تسفي برئيل
إن الرد البافلوفي لاسرائيل على المصالحة الفلسطينية، والذي يشتمل كالعادة على تهديد بالقطيعة، هو نتاج خوف راسخ لمن لم يعد يتحكم بسير الامور. فخلال مدة خمس سنين، فازت حماس في الانتخابات في المناطق، فعلت اسرائيل كل شيء لتغيير نتائج هذا التحول، فلم تعترف بحكومة حماس ولا بحكومة الوحدة الفلسطينية، ولا بحكومة حماس التي أُنشئت بعد ذلك بالطبع بعد سيطرة المنظمة القاسية على غزة.
أصبحت غزة اسما مرادفا لحماس أي للارهاب، والضفة ارض الامكانات غير المحدودة. كان إسهام اسرائيل في بناء حماس بصفة مؤسسة لا منظمة فقط، عظيما. فالحصار القاسي لغزة و’الرصاص المصبوب’، وجعل غزة منطقة قتال، الى جانب ورطة جلعاد شليط في الوقت الذي استمرت فيه اسرائيل من جهة في اجراء تفاوض مع حماس وعلى ضربها من جهة اخرى كل ذلك جعل غزة رمز الاحتلال ومركز العطف الدولي.
رأت اسرائيل، مثل عمياء سياسية، المخلوق الذي ساعدت على انشائه، انجازا سياسيا ضخما. كان فرض عملها ان الانقسام بين غزة والضفة سيُمكّنها من الاستمرار في الايهام باجراء تفاوض سياسي مع محمود عباس مع محاربة الشق الآخر من الشعب الفلسطيني الذي يسكن غزة، في الآن نفسه. وفسّرت الصراع السياسي بين عباس واسماعيل هنية وخالد مشعل بأنه صراع عقائدي غير قابل للحل وبأنه واقع أبدي تُقسم معه فلسطين كما اعتقدت لا لاقليمين فحسب بل لشعبين يُعادي كلٌ الآخر، أما أحدهما فيمكن ويجوز تعذيبه وأما الثاني فيُحتفل معه لقص الشريط زمن افتتاح مجمع تجاري جديد.
كان لاسرائيل ايضا شركاء ساعدوها على الخطأ. كانت هناك سياسة مبارك نحو حماس، والصراع الشخصي بينه وبين بشار الاسد، والمساعدة الايرانية لحماس، كلها عززت الاحساس المضلل بأن اسرائيل ستستطيع الحفاظ على هذا الانقسام لمصلحتها. إن حقيقة ان مبارك نفسه جنّد نفسه ليصالح بين الطرفين بل صاغ وثيقة مصالحة أصبحت أساسا للمصالحة الحالية، وأن سورية أيدت المصالحة، وأن عباس لم يكف عن الحديث فيها ومحاولة احرازها لم تنجح في بلبلة اسرائيل وتغيير تصورها انها هي وحدها ستقرر هل يتوحد شقا الشعب الفلسطيني.
الآن، مع احتضار سياسة اسرائيل تحاول ان تعرض سيناريوهات رعب فحواها ان الدولة الفلسطينية ستصبح دولة حماس وتابعة لايران ومركز ارهاب، وأن هذه المصالحة هي حكم بالموت على المسيرة السياسية، وهي المسيرة التي أصبحت جثتها موضوعة في الثلاجة.
هذه تهديدات باطلة. فالارهاب الفلسطيني كان قبل ان تنشأ حماس، واستعملت فتح الارهاب بغير شراكة مع حماس ايضا. والقيادة الفلسطينية مع حماس أو من غيرها غير مستعدة لاجراء تفاوض مع اسرائيل لا لأنها ستصبح منذ الآن اسلامية متطرفة بل لأنها لا ترى أي احتمال لتنازل اسرائيلي وليس لها شريك في السلام. ستخدع اسرائيل نفسها فقط ومن لا يزال مستعدا للاستماع لولولتها، اذا استمرت على اعلان انه لن تكون مسيرة بسبب المصالحة.
إن خداع الذات هذا، لا المصالحة الفلسطينية، هو الخطر الواضح المباشر على دولة اسرائيل. انه يستمد قوته من أوراق قديمة في التاريخ، وثقت فيها مكانة اسرائيل القوية في العالم والصوت العالي العادل لدولة اخلاقية، وسمعتها الطيبة باعتبارها دولة باحثة عن السلام. هذا خداع يرفض ان يرى الواقع الذي يتغير في الشرق الاوسط، وتبادل الأدوار بين القادة والشعوب، والحراك المصلحي لقوى الغرب الكبرى التي تبحث الآن في توق عن شركاء جدد في الشرق الاوسط بدل الذين اختفوا. إن اسرائيل غير مشمولة في قائمة هذه العناوين الجديدة. وسمعتها الطيبة تتحطم شظايا.
لكن سنحت لاسرائيل فرصة نادرة كي تقدّم من جديد الفيلم الذي كانت فيه قبل خمس سنين، لا بأن تدرك ان جزأي الشعب الفلسطيني هما كيان واحد فحسب بل ان تصحح الأخطاء التي قامت بها في 2006. يجب عليها ان تُصرف الامور مع كل حكومة فلسطينية حتى لو شارك فيها ناس حماس. يجوز لها بطبيعة الامر ايضا ان تعاود نفس الأخطاء التي اخطأتها حتى الآن لكنها ستصبح الدولة التي تهدد مواطنيها ـ لا الدولة الفلسطينية.
هآرتس 1/5/2011