الخصوصية التونسية في ثورات الربيع العربي تجنح في الجولة الأولى نحو أكاديمي طوباوي ورجل أعمال

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

أكملت تونس جولة انتخابية ناجحة في مسيرتها نحو التحول في النظام السياسي واستكمال استحقاقات ثورة الياسمين 2010-2011 وشهدت الجولة الأولى التي عقدت في 15 أيلول (سبتمبر) مشاركة واسعة من الأحزاب التقليدية والمرشحين غير التقليديين والأسماء التي لم يسمع بها التونسيون في السابق إلا ربما عبر التعليق على التلفاز أو لمجرد ملكية أحدهم شبكة تلفازية.

 والمفارقة أن الانتخابات التي عجل في تنظيمها وفاة الرئيس الباجي قايد السبسي، الشخص الذي لعب دورا في الحفاظ على عملية التحول التونسي من الديكتاتورية والدولة القمعية إلى بلد متعدد الأحزاب وتحفظ فيه حرية الرأي، استكملت جولتها الأولى ليعلن عن وفاة الرئيس التونسي زين العابدين بن علي في منفاه في السعودية والتي خرج منها بعد الثورة. وزين العابدين هو الرئيس الثاني الذي عرفته تونس على مدى نصف قرن أو يزيد منذ الاستقلال. وبعد رحيله قادت مجموعة من ضحايا نظامه والمعارضون له في الداخل والخارج وبقايا من مؤسساته دفة الحكم، إلا أن المهمة كانت أكبر من الحكام الجدد وستظل عصية على الحاكم القادم ومن هنا كانت نتيجة الجولة الأولى تعبيرا عن إحباط الشارع التونسي بالنخبة الجديدة أو التي خرجت من ركام النظام السابق، فالتحديات كبيرة والديمقراطية هشة وحزمة الإصلاحات التي أشرف عليها يوسف الشاهد، رئيس الوزراء السابق والخاسر الأكبر في الجولة الأولى، أرهقت كاهل التونسيين وقادت لتظاهرات من جماعات الشغل وبقية منظمات المجتمع المدني.

ومهما كانت النتيجة الحالية فإنها تظل تعبيرا عن خصوصية التجربة التونسية من بين انتفاضات الربيع العربي. وقد يكون من نافل القول ترديد ما يقال عادة في هذا السياق من أن تونس حافظت على كينونتها الداخلية وقاومت التدخلات الخارجية التي أطاحت بمنظومة دول عربية قوية وقادتها للهاوية أو حولتها إلى دول تابعة وهمشت دورها رغم قوتها البشرية والاقتصادية ورياديتها في الأفكار وصناعة الصور، ونقصد هنا مصر التي استبدلت نظاما قمعيا بنظام تفنن في القتل وكتم حرية الرأي وتأكيد صورة الفرد والفرد وحده.

لكل هذا جاءت النتائج الأخيرة والتي أعلنت عنها لجنة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بعد أيام من فرز الأصوات لتؤكد ما قالته مؤسسات لاستطلاع الرأي عن تقدم مرشحين أحدهما سجين بتهم التهرب الضريبي وتبييض الأموال، أطلقت عليه الصحافة الغربية اسم برلسكوني تونس، لأنه رجل أعمال ويملك شبكة تلفزيونية يروج من خلالها لأعماله الخيرية. والثاني لم يكن معروفا إلا في أطر الجامعة التي يدرس فيها كأستاذ للقانون ويعرف هذا بروبوكوب أو الروبوت، نظرا لطريقته المتقطعة في الكلام وتحذلقه واستخدامه العربية الفصحى في خطابه. وكل من قيس سعيد ونبيل القروي مرشحان من خارج المؤسسات الحزبية أو قوى السلطة والمال والأمن في الدولة.

أسباب

واستطاعا التقدم لعدد من العوامل، منها محاولة الناخب التونسي معاقبة النخبة الحاكمة إما بالبحث عن وجوه جديدة غير التي انتجتها ثورة الياسمين أو بعدم المشاركة أساسا، فنسبة الناخبين لم تتجاوز عن 45 في المئة في الجولة الأولى، وهي أقل بنسبة 18 في المئة عن آخر جولة انتخابية رئاسية عام 2014. وقد تزداد المشاركة في الجولة الثانية التي ستعقد في 12 تشرين الأول (أكتوبر) وعندها قد تنتخب تونس مرشحا سجينا يضع تحديات على المؤسسة الدستورية بسبب التحقيق الجنائي فيه أو رئيسا غير مجرب لا يعرف عن أفكاره ومواقفه الكثير. وبهذا خرج مرشح حزب النهضة عبد الفتاح مورو الذي لم يحصل إلا نسبة أعلى قليلا من 12 في المئة وكأن “العصفور النادر” الذي تحدث عنه زعيم النهضة الشيخ راشد الغنوشي وأنتج منافسة أطلق عليها التونسيون بسخرية بين “الأب الروحي” و “تيرمينيتر”.

وترى مجلة “إيكونوميست” (16/9/2019) أنه يمكن فهم جاذبية القروي، فالاقتصاد التونسي في حالة يرثى لها وخسر الدينار التونسي نصف قيمته منذ الثورة وظل النمو الاقتصادي فاترا مع أنه ارتفع العام الماضي بنسبة 2.6 في المئة ولم تتغير في الوقت نسبة البطالة التي ظلت 15 في المئة فيما أضرت الهجمات الإرهابية بالسياحة. يضاف إلى كل هذا الإصلاحات التي طالب بها صندوق النقد الدولي لتخفيض العجز بالميزانية وأدت لزيادة الضريبة. ولهذا وعد القروي الاستثمار بالتعليم وتوفير المياه الصحية والخدمات الأساسية الأخرى للفقراء. وأضافت تهم التهرب الضريبي وتبييض الأموال إلى سمعته كشخص من خارج المؤسسة. ويقول إن الاتهامات الموجهة إليه تحمل دوافع سياسية. وله الحق في الترشح طالما لم يصدر ضد حكم قضائي.

 الفائز الغامض

وإذا كنا قادرين على تفسير جاذبية القروي، فمن الصعب فهم صعود شعبية قيس سعيد، فهو معروف بخطاباته الرنانة التي يلقيها بالعربية الفصحى ولا يدعمه حزب سياسي. وقد حول هذا إلى منفعة له وأدار حملة انتخابية لم ينفق عليها الكثير واعتمد على عدد قليل من المتطوعين وسافر إلى تجمعاته الانتخابية بالمواصلات العامة التي لم يطلق فيها وعودا كبيرة. وكل ما قاله إنه سيحاول إصلاح العيوب في الديمقراطية التونسية الشابة. ووعد سعيد بإصلاح البينية البرلمانية ومنح الفرصة للمسؤولين المحليين تعيين نواب. وترى المجلة أن نتائج الجولة الأولى هي تعبير عن رفض الوضع القائم، وجاءت بسبب تعدد مرشحي الأحزاب التقليدية التي لم يكن الناخب التونسي قادرا على التفريق بينهم. وحصد كل من القروي وسعيد على صوت من بين ستة أصوات أمام بقية الناخبين فقد جلسوا في بيوتهم. ولاحظت المجلة أن السياسة التونسية عادة ما تميزت بالتنافس بين العلمانيين والإسلاميين، لكنها اختفت في هذه الانتخابات، بل وحاول المرشح الإسلامي مورو إبعاد نفسه قدر الإمكان عن حزبه النهضة. وبهذا اتبعت الانتخابات الأخيرة مسار الديمقراطيات الأخرى حول العالم، بين الشعبويين والراديكاليين الذين يقدمون أنفسهم كبديل عن النخبة التي لم تعد تحظى بشعبية الناخب. ومن هنا فالاختيار بين شخصين غير معروفين بالخبرة السياسية وببرامج غامضة ووعود قد يؤدي إلى تقسيم الناخب التونسي بين الفقراء الذين سيصوتون للقروي فيما ستدفع الطبقة المتعلمة ناخبيها لدعم سعيد، ولا يهم في هذا السياق إن كان أي منهما قادر على معالجة مشاكل البلاد أم لا.

يأس

ولعل ما تكشف عنه النتائج هو يأس الناخب التونسي من التغيير. وتساءل الكثيرون ممن التقى بهم بن هبارد، مراسل صحيفة “نيويورك تايمز”(15/9/2019) عن معنى الديمقراطية ومتى سينتفعون منها. وقال أحدهم “لقد تحولت الأمور إلى الأسوأ – المزيد من الديون والمزيد من الجريمة.. فكيف تنفعنا الحرية إن لم تكن هناك وظائف؟”. ولعل الشعور بالخيبة هو ما دفع الشباب التونسي للتصويت إلى وجهين غير معروفين وبالتحديد سعيد. ففي تقرير نشره موقع “ميدل إيست آي” (18/9/2019) جاء فيه إن الثورة وعدم التقدم وشعور بخيبة الآمل هي من منع الشباب التوجه إلى مراكز الاقتراع. وقال أحدهم “لن أذهب للتصويت. لقد كانت الثورة التونسية هي أكبر خطأ في التاريخ”. فيما قرر آخرون البحث عن وجه جديد مثل سعيد لأنه “نظيف، ومستقل ومحل ثقة.. ونحن بحاجة إلى من يكون أسمى من سياسات الأحزاب”. وجاءت نسبة الناخبين لسعيد من فئة الشباب، فحسب استطلاع أجرته مؤسسة “سيغما كونساي” صوتت نسبة 37 في المئة من المقترعين في الفئة العمرية 18 – 25 و 20.3 في المئة من المقترعين في الفئة العمرية 25 – 45  لسعيد، بينما فضل الأكبر سنا القروي.

 ويبدو أن طوباوية سعيد الفكرية إن لم تكن غموضها، هي التي دفعت الشباب لرؤيته بديلا عن الوجوه التي لم تستطع محاربة الفساد “فهو جديد على السياسة وأستاذ قانون ذو خبرة ولديه قيم تقليدية”. ومهما كان الحال، فصعود سعيد والقروي يمثل بالضرورة تغيرا في المسار السياسي لتونس، مما يعني أن غموض المرشح وغياب برنامجه التفصيلي يمنحه الفرصة لأن يأتي في قمة قوائم الفائزين، ولمجرد رغبة الناخبين بعقاب النخب التقليدية، علمانية كانت أم إسلامية. وهو ما يذكرنا بتجارب انتخابية أخرى جلبت شعبويين ويمنيين إلى الحكم كما في البرازيل وما كشفت عنه انتخابات البرلمان الأوروبي التي أدت لفوز حزب جديد بدون برنامج ولا قاعدة في معظم المقاعد المخصصة لبريطانيا، والسبب هو معاقبة الأحزاب التقليدية التي فشلت في حل معضلة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وفي السياسة لا تكفي صورة الرجل النظيف لكي تفي بتوقعات ناخبين يتطلعون للأحسن، وسيجد سعيد إن انتخب صعوبة في تحقيق ثورته الديمقراطية وتأكيد محافظة المجتمع التونسي وحماية تقاليده من الأطراف الخارجية التي تمول جماعات في الداخل لتشويه نسيجه الاجتماعي، لأن ساكن قصر قرطاج في العاصمة التونسية مجرد رمز للدولة ولا سلطة تنفيذية واسعة له. وكما هو الحال مع المرشح الطوباوي الحالم والحامل لأفكار جديدة سيجد نفسه في صدام مع الواقع ويكتشف أن هناك فرق بين الحلم والحقيقة، وأن هناك معارضة لأفكاره.

استثنائية

ومهما كان الحال، فستظل تونس استثنائية في ثورات الربيع العربي، فعادة ما تجترح المستحيل وسط عالم عربي تحكمه الديكتاتوريات وتدمر البلاد بدلا من التخلي عن السلطة. وكانت خصوصية تونس واضحة في المناظرات التلفزيونية التي جرت على مدى أيام قبل الانتخابات وعندما انتهت الحملات الانتخابات ليلة الجمعة بتجمعات صاخبة في أنحاء العاصمة.

ووصف بن هبارد مراسل “نيويورك تايمز” المشهد “عزفت الموسيقى ولمعت الأنوار من ثلاثة مسارح في شارع الحبيب بورقيبة وهو شارع مليء بالأشجار والمقاهي. وغنى أحد الفنانين وعزف قيثارته لمشجعي أكثر المرشحين يسارية بينما تظاهر مؤيدو النهضة يلوحون بأعلامهم ويهتفون باسم مرشحهم. وفي الناحية الأخرى قام مغني راب تونسي محاطا بالراقصين الذين يلبسون قمصانا بقبعات (هودي) لونها أحمر يحبب المشاهدين بمرشحهم، وزير الدفاع. وفي كل مكان انتشرت القمصان التي تحمل صور المرشحين وتحمل عبارات: “انتخبوا أكفأ المرشحين لتونس أفضل” و “نحتاج إلى سيادة”. وفي منطقة تقوم فيه الحكومات بتكميم الصحافيين ومنع عمل المؤسسات الرقابية، سمح لمراقبي الانتخابات الدوليين الذي يلبسون الاشارات ويحملون دفاتر المذكرات بأن يختلطوا بالجمهور وسمح الحراس للمراسلين للتنقل بين التجمعات الانتخابية بسهولة”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية