الخطة الأمنية الجديدة في العراق ستنتهي إلي حائط مسدود
د. بشير موسي نافعالخطة الأمنية الجديدة في العراق ستنتهي إلي حائط مسدودبعد تمهيدات عسكرية وسياسية وإعلامية فائضة، بدأ العمل بالخطة الامريكية الأمنية الجديدة في العراق، بانطلاقة مدوية في العاصمة بغداد، كما كان قد أعلن من قبل. آلاف من الجنود الامريكيين وجنود الحكومة العراقية الحليفة احتلوا شوارع العاصمة، أقاموا الحواجز، وأخذوا في نشر دوريات الدهم والتفتيش في مختلف الأحياء، من الاعظمية إلي الدورة، ومن الكاظمية إلي حي العامل. مشهد الجنود الامريكيين يدفعون أبواب المحال التجارية والبيوت بأحذيتهم الضخمة عادت إلي بغداد، ومشهد الجنود العراقيين بكامل تجهيزاتهم وأسلحتهم تدخل الصورة في إيحاء مقصود بدور الدولة الجديدة الكبير. وفي الآن نفسه، انطلق المسؤولون العراقيون من رجال حكومة المالكي وحلفائها يؤكدون (صادقين وكاذبين) علي دعمهم رئيس الوزراء وسياسته الأمنية (التي هي سياسة امريكية اصلاً)، وعلي ان خطة أمن بغداد لا تستهدف طائفة ولا فئة ولا جهة دون أخري. وللتأكيد علي التحول الأمني والسياسي، كان لا بد من إعادة بعض المساجد المغتصبة ودعوة مئات الألوف من العائلات المهجرة العودة إلي منازلها. علي العراقيين ان يطمئنوا إذن، فالعراق يوشك دخول عهد جديد، عهد بلا ميليشيات ولا مجازر يومية ولا دمار، عهد حكم وطني، يوفر الأمن للجميع، ويعاقب المخالفين للقانون بلا تمييز. هذه بغداد شباط (فبراير) 2007، والذكري الرابعة للغزو والاحتلال علي منعطف الطريق.الحقيقة ان لا الإدارة الامريكية ولا حكومة المنطقة الخضراء قد تعلم درس العراق، تاريخاً وواقعاً. كلما فتح المسؤولون الامريكيون والعراقيون أفواههم لإطلاق تصريحات النصر، وتوقعات النجاح السريع، من تراجع هجمات المقاومة إلي عودة الاستقرار إلي العاصمة العراقية، حتي فاجأهم دوي السيارات المتفجرة، والأعداد الإضافية للجنود القتلي. لم يتغير الكثير في بغداد منذ أطلقت الخطة الأمنية سوي تحويل المدينة المترامية الأطراف إلي ثكنة عسكرية، يشارك آلاف الجنود الغرباء أهلها الفضاء الذي يتنفسونه ويضيقون عليهم سبل المعاش فوق ما ضاقت خلال السنوات الأربع الماضية. بيد ان بعضاً من توقعات الضباط الامريكيين قد تصدق بالفعل. هذه هي الأيام الأولي من الخطة الأمنية، وربما لم تستطع القوات الامريكية الموعودة كلها الوصول إلي بغداد بعد، ومن الإنصاف الإقرار بأن من المبكر إصدار أحكام قاطعة علي مدي نجاح هذه الخطة الأخري. بل ان من المنطقي توقع تراجع العنف واستعادة بغداد بعض سلامها الذي فقدته. عندما تنشر كل هذه العشرات من ألوف الجنود في مدينة واحدة ، أية مدينة، فعليك ان تتوقع ان يستطيع الجنود تحقيق ولو جزء من أهدافهم. عناصر المقاومة قد تختار التواري لبعض الوقت، أو حتي الخروج المؤقت من العاصمة. وعصابات القتلة من الميليشيات قد أمرت أصلاً، سواء من قيادات التيار الصدري وبدر، أو من المرتبطين بها في وزارتي الداخلية والدفاع، بالتوقف عن حملات الذبح الطائفية، ومغادرة العاصمة إلي مناطق الجنوب، أو حتي خارج البلاد. والمتوقع بالتالي ان تستمر المقاومة، ويستمر العنف المتبادل في مدن وقصبات العراق الأخري. في مرحلة ما سيعلن المسؤولون عن خطة أمن بغداد النجاح وتحقيق معظم الأهداف. وما ان يتراجع الوجود العسكري الكثيف في المدينة، ما أن يصيب الوهن القبضة المحيطة ببغداد، وتلك اللحظة قادمة لا محالة، فليس هناك من جيش يستطيع الانتشار في عاصمة بلاد لا يعرفها ولا يعرف أهلها وثقافتها إلي ما لا نهاية، حتي تعود الأمور إلي سابق عهدها.لإحكام السيطرة علي العراق كله، الذي تصل مساحته إلي أقل من نصف مليون كيلومتر مربع من الأرض العربية بقليل، لا بد ان يكون تحت إمرة قيادة الاحتلال ما لا يقل عن مليون جندي. مثل هذا الرقم يستدعي جلب كل الجيش الامريكي تقريباً إلي العراق، وهو خيار مستحيل، أو استدعاء قوات غربية حليفة لسد هذا العجز، وهو خيار لا يقل استحالة بعد ان انهار مشروع احتلال العراق، سياسياً وأخلاقياً، ولم يعد من الممكن الدفاع عنه أمام أي رأي عام في العالم بأسره. فوق ذلك، فمهما قيل عن قدرات الولايات المتحدة المالية، وهي قدرات هائلة بلا شك، فإن تعزيز قوات الاحتلال بعدة مئات ألوف أخري من الجنود، سيكسر الميزانية الحكومية الامريكية كسراً قد لا تنهض منه لعقود قادمة، بعد ان تجاوزت تكاليف الاحتلال الأربعمئة مليار دولار حتي الآن.العراق الذي صنعه الاحتلال، العراق الذي لا يشبه تاريخ العراق، ولا مكوناته ولا شعبه ولا ميراثه، العراق الذي لم يعد يعرفه أهله ولا محيطه العربي والإسلامي، هذا العراق لن تصلحه خطة أمنية جديدة، عشرون الف جندي امريكي جدد، وعدة عشرات من ألوف جيش منقسم علي ذاته، لم ينشأ علي أساس وطني، وتنخر مفاصله عصابات من القتلة واللصوص والمغتصبين. مشكلة العراق هي في الأصول: في وجود الاحتلال نفسه، في نظام المحاصصة الطائفية والإثنية، في دستور رسم للإعداد لتقسيم البلاد لا وحدتها، وفي طبقة سياسية من الذين لا يجمع الكثير من أعضائها إلا التنافس علي النهب والاختلاس والحفاظ علي مقاليد السلطة والنفوذ التي تؤمن استمرار عملية النهب والاختلاس. ما يردده مسؤولو الإدارة الامريكية المعنيين بصورة الإدارة أمام الرأي العام، أو الشأن العراقي، هو ضرورة ان تنتهز الحكومة العراقية والسياسيون العراقيون الفرصة التي قد توفرها الخطة الأمنية لإجراء مصالحة وطنية فعلية. والمقصود بهذه الدعوة ليس أكثر من توفير مجال أوسع قليلاً للسنة العرب في أجهزة الحكم والجيش ودائرة صنع القرار؛ وربما أيضاً الامتيازات ووسائل النهب والاختلاس. وبتصالح القوي السياسية السنية مع نظام ما بعد الغزو والاحتلال، سيمكن، ولو علي مدي أطول قليلاً، تجريد قوي المقاومة من مسوغات وجودها، ومنع ميليشيات المذابح الطائفية من إعادة بناء آلة القتل. مثل هذا التصور للنجاح والخروج من مستنقع الإخفاق والهزيمة ليس أكثر من وهم.الذي فجر المقاومة في العراق هو حدث فعلي، ملموس، تحدي الوعي الوطني العراقي، وأوقع إهانة بالغة بالوعي العربي ـ الإسلامي الجمعي بالعراق. لقد مثل حدث الغزو والاحتلال، غير المبررين بأية صورة من الصور، منعطفاً تحولياً في تاريخ العراق والمنطقة، بغض النظر عن عدد وصنف المجموعات والشخصيات التي تحالفت مع الاحتلال. ومن رحم هذا التحول، نهض العراقيون للحفاظ علي مكانة وطنهم وتاريخه، لاسترداد استقلاله وحريته، ولإقامة دولة تليق بهذا الوطن، لا دولة كهذه التي هبطت عليهم بقوة سلاح الغزاة. من رحم هذا التحول، اندفع الآلاف من الشبان العرب لاستعادة العراق الذي يعرفون تاريخه ودوره وموقعه، تماماً كما اندفع العراقيون والسوريون والمصريون من آبائهم وأجدادهم إلي فلسطين والجزائر قبل عشرات من السنين. في هذا الفضاء الذي أقامته طوابير الفتح منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام، من الأطلسي إلي السند، رسمت الحدود علي الخرائط وفي أوراق الدول والحكومات، ولكنها أبداً لم تستقر في وعي الشعوب. ولكن المقاومة لم تكن الوليد الوحيد لحدث الغزو والاحتلال. فالذين تعاونوا لإقامة العراق الحالي، من امريكيين وعراقيين، لم يريدوا الحفاظ علي مكونات العراق وثوابته وتجليات تاريخه الطويل؛ بل أرادوا تحطيمه، وتحويله إلي مزارع وإمارات لتلبية طموحات صغيرة وهواجس ظلامية لهذا الأسرة أو تلك ولهذه الفئة أو تلك وهذه المجموعة الإرهابية أو تلك. العراق الذي أقاموه، طائفياً ومريضاً وعرضة للانقسام علي ذاته، كان لا بد ان ينتهي إلي حمام دم من الإرهاب والقتل والمجازر حول حدود وهمية، ومقدسات عبثية، وثارات سفيهة. ولإعادة بناء العراق وتخليصه من العنف والدماء وحمامات الدم لا بد ان يتحرر من الأسباب والقوي التي أودت به إلي هذا الوضع، لا بد من تحريره من الاحتلال ومشاريع التقسيم الإثني والطائفي، لا دفع الآلاف من جند الاحتلال الجدد إلي عاصمته.في عدد صحيفة الأوبزيرفر البريطانية الصادرة يوم الأحد الماضي، كتب بادي أشداون، المبعوث الأممي الخاص في البوسنة (2002 ـ 2006) ورئيس الحزب الليبرالي ـ الديموقراطي الأسبق، مقالة مدوية، يخاطب فيها الرأي العام الغربي، قائلاً بالرغم من العراق فيجب ان نكون مستعدين للتدخل في مناطق أخري . أشداون، كما الأغلبية العظمي من الطبقة السياسية الغربية، يري ان الكتلة الأطلسية تملك السلطة الأخلاقية العليا في عالم اليوم، وأن هذه السلطة الأخلاقية (المعززة بالقوة) هي تكليف وحق في الآن نفسه: تكليف وواجب بالتدخل في نزاعات العالم أينما وقعت، وحق في التدخل وفرض الحل والسلام علي الأطراف المتنازعة. ولكن أشداون، بعد كل هذا العمر في حقل السياسة والسياسة الدولية، يدرك الآثار المدمرة التي تركها العراق علي إحساس الغرب بالواجب وتصوره للحق؛ وهذا ما يدفعه إلي الجدل بأن ليس كل تدخل غربي في شؤون العالم الأخري خلال العقدين الماضيين انتهي لما انتهي إليه العراق، مشيراً، بالطبع، إلي ما يعتبر نجاحاً غربياً في البلقان.المشكلة في هذا المنطق هو الافتراض الابتدائي بالحق والواجب وامتلاك السلطة الأخلاقية العليا. قد يوافق البعض علي ان هناك نجاحات غربية في البلقان؛ ولكن حتي هذا التقدير الإيجابي للتدخل في حروب البلقان الأهلية لم يزل مبكراً، فلا دول البلقان وشعوبه قد استقرت بعد، ولا التاريخ قد أصدر حكمه علي مشاريع تقسيم الدول وتشظيتها إلي كيانات قبلية، ميكروسكوبية ومتنازعة، باسم الهويات القومية المتخيلة، ومصالح الدول الأوروبية الكبري كذلك. كما ان كل تدخل غربي آخر خلال الفترة نفسها انتهي إلي زعزعة الاستقرار، أو تأجيج الصراعات وإيقاع المزيد من الموت والدمار. وما علينا إلا تأمل الوضع الأفغاني، والعراقي، واللبناني، والصومالي، حيث تدفع الشعوب ثمن سياسات كبري، يرسمها سياسيون في عواصم بعيدة، لا يعرفون الكثير عن الشعوب التي أطاحوا أنظمتها وتوازناتها الداخلية، أو دفعت تحت جنازير دباباتهم، باسم مصالح دولهم ومتطلبات أمنها القومي . الأصل ان أمة في العالم لا يجب ان تفترض لنفسها سلطة أخلاقية علي أمة أخري؛ وأن مصير الأمم والشعوب تقرره الأمم والشعوب ذاتها، بما في ذلك الطلب من الآخرين بالتدخل. بدون ذلك، سيبقي العالم ساحة للقتل والموت، موت من هم تحت الاحتلال وموت المحتلين.9