محمد كريشان
زائر لبنان هذه الأيام يصدم من حجم التعبئة الإعلامية والسياسية بين الحكومة ومعارضيها ويكفي في هذا المجال جولة سريعة بين نشرات الأخبار المختلفة في محطات التلفزيون اللبنانية لتقف عند هذا الواقع المقلق. لقد غابت عن هذه المحطات نشرات الأخبار الحقيقية، حتي وإن مازجتها نكهة لون سياسي بعينه، ليحل محلها التعليق الشاحن للمشاعر من هذا الفريق أو ذاك، بحيث يخيل إليك أن البلد مقبل علي مواجهة لا شك فيها وإن كان لا أحد بإمكانه الآن الجزم بطبيعة مثل هذه المواجهة أي لجهة ما إذا كانت ستقتصر علي الشارع والتظاهرات الضخمة فيه أم عدم استبعاد إمكانية التحول إلي ما هو أعنف وأخطر من ذلك.
لهذا تحديدا، كان من المهم بمكان أن تحتضن بيروت علي امتداد يومين ندوة استعرضت بالخصوص المآزق الحالية في كل من لبنان والعراق وفلسطين وامكانية الخروج منها بتصورات مبتكرة لرجال فكر وحقوقيين وسياسيين يفترض أن يكونوا الأقدر علي التحلل ولو النسبي من التزامات ايديولوجية أو طائفية أو حزبية محددة، ولهذا كان ممتعا هذا البحث عن طريق ثالث كما طمح المنظمون وهي جهات لبنانية وعربية ودولية إلي حد كبير محايدة تجاه ما يجري حاليا في البلاد من تجاذبات. أحد المحاضرين ذكر المشاركين بالقولة الجميلة للراحل ميشيل شيحة أب الدستور اللبناني عام 1926 التي تري أن لبنان مجموعة سوء تفاهمات متفق عليها، ليتساءل بعدها ما إذا كان لبنان ما زال فعلا كذلك أو أنه محكوم إلي الأبد إلي أن يظل كذلك إذا ما أريد له البقاء والاستمرار ككيان سياسي مميز منذ أن أقيم عام 1943 فيما شبه آخر ما يجري حاليا في لبنان بإعادة بناء الوضع الداخلي إلي ما كان عليه قبل 1975 متسائلا إذا كان النظام السياسي اللبناني رائعا قبل ذلك التاريخ فلماذا دخلت البلاد حربا أهلية استمرت 15 عاما خربت العمران وسقط فيها عشرات الآلاف من الناس؟!!. هذا الحديث قاد بدوره إلي التساؤل عن اتفاق الطائف الذي أنهي الحرب الأهلية وما إذا كان في النهاية آلية لحل النزاعات أم لتوليدها خاصة وأنه دمج بشكل غير مسبوق كلا من النظامين الديمقراطي والتوافقي فكان أن تشكل نظاما مركبا غير منسجم زاد في محنته أنه كان مغلفا بالوصاية السورية. ومع أن الجميع أشار في تلك الندوة الأسبوع الماضي إلي ان الانقسام الحالي في لبنان الآن سياسي وليس طائفيا، وهذا في حد ذاته مطمئن إلي حد ما بمعني من المعاني، فإن ذلك لا ينفي الإقرار بأن كل تاريخ لبنان ظل دائما مقيدا بالحركة الإقليمية والدولية وفي كل تحرك قام به الموارنة أو الشيعة أو السنة إلا وكان لذلك رافعته الإقليمية وهو ما يفسر التردد الدائم للحديث عن الداخل والخارج فيما يحدث في البلاد أو مقولة حرب الآخرين التي أطلقها الكاتب الكبير غسان تويني مما حدا بأحد المحاضرين إلي وصف إلقاء المسؤولية عما يحدث في لبنان علي الخارج وتفسير الأمور كلها بالخارج بأنه بات مرضا مزمنا ورياضة وطنية متسائلا أين الداخل إذن؟!! طالما أن كل فريق من جماعة الحكومة أو معارضيها يصف الفريق الآخر يالعمالة للخارج هذا لما يوصف بالمحور السوري الإيراني والآخر للأمريكيين والفرنسيين.
ربما الأخطر في كل ما قيل في هذه الندوة أن الخلاف داخل الرأي العام اللبناني قد يكون أصبح أقوي مما هو عليه داخل النخبة السياسية لا سيما وأنه مع انحسار الاتفاق الوطني أقبلت كل طائفة علي زعيم أوحد لها، وبما أن أي توتر طائفي قد يجد في التوتر الاجتماعي والاقتصادي ما يغذيه فإن الأمور قد تكون سائرة نحو مزيد من التعقيد اللهم إذا تمكن الفرقاء، ولو في اللحظة الأخيرة، من العثور علي صيغة تسوية ما قد تبدو الآن في ظل أجواء التعبئة الحالية أنها ابتعدت ولكن الكل ترك الباب مواربا قليلا أمام إمكانية حصولها فعلا.