الخطر المتنامي علي الوجود الإسلامي في الغرب
د. عبدالوهاب الافنديالخطر المتنامي علي الوجود الإسلامي في الغربفي الأسبوع الماضي صرح وزير الداخلية البريطاني بالقول بأن بريطانيا تخسر حرب الأفكار أمام القاعدة، داعياً إلي المزيد من مضاعفة الجهد للتصدي لهذا الخطر الداهم الذي يمثله المتطرفون وأفكارهم. جاءت هذه التصريحات في وقت كانت بريطانيا تستضيف لقاء لوزراء داخلية ست دول أوروبية للتشاور حول مكافحة الإرهاب في تذكير لمن كانت الذكري تنفعه باجتماعات وزراء الداخلية العرب سيئة الصيت. وأي حديث عن مكافحة الإرهاب هذه الأيام هو تحديداً حديث عن إجراءات تتخذ ضد أشخاص مسلمين. والحديث عن حرب الأفكار حين يأتي من وزراء الداخلية أو الدفاع أو قادة الجيوش لا يعني الحوار والإقناع، وإنما يعني ابتكار بدائل للقنابل والمدافع التي فشلت في تحقيق مهمتها. فحينما يفشل قائد الجيش في قهر العدو في الميدان، أو حين تعجز الشرطة عن اعتقال المطلوبين، يبدأ الحديث عن صراع الأفكار.هذه الشنشنة سمعناها من دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي قبل ثلاثة أعوام، أو تحديداً حين بدأ يخسر الحرب المزعومة علي الإرهاب، ثم الحرب علي العراق. وكما علقت عندها علي تلك المقولة، فإن الحكومات لا تعين وزراء الدفاع لقيادة حرب الأفكار ، فتلك معارك لها رجالها. وإنما يعين وزراء الدفاع وقادة الجيش لمقارعة العدو في ميدان القتال الفعلي لا المجازي. وحين يبدأ قادة الجيوش الحديث عن صراع الأفكار، فهذا تنبيه إلي أنهم فشلوا في المهمة التي انتدبوا لها أصلاً. ولكن بدلاً من الاعتراف بذلك والاستقالة، فإنهم يخلعون بزاتهم العسكرية ويرتدون حلة المفكر والفيلسوف ورجل القلم. وهذا مقام ليس بمقامهم، وميدان ليس بميدانهم، مع كامل الاحترام لكل العسكريين.في إبان الحرب الأولي علي العراق في عام 1991 علق النائب المعارض وقتها توني بن علي التحالف الوثيق بين حكومة جون ميجور والولايات المتحدة تحت بوش الأب بالقول بأن رئيس الوزراء البريطاني ينطق دائماً بما تنطق به واشنطن، ولكن بعد ثلاث ساعات من صدور التصريحات من هناك. ويبدو أن الساعة تغيرت بحيث أصبحت الفترة الزمنية بين النطقين ثلاث سنوات بدلاً من ثلاث ساعات فقط.ولكن المثير للاهتمام هو أن تصريحات ريد تأتي في إطار ما يبدو أنه هجمة شاملة ومنسقة علي مسلمي بريطانيا. فقد سبقت هذه التصريحات بقليل تصريحات لزعيم الأغلبية في البرلمان الوزير السابق جاك سترو عن النقاب الذي ترتديه بعض النساء المسلمات ونصيحته لهن بخلعه مؤقتاً عندما يأتين لمقابلته. ثم جاءت تصريحات وزير التعليم ألان جونستون حول ضرورة أن تسمح المدارس الدينية بأن يكون ربع الطلاب فيها من غير دين المدرسة. ولم يكن يخفي وقتها أن المقصود هو المدارس المسلمة. وقد ظهر هذا جلياً حين تراجع الوزير عن قراره في سرعة البرق حين لقي القرار معارضة من الكنيستين الأنجليكانية والكاثوليكية. هذا مع العلم بأن المدارس المسلمة تعد علي الأصابع في حين توجد في البلاد أكثر من أربعة آلاف مدرسة إنجيلية وحوالي نصف ذلك من المدارس الكاثوليكية. ولكن الذي يتابع الإعلام البريطاني يخيل إليه أن غزواً مغولياً من المسلمين قد هبط علي الجزر البريطانية، وأنه توجد هناك بين كل ركن وآخر مدرسة إسلامية وخلوة قرآنية ومسجد تعلم الناس التطرف وتحرض علي الإرهاب.الملاحظ كذلك أن هذه الهجمة تأتي من عدد من المقربين من رئيس الوزراء توني بلير، الذي يعتبر عراب التيار الذي يري في الإسلام المتطرف الخطر الآتي. ويلاحظ كذلك أن هذه الثلة هي من بين المجموعة التي تبطن أو تظهر الطموحات السياسية لخلافة بلير (ريد وجونستون) أو علي الأقل لتولي منصب نائب رئيس الوزراء (سترو). وقد رأي هؤلاء أن إظهار الحزم إزاء خطر التطرف الإسلامي هو مفتاح الباب إلي المنزل رقم 10 في داونينغ ستريت أو علي الأقل الأمكنة القريبة منه. وهذا بدوره يظهر المدي الذي تألب به الرأي العام ضد المسلمين، بحيث أصبح التهجم عليهم هو الطريق الأقصر إلي قلب الناخب البريطاني، علي الأقل في نظر السياسيين الطامحين إلي بلوغ القمة.ولا شك أن هذا يمثل انحداراً نحو الحضيض في الخطاب السياسي البريطاني، خاصة وأن هذا التنافس علي القاع يأتي من الحزب الذي يمثل اليسار، وتقوده شخصيات كان بعضها يتمتع بالاحترام. ولعل أبرز الشخصيات في هذا المضمار هو تريفور فيليبس، الرئيس السابق لمجلس المساواة العرقية (وهو المجلس الذي تم إلغاؤه ودمجه مع منظمات أخري لحقوق الإنسان وحقوق المرأة، برئاسة فيليبس أيضاً)، وهو مهاجر من جزر الهند الغربية، ومقرب جداً من توني بلير. وبحسب موقعه وخلفيته كمهاجر، كان من المتوقع من فيليبس أن يقود المدافعين عن التنوع العرقي في بريطانيا، ولكنه انبري منذ أكثر من عامين لتصدر المتهجمين علي التنوع الثقافي والدعوة إلي اتباع النهج الفرنسي في الدمج القسري، مما جعل عمدة لندن كن ليفنغستون يتهمه بأنه يوشك أن ينضم إلي الحزب القومي البريطاني، حامل لواء اليمين المتطرف في البلاد.فيليبس كان يعبر إلي حد كبير عن توجهات صديقه توني بلير، وهذا يفسر ترقيته إلي المناصب التي ترقي إليها. ولكنه أيضاً يعبر إلي حد كبير عن موقف قطاع واسع من التيار الليبرالي واليساري الذي تحول من موقع التعاطف مع المسلمين من منطلق تعاطف اليسار مع المهاجرين عموماً، إلي العداء المستحكم لهم علي خلفية صراعات متعاقبة حول قضايا حرية الرأي. وقد كان أول هذه المعارك التي وقف فيها الطرفان علي طرفي نقيض هي المعركة حول رواية سلمان رشدي آيات شيطانية عام 1989. وتعمق الصراع بعد قضية الحجاب في فرنسا، ثم مسائل الإرهاب وأخيراً الخلاف حول رسوم الكاريكاتير المسيئة للنبي صلي الله عليه وسلم وتصريحات البابا الأخيرة. وبسبب التغطية الإعلامية المكثفة لهذه القضايا، فإن الرأي العام أخذ ينقلب ضد المسلمين، مما يفسر تهافت السياسيين علي التحامل علي المسلمين لكي يكسبوا معاركهم. وقد بلغ الأمر حداً أن القناة الرابعة في التلفزيون البريطاني عقدت مناظرة في وقت سابق من هذا الشهر لطرح سؤال: هل يمثل المسلمون تهديداً لحرية الرأي في بريطانيا؟ وبعد المناظرة صوت الحاضرون في الاستديو (وهم جمع تم اختيارهم بعناية لعكس مختلف الآراء) ب: لا علي السؤال، ولكن بفارق ضئيل. ولو كان التصويت علي نطاق القطر لاختلفت الصورة.لا شك أن هذا الوضع يهدد بتدهور كبير في العلاقات بين الجماعات الدينية في بريطانيا، وتحويل المسلمين إلي كبش فداء لمختلف المشاكل السياسية والاجتماعية كما حدث لليهود في ألمانيا وقسم من أوروبا في القرن الماضي. والمعروف أن المسلمين في بريطانيا يحتلون سلفاً قاع السلم الاجتماعي من ناحية التعليم وفرص العمل، بينما تبلغ نسبتهم في السجن ضعف نسبتهم في المجتمع. ولهذا فإن مسؤولية كبري تقع علي عاتق السياسيين البريطانيين وقيادات المجتمع المدني والقيادات الدينية لتجنب هذا المنحدر. ومعروف أن القيادات السياسية والإعلامية والدينية تؤثر إلي درجة كبيرة في توجهات الرأي العام. فالسياسي يستطيع بسهولة تهييج العوام، كما يملك تهدئتهم. وللأسف فإن عدداً متزايداً يختار الطريق الأول لحسابات سياسية قصيرة المدي.المسلمون وقياداتهم أيضاً امام مسؤولية تاريخية للدفاع عن الوجود الإسلامي في الغرب، وهو وجود له أهميته الاستراتيجية، ولم يأت إلا بتضحيات جسام. ولا شك أن الصراعات التي دخل فيها المسلمون خلال الفترة الماضية لم تتم إدارتها دائماً بالحكمة المطلوبة. علي سبيل المثال، فإن قيادات المسلمين اختارت المنهج الخطأ في إدارة الصراع حول رواية رشدي، خاصة حين انحازت إلي الفتوي بقتله وطالبت بسن قوانين لحماية الإسلام كدين في بلد علماني مسيحي. فحين تطالب أقلية بإسكات الأغلبية، وتؤيد استخدام العنف لهذا الغرض، وحين تطالب بتطبيق قوانين الهرطقة لحماية الإسلام، فإنها تقوض مقومات وجودها، لأن قوانين الهرطقة التي صممت لحماية الدين المسيحي تجرم الإسلام لو تم تطبيقها باعتباره هرطقة تقدح في العقائد المسيحية. وكان الأولي بالمسلمين قيادة معاركهم بحكمة والسعي إلي كسب تعاطف الأغلبية لمواقفهم بالطرق الديمقراطية. فعلي سبيل المثال كانت هناك غالبية من الليبراليين تقف ضد سلمان رشدي حتي اللحظة التي صدرت فيها الفتوي ضده، حين انقلب هؤلاء مدافعين عن الرجل تحت لافتة حرية الرأي.ومما فاقم الأمر وجود قيادات إسلامية تميزت بقدر كبير من عدم المسؤولية في تصريحاتها التي تؤيد العنف وتتبجح بتحدي القانون في الوقت الذي تسارع فيه بالاحتماء بهذا القانون حين تتعرض للاستهداف. وقد خلق هذا انطباعاً سيئاً عن المسلمين لأن وسائل الإعلام كانت تسرف في إظهار أقوال وأفعال هذه الفئة.لكل هذا فإن القيادات الإسلامية في بريطانيا خصوصاً وفي الغرب عموماً مدعوة إلي تبني استراتيجية جديدة تتميز بكثير من الحكمة والقدرة علي التكيف للدفاع عن الوجود الإسلامي ضد الهجمة الآتية. 9