي مشكلة إفتقار للموارد (إمكانيات) أولا ثم مشكلة توزيع الموارد المتاحة (مشكلة إدارية) ثانيا. فالسبب الجوهري في هذا التجاذب ( فيدرالية / مركزية / لامركزية / محافظة / إقليم /….. إلخ ) هو الصراع على الخدمات وتمادي المواطن في إعتماده على الدولة في كافة الخدمات، إبتداءا من تصريف مجاريه والتخلص من نفاياته إلى تعليمه والسهر على صحته وإغداقه بالمنح المالية ودعمه سلعيا كل ذلك بلا مقابل محسوس يتناسب مع ذاك الثمن، فكل هذه المزايا لا توجد في دول الجوار ولم يعرفوها. والسبب الآخر هو التوسع في خلق كيانات وزارية دون مبررات مقنعة لدرجة جعل للمواصلات وزارة وللإتصالات وزارة سعيا وراء خلق مناصب، تأسيس عدد 24 وزارة، ورغم ذلك يتواصل الإنقطاع الكهربي وحيرة أمام تكدس النفايات وإنفلات أمني، بلا إنجاز حتى قصير الأمد وملحوظ، حتى أصبحت هذه الوزارات عبئا ثقيلا آخر على ميزانية المجتمع وجب علاجه، وهذا يتطلب إجراء تقليص ودمج وإلغاء كثير من هذه الوزارات.

المسافات الكيلومترية بين المواطن وبين المسؤول متخذ القرار لا تعني شيء إذا خلصت النية، خصوصا بعد الثورة التكنولوجية الهائلة التي جعلت من العالم مجرد قرية متناهية الصغر إستطاع على متنها إنسان العالم الراقي إستغلالها لإنجاز كل شيء من عقر بيته دون حاجته للركض خلف مسؤول ولا تقديم طقوس الذلة الإستجدائية له. أما إذا أسودت وساءت النوايا، فحتى وإن كنت قبالة المسؤول متكئاً على أطراف مكتبه أو وضعوا الشمس على يمينك والعاصمة على يسارك وإجتمع الجن والإنس على أن تنال تلك الخدمة فلن تنالها وإن بلغت الجبال طولا. فقد يعاني مواطن برسس من مركزية الكويفية مثلا. لذا على الدولة التوسع الحثيث في برامج الخصخصة المدروسة والمنضبطة برقابة من الدولة كما هو مطبق في كافة دول العالم، حتى تخفف الدولة من العبء المالي أولا ومن العبء السياسي من على عاتقها، حتى تكون أغلب خدمات المواطن بيد القطاع الخاص وتنتفي بذلك حجج وإتهامات إحتكار الخدمات وتمركزها في بقعة دون أخرى وسحب البساط من تحت أقدام العابثون بالتراب، أما سياسة التقاعس الموروثة من النظام الساقط السابق فهي كانت ممنهجة لتكريس عبودية المواطن وذلته وخنوعه ليعيش دائما ذليلا أمام فتات عطايا وهبات ومنح الدولة الإزدرائية وصدقات وإبتزازات المسؤولين وتفشي الفساد الإداري كالوساطة والرشاوي وبيع الذمم. أما حصة المواطن من الثروة النفطية فهي حق شرعي مكتسب يجب أن تنعكس مباشرة في شكل وجودة الخدمات العامة الإستراتيجية، وتحسين نظام المرتبات، وخلق فرص عمل منتجة سلعياً. هذا لا يعني التنصل التام للدولة من كل شيء، بل يجب إحتفاظها برعاية الخدمات ذات الطابع الإنساني كالتعليم والصحة وحمايتها من أي إبتزازات أو مضاربات والرفع من مستويات جودتها ورفاهيتها.

محمد يونس موسى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية