الخطابات الثلاثة: لماذا لا يفقد زعماؤنا أصواتهم؟

حجم الخط
0

يروي خطاب الملك، ‘The Kings Speech’، الفيلم المرشح للعديد من جوائز الأوسكار، قصة حياة الملك جورج السادس ملك بريطانيا وايرلندا، وآخر أباطرة الهند ورئيس الكومنولث الذي كان يحكم أكثر من ربع العالم، ولكنه لم يكن يستطيع الكلام وإلقاء الخطابات، بسبب إصابته بأحد أمراض النطق المعروف بالتأتأة أو التلعثم، وفي عهده كانت البلاد مقبلة على الحرب العالمية الثانية، وعلى عاتق النظام الملكي الذي يحظى برمزية وثقة كانت تقع المسؤولية لطمأنة الشعب والشد من أزره. عندما احتاج الشعب الى صوت، هكذا تبرر أحداث الفيلم سبب تحمل الملك جورج للمشقة والتدريب المستمر لعلاج ضعفه لما فيه مصلحة شعبه، الذي كان ينتظر سماع صوت الحكمة والقوة منه، تحامل الملك جورج على نفسه وتخلص من عقد الطفولة التي لازمته ولم يبالِ بالاستهزاء والسخرية التي كان يلقاها كلما فتح فمه ليجرب الكلام، لأنه أدرك أن الموقع الذي أُجبر على تسلمه بعد تخلي أخيه الأكبر عن العرش هو موقع مسؤولية، وأن عليه أن لا يخذل الشعب وتطلعاته، وقد كان ما أراد، فألقى أول خطاب له والكلام ينساب منه انسياب الماء العذب، والقنابل الألمانية تتساقط على بريطانيا، كما رفض أن يبحث عن ملجأ آمن أو خروج مشرف أو هروب مخزٍ، ورضي أن يقع عليه ما يقع على شعبه. تبدو المعادلة جد مختلفة في النسخة العربية من الأفلام الواقعية من سير الملوك والزعماء العرب، فكثير منهم وإن لم تنقصه البلاغة، فالكتبة بالطبع كثيرون، يعوزه الصدق والتفاعل مع نبض الشعب وآماله. ويصر الرؤساء العرب على الكلام في الوقت الذي يجب أن يصمتوا فيه، لأن الشعب لا يريد أن يسمعهم، ويصرون على الإطالة في وقت الإيجاز، وعلى المكابرة في وقت الندم والاعتراف، وعلى تقديم الحجج والمبررات في وقت يلزم فيه الاعتذار، يتملكون جهد الآخرين في صياغة العبارة ويتملكون كذلك حقوق البث وإجبار الناس على الاستماع، فهم موجودون على الأثير على كافة الموجات والترددات، حتى لو حاول الناس إغلاق منافذ الحواس الخمس دونهم! مرة واثنتان وثلاث، وقد تمتد الى ما لا نهاية بحسب ما يقتضيه الوضع، ومع الخطاب الرسمي هناك مؤثرات تعمل وراء الكواليس تبث الرعب وتستخدم العنف لتروض وتؤدب من لا يستجيب ويسمع الكلام. بعض الرؤساء العرب الذين يقودون بلادهم نحو الألفية الثالثة لا يعرفون المنصوب من المجرور من المرفوع، ولا ينفع معهم الخطاب المعد مسبقا في تقليل الأخطاء اللغوية والتعبيرية والمعنوية، ولله در القمم العربية كم تكشف من سوءات الزعماء! ولدينا نحن العرب من نفخر به دون سوانا، زعيم عربي كوميدي يذكر بشخصية يونس شلبي في مدرسة المشاغبين، الذي كانت صفته الأهم أنه (ما بيجمعش)! هذا الزعيم الذي يتوقف العرب للاستماع إليه لا تقديرا لمضمون ما سيقوله، بل لترويح النفس والتندر في ظل جوقة الكذب والنفاق العربي. هذا الرئيس لم يكتف بالخطابات البليغة والمقابلات التلفزيونية والأزياء الإبداعية والتحالفات العابرة للقارات، بل تفتقت قريحته عن كتاب موسوعي يوضح رؤيته وسياساته لمن فاته الدرس والاستماع! في ختام فيلم ‘خطاب الملك’ تكلم الملك جورج السادس وأتبع الكلام بالوقوف الى جانب شعبه في الحرب، ونحن بحاجة الى أن يصمت الرؤساء، لأن في أعمالهم وجرائمهم بحق الشعوب ما يغني عن الكلام،ولكنهم لا يفهمون. فيلم الملك جورج السادس وسيرته جاءا تأكيدا لما قاله شكسبير في مسرحية ‘الليلة الثانية عشرة’: ‘لا داعي للخوف من العظمة فبعض الناس يولدون عظماء، وبعضهم يحرز العظمة، والبعض الآخر تقحم عليه العظمة إقحاما’، فكيف تبدو الترجمة العربية في واقع الحال؟ بعض الناس يولدون في القاع ثم يتسلقون الى السطح على أجساد غيرهم ولا يقبلون النزول ولو انهار كل ما حولهم! ولكن الشعب هو الملوم في النهاية، وصدق مارتن لوثر زعيم حركة الحقوق المدنية إذ قال ‘لا يستطيع أحد ركوبك ما لم يكن ظهرك محنيا’!د. ديمة طارق طهبوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية