الخطاب الإعلامي والقضية الفلسطينية

حجم الخط
1

الكفاح الفلسطيني يحمل عدة أوجه وجبهات، الداخلية والخارجية؛ المتحدثون باسم الشعب الفلسطيني يجب أن يكونوا على وعي تام بأن الساحة الخارجية التي أصبحت تشمل العالم كله الآن (كما كنا نسميها ثورياً أيام كان لنا أو كنا نعتقد أنه كانت لنا ثورة) هي من أهم دعائم الجبهة الداخلية. كان واضحاً حجم التضامن والعمل على الساحة الدولية خلال الهجمة الإسرائيلية الوحشية الأخيرة على قطاع غزة؛ مما ساهم بصورة كبيرة في كشف الوجه الحقيقي لاسرائيل، كدولة ترتكب جرائم حرب ضد الفلسطينيين. ومن المنطقي أن يسهل الداخل مهمة من هم في الخارج لا أن يضعوهم في خانة الدفاع بدل الهجوم، اتفهم تماما الجحيم الذي كان يواجهه أبو عبيدة، الناطق باسم كتائب القسام، ومعه الشعب والمقاومة في مواجهتهم للهجوم الاسرائيلي التدميري ولكنه أخطأ خطأً فادحاً عندما استخدم في أحد مؤتمراته الصحافية  اصطلاح يا «ابن اليهودية» ليصف بينامين نتنياهو. الخطأ مزدوج فالشتم بالأم ليس من أي أخلاق، بما فيها أخلاق الاسلام بشيء، والثاني أن صراعنا هو مع الصهيونية وليس اليهودية كدين، حتى إن كنا نخلط الامور تحت حد السكين التي ذبحتنا ولا تزال على مدار أكثر من 66 عاما. كان بامكان ابي عبيدة أن يقول أيها الصهيوني لنتنياهو؛ بهذا يشمله كيهودي (إن أصر) ولا يظهرنا بمظهر العنصريين.
ثم جاءت الصور من غزة لترسخ هذا الخطأ، قمصان وعليها شعار «انتصرنا يا ابن اليهودية».. اعتراضنا ليس من باب الكسب والخسارة فقط، بل عن قناعة بأن أي تمييز في القرن الواحد والعشرين على أساس عرقي أو ديني هو تصرف لا إنساني، حتى إن كان عدونا عنصريا، فوقياً وغبياً أيضاً باستخدامه لقمصان للحط من قدر العرب والمسلمين مثل «الموت للعرب» أو «سنقتل ابناءكم وبناتكم انتهاءً بالقميص الاجرامي الذي يلبسه بعض الجنود الاسرائيليين «غزة 2014، حاربت، دمرت، تمتعت». في عهد النبي وقعت حروب مع اليهود كان سببها سياسي كنقض العهود، كما حدث مع بني قريظة في غزوة الأحزاب أو بني النضير عندما حاولوا قتل النبي وغيرها من الأمثله؛ بمعنى أن المسلمين لم يحاربوا اليهود كرهاً في عقيدتهم، حتى إن كان القرآن يحذر منهم، ولكن لافعالهم السياسية في ذلك الوقت.
ويذكر التاريخ أن الفلسطينيين، بمن فيهم النسبة القليلة من اليهود التي كانت 7٪ في مطلع القرن العشرين عاشوا بسلام من دون أي مشاكل تذكر لقرون طويلة؛ إلى أن جاء وعد بلفور المشؤوم عام 1917 وقبول العثمانيين الأتراك به كجزء من معاهدة «سيفر» التي وقعوها مع الحلفاء بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الاولى وبداية الهجرات اليهودية التي نظمها الصهاينة إلى فلسطين التاريخية منذ عام 1920.
الفكرة واضحة، بدأ العداء عندما بدأت المؤامرة السياسية التي رعتها بريطانيا وأيدها العالم، ولم يبدأ الصراع على أساس ديني والتاريخ أكبر شاهد، رغم أن بعض الحركات الفلسطينية التي تتخذ الدين كوجه لعملها السياسي تحاول، ضمن خطتها لتجنيد الشباب والشابات، التركيز على الخلفية الدينية للصراع؛ في هذا دهاء سياسي واضح، لأن أسهل ما يمكن أن تجتذب به البشر في أي مجتمع أو ديانة، هو اللعب على المشاعر الدينية؛ وفي الوقت نفسه فيه تزوير واضح للحقائق التاريخية.
على الساحة الدولية، يتهم الصهاينة كل من ينتقد إسرائيل، حتى إن كان يهودياً، بمعاداة السامية ويستخدمون هذا السلاح بنجاح كبير في حشد التعاطف الدولي مع إسرائيل، وهذا هو أحد الأسباب التي تعيق محاولاتنا كناشطين لتغيير الصورة النمطية السلبية للفلسطينيين، التي نجحت إسرائيل إلى حد كبير في تمريرها لقطاعات واسعة من شعوب العالم؛ النقد الإيجابي الهادف يجب ألا يتأخر تحت مسميات «هذا ليس وقته» فكفانا ترك أمور غاية في الأهمية، بل مركزية تحت هذا المسمى الخاطئ. 
اتمنى أن تنتبه قيادة حماس مستقبلاً لاهمية هذه النقطة في الخطاب الاعلامي؛ أنا على قناعة بأن الكثيرين من قيادة حماس على وعي تام بهذه النقطة، لانني  سمعت إسماعيل هنية في منزله بمخيم الشاطئ  يقول لإحدى المناصرات اليهوديات بتاريخ 24/8/  2008 :»أرحب بك هنا في غزة نحن لسنا ضد اليهود كعرق أو دين، ولكننا ضد إسرائيل لما ارتكبته من جرائم بحق شعبنا». كان هذا عندما دعانا هنية لطعام الغداء ولتكريمنا نحن المجموعة المكونة من 44 ناشطا وناشطة من منظمة غزة الحرة، التي كسرت حصار غزة بحرياً على قاربي صيد صدئين لاول مرة وكانا أول قاربين يدخلان
 ميناء غزة منذ 41 عاما. أعتقد أن شهادة هنية أمامي والناشطين واضحة وتأتي من قيادي يدرك حساسية هذا الموضوع.
آمل من كل المتفهمين لخطورة هذا الموضوع، من حماس وغيرها، أن يعملوا بالاقناع على ألا  ينتشر هذا القميص العنصري المضر جدا والذي يساوي بيننا وبين غلاة المتطرفين الصهاينة العنصريين.
كيف لنا كبشر أخلاقيين أن نتهم الصهاينة بالعنصرية، وفي الوقت نفسه نمارسها؛ الأرضية الاخلاقية لكفاحنا يجب أن تطغى رغم حجم الألم والجرائم التي يرتكبها الصهاينة باسم اليهود.

٭ كاتب وناشط سياسي من فلسطين

مشير الفرا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية