ستُسمى الايام القريبة في صفحات التاريخ ‘ايام ميزانية’. فبرغم أن ميزانية الدولة الحالية تحددت في أكثرها قبل سنة يحاول ‘الخطاب العام’، أي الجهات التي تقرر برنامج العمل، ان تصبغ مواد الميزانية العامة صبغة تختلف عما اعتدناه حتى الآن. تدعو جمعيات ومحللون كثيرون بصراحة الى الاقتطاع من ميزانية الدفاع. وهذه شبه بديهية توجد فيها نواة حقيقية بيد أن الاسباب التي تدعو الطالبين الى الاقتطاع وثقتهم المفرطة بأنفسهم لا تُهدئ النفوس بصورة خاصة. إن الخطاب الاجتماعي الذي يهب علينا بكامل قوته ليس سوى اسم آخر لتصور عام اجتماعي ـ اقتصادي يشمل جمعيات ومنظمات اجتماعية ـ بيئية وحقوق انسان. ونقول بعبارة اخرى إن مصطلحات الأمن والجيش والقادة العسكريين غريبة عليهم جدا بل يبغضونها احيانا. يوجد في دولة ديمقراطية مكان احترام لتصورات عامة مختلفة بل متناقضة، لكن حينما يُكشف عن النوايا الصريحة لمنظمي ‘الاحتجاج الاجتماعي’ قبل سنتين واحدة بعد اخرى أي الرغبة في انقلاب بدل انتخابات ـ يكون الخوف من اقتطاع واسع من ميزانية الدفاع تحت الراية الاجتماعية أخطر بأضعاف. وقد كتبت فيما كتبت في بدء الاحتجاج: ‘هذا احتجاج أغنياء من داخل القشدة على ارتفاع الرغوة، إنجر اليه ايضا من يُثقله جدا غلاء المعيشة’. يجري في واقع الامر منذ ثلاثة عقود جدل مضاد للجيش في الأطر المختلفة، فوق المنابر الاعلامية أو في الجامعات. يتحرك بصورة منهجية نحو يسار يميز نفسه عن دولة اسرائيل ويتنكر لها وبخاصة جهازها الأمني. وتغلغل هذا تغلغلا عميقا حتى إن حركات سياسية لا تسارع الى ضم عسكريين كبار الى صفوفها. وأخطر من ذلك أن نظرا قصيرا في السيرة الذاتية لاعضاء الكنيست الحاليين يُبين أن عددا كبيرا منهم ولا سيما الجدد منهم يمدحون بسيرة ذاتية ‘اجتماعية وبيئية وتربوية’. وقال عضو الكنيست اسرائيل حسون قبل وقت ما صادرا عن شعوره بالمرارة: ‘أصبح الجميع اجتماعيين فمن سيجلس في لجنة الخارجية والأمن، ستاف شبير؟’. إن دولة يوجد في برنامج عملها العام كلام لا يحصى على الحاجة الى الاقتطاع الميزاني الواسع من اجل ‘دولة رفاه’ قد تجد نفسها غير مستعدة للحرب. ويجب أن يكون هذا الاستعداد دائما ـ بالتدريب والتسلح وفهم نوايا العدو في الأساس. إن الشعور بأن الحروب قد انتهت يتضعضع بين فينة واخرى في الحقيقة كما يحدث في هذه الايام، لكن الضعف حاصل. وما دامت لا توجد في العالم أية دولة أغرقت دبابات في البحر أو أذابتها في بوتقات صهر الفولاذ، وكذلك الطائرات وسائر وسائل القتال، فلا توجد حكمة زائدة في المسارعة الى اغلاق فرق عسكرية وأن نكون الأوائل الذين يُضعفون قوتهم الوطنية. في الايام التي يوجه فيها التقليص على وسائل قتالية كتلك التي ظهرت في الهجمات الاخيرة على سورية، وعلى ضباط ونقباء بغير تمييز وعلى طول الخدمة العسكرية ـ يجوز لنا ان نتذكر آخر ايام الملك سليمان في الوقت الذي كان يستعد فيه لمعركة اخرى مع الفلسطينيين وتبينت أبعاد التقصير فلم يوجد سيف ولا مواد خام ولا حرفيون لانتاج السلاح.