القرآن الكريم وفلسفات التجلي الإلهي

تمثل الأنساق عنصرا منظما لمسار الأفكار يحدد كيفيات اشتغال العقل في مضمار معين، محدد بأدواته وآلياته ومفرداته، ويتحول النسق إلى الصنمية حين لا يستجيب إلى الانفتاح على هامش القراءة الحفرية في طبقات النص وخلفيات الأفكار، وهذا كله يتعلق بمجال النص الوضعي، لأنه وليد العقل والفضاء الوجودي المتعلق بحركة الإنسان وتشكلات وعيه، أما «النص المقدس» أو «النص التأسيسي» بتعبير أركون، أي يمثل الشرارة المنتظرة من الغيب لتلتقي الذات الترابية أشواق روحها السماوية، ومن هنا تكتسب النصوص قدسيتها ومفارقتها لما يختلف عنها من النصوص الأخرى، ضمن هذا الجدل الفلسفي يأتي عمل محمد بصري الموسوم «القرآن الكريم وفلسفات التجلي الإلهي».

الخصوصية والاختلاف:
يأتي كتاب الباحث الجزائري وأستاذ الفلسفة محمد بصري، ليبعث تلك الرؤية الهادفة إلى قراءة المقدس في مسار ما توصل إليه العقل العلمي والمعرفة التجريبية من أدوات وآليات حفرية تتيح الوصول إلى ما خفي من معنى وقيمة، وهو من هذه الناحية يثير الكثير من الأسئلة التي تدخل في صميم القراءة القرآنية بين طبيعة المقدس وتعددية القراءة، ويمثل هذا الكتاب بالنسبة للقارئ المتعمق إغراء معرفيا لاستنهاض عدة أفكار تحاول الاقتراب من القرآن على أساس أن أفكار الكاتب دافعة للاختلاف بالضرورة، وهذا ما تختزنه الأفكار الحية.
اعتمدت هذه القراءة على ثلاث مراحل: أولاها الرؤية الغربية للنص والنص المقدس (بول ريكور، بارث، دريدا) ثانيتها مساحة للقراءة القرآنية قرآنيا، وثالثها نقد لأفكار الكاتب الحداثي سعيد ناشيد في كتابه القرآن والحداثة.
يحيل الكتاب إلى بيئة معرفية تحيط قراءة النص القرآني بمفاهيم منهجية تسهل التواصل ثقافيا مع المنظومة القرآنية كمفهوم «النص» و«المعنى» و«اللغة» و«التأويل» و«الاختلاف».. وهي مفاهيم نابعة من الفلسفة باعتبارها موضوع الاستفهام، والإحاطة بهذه العناصر تكثف الرؤية من الخارج للنص الديني، وبالتالي تجعل بنيته قابلة لـ«التفكيك» انطلاقا من معطيات الفهم للمناهج الحداثية، فـ«لم يعد اللاهوتي والفقيه يملكان حق العناية الإلهية والتفويض الإلهي في اقتحام النصوص» إلا أن مثل هذه القراءات تبقى سجينة الأفكار والمعاقل المعرفية لا تبرحها إلى واقع خصوصية الذات الدينية، التي تستلهم وجدانها من كتابها المقدس، وهو حال المسلم البسيط وهو يقترب من القرآن، لأن الإشكال الذي يقوم في الانفتاح على المدونة الفلسفية هو أنها تنطلق باحثة عن السؤال المنطقي المجرد، ابتداء ثم لا تلبث أن تعود إلى جذورها الدينية، كما حدث مع دريدا «الذي تأثر في مرحلة ما بعد نضجه العقلاني وثورته الفلسفية بجذوره الأولى اليهودية».
والإشكال الآخر يتعلق بالغرب في أنسنته للنص المقدس، فيصبح تاريخيا، تتريخ (من التاريخ) النص هو المفصل الحساس في قراءة المتن، لأن كل إحالة إلى التاريخ تتجاهل المعطى الغيبي اليقيني السابق، باعتبار الغيب مصدر للأسطرة، لا منبعا للكلام الإلهي المنزه.

المقدس والسياق التاريخي:
القرآن الكريم تجربة روحية، قراءته ـ يبدو لي – تبدأ من داخله بتسجيل تلك التجربة الروحية في تفاعلها مع الذات الوجدانية التاريخية، وهو ما يمكن الفصل به بين «تاريخية النص» و«تاريخية الذات» في تحولاتها العقلية التي تنتج المعرفة، انطلاقا من حوار بيئتها ومنطلقاتها الفكرية، وبهذا لا يمكن قراءة «القرآن» كمدونة متعلقة بدين معين «الإسلام» أسسا لمجتمع ذي خصوصية ضمن معطياتهما، فتطورت الأدوات والرؤى والمناهج ضمن سياق تاريخي معين يختلف عن السياقات التاريخية الأخرى في تعاملها مع نصياتها المقدسة.
فأركون يعتقد «أن الوقت حان لإعادة قراءة المقدس والقرآن بعدما استنفدت كل الآليات التقليدية النشيطة تاريخيا، أدواتها المعرفية في الغوص في أعماقه ومعرفة الشروط والأسيقة التي تحيط بالظاهرة القرآنية والوحيانية».
بداية «الآليات التقليدية» تعتبر مؤسسة لبداية الفهم للنص، وبدونها لا يمكن مراجعة التأسيس، لأن المدونة النصية القرآنية تمتلك فرادة النص واللغة والعلاقة، ومن هذه العناصر الثلاثة نشأ الفهم لها، فيمكن البناء على الآليات تماما، كما تتم محاولات التجديد في أي آلية أو أداة منهجية أو فكرية، تماما كما الديمقراطية.

يرى المؤلف أن «التأريخ للقرآن هو شبيه بالتأريخ للوحي. وقد تصطدم هذه العملية الإنسانية بعوائق أبستيمية وأخرى اجتماعية ثقافية دينية».

إن الرؤية الأركونية لقراءة النص تعتمد على هدم الأساس، انطلاقا من المنجز، والمنجز هنا ما هو سوى المناهج الغربية، والمعارف الجديدة في السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا.. أو ما سماه بعض الباحثين كما ذكر المؤلف «بروتوكولات متداخلة» وهذا ممكن في الحالة التي تصاحب القراءة الخارجية للقرآن، إذ «المتدبر» بالمفهوم القرآني، الذي هو عموم الناس، متخصص بالضرورة في مجال معرفي، ومن المستحيل أن يقرأ القرآن بمعزل عن أدوات وآليات البحث في مجال تخصصه، وبالتالي تفكيره وتأمله وتدبره في النص يكون مختلفا، وهو ما تثبته القراءات الغربية ذاتها في النص القرآني، وجيفري لانغ الذي أسلم دليل على ذلك في تتبعه لقصة الخلق منطقيا، ومن خلال بيئته المعرفية والدينية الغربية، أيضا قراءة المفكر الكاثوليكي غاري ويلز في كتابه الجاد «ماذا يعني القرآن ولماذا هو مهم» الذي تحرر فيه من الأفكار المسبقة الغربية ومن اجتهادات المسلمين ذاتهم، والمفكرة اليهودية الملحدة ليزلي هازلتون، التي تعمقت في القرآن وكانت تعرف البيئة العربية، تقول:
«إن للغة العربية سحر، ونغم وموسيقى وجودة، تسمع لا تقرأ، ويشعر بها المرء بقلبه لا بعقله، فالقرآن يجب أن يتلى بصوت مرتفع لكي تتناغم الأذن مع اللسان فيفهم المقصود من البيان» وهنا لب الإشكال المعرفي والواقعي، إذ القرآن يختلف عن غيره من الكتب المقدسة الحاضرة، فهو يمكن تسميته بـ«المدونة النصية المستصحبة» في مقابل «المدونة النصية المنفية» له حضور في واقع الناس، يستلهمون منه حياتهم ودينهم وواقعهم، يحتاجون إلى تفسيره في كل دقيقة، ويعتقدون جازمين أنه الحقيقة المطلقة، وهو ما حاولت كلمات هازلتون أن تبينه، وهو ما يجعل المنهج والمعرفة والأداة والآلية تختلف اختلافا جذريا، لأن الاقتراب من القرآن هو إسناذ الوجدان إلى عمقه لكي يُستنسغ نبضه الحيوي.

خصوصية القرآن اللاتاريخية والقراءة من الداخل:
ينتبه الكاتب إلى أهمية تداول القرآن في مجال خصوصي حين يواجه أفكار كل من الكاتبين سعيد ناشيد «الحداثي النقدي» كما يصفه، في كتابه «القرآن والحداثة» والمفكر الإيراني عبد الكريم سوروش، حين يتلقفان منطقهما من مجال «التعاقب التاريخاني أو ما يدعى القراءات الديناميكية الدياكرونية للتاريخ» ويضيف المؤلف، «إن أسوأ الدراسات تلك التي تجعل التاريخ يحاكم تاريخا ما، فما بالك بأن يحاكم منهجا» وهنا لب المعضلة التي تجعل من التلقي القرآني حالة من حالات أي تلق كيفما كان، وضمن شروط ووظائف متجاورة، وهو ما حدا بالمفكرين المذكورين إلى قراءة النص بأدوات الراهن، وبذلك كان التناول أشبه بالمحاكمة لا المقاربة، زيادة على أن الإخضاع القسري للقرآن إلى مناهج العلوم الاجتماعية، يكون كما لو أننا نخضع تلك العلوم لمنهج التفسير في القرآن الكريم.
يرى المؤلف أن «التأريخ للقرآن هو شبيه بالتأريخ للوحي. وقد تصطدم هذه العملية الإنسانية بعوائق أبستيمية وأخرى اجتماعية ثقافية دينية». إن المعنى في التأريخ للقرآن أو الوحي يقع بين مفصلين مهمين ومتناقضين، فهل نعني بالتأريخ هو تفصيل البيان الحدثي حول التنزيل، أم تلك العملية التي رسمت مسار التوصيف للتنزيل باعتباره وحيا يتلقاه النبي (ص) وقرآنا يتلقاه المؤمنون، ثم كل ما يتعلق بعملية الجمع والتفسير المتعاقب عبر الزمن، أم القصد بالتأريخ ذلك الاختلاف حول القرآن من حيث القراءات، أو المصاحف، ما يجعل الرؤية له ذاتها تهتز باعتباره كتابا كالكتب يجوز عليه ما يجوز على مختلف الكتابات؟ من هنا تأتي منزلقات القراءة التاريخية/السردية للقرآن، التي تتأسس على عناصر غياب المؤلف أو موته، التناص، النص المفتوح والمغلق، فالقرآن الكريم في اعتقاد المؤمنين به ليس «ظاهرة اجتماعية وثقافية» حسب طائفة معينة كما تحددها شلبي هند، وتورد مالك بن نبي ومحمد أركون كمثال على ذلك، رغم الاختلافات الأكاديمية بينهما، لكن الاختلاف الجوهري بين بن نبي وأركون هو الرؤية للقرآن الكريم، باعتبار المقاربة المتخصصة (التفسير) له من الداخل (بن نبي) أو من الخارج (أركون) وهذا من الناحية الأبستيمية والثقافية والدينية، جد مهم ومؤثر في النتائج المتوصل إليها، فما يميز هذه الرؤية هو اعتبار القرآن لدى المسلم أساسا ومنطلقا كتاب هداية، وبالتالي فهو «المتعبد به».

كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية