لقد وضعت الولايات المتحدة الأمريكية، أقوى دولة في العالم، خطوطاً حمراء لن تسمح لأحد بتجاوزها في سورية، وتتعلق باستخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية. كما قامت اسرائيل، القوة الاقليمية الكبرى في الشرق الأوسط التي تربطها بالولايات المتحدة الأمريكية روابط استراتيجية ثابتة لا تتغير بتغير الحكومات والرؤساء، بوضع خطوطها الحمراء المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية من قبل النظام السوري او نقلها الى حزب الله اللبناني او وقوعها في ايدي قوى إسلامية تعتبرها متطرفة خوفاً من استخدامها ضدها. يعني ذلك، في نظر امريكا واسرائيل، بأن قتل سبعين ألفاً من السوريين بالأسلحة التقليدية لا يعتبر اجتيازاً لخطوطهم الحمراء ولا يستدعي التفكير للحظة واحدة في القيام بما يمنع من الاستمرار في المجازر التي يكون المواطن السوري ضحيتها. فلا امريكا ولا اسرائيل يهمها الانسان السوري، سواء كان من النظام او المعارضة ما دامت مصالحهم بعيدة عن الخطر. لكن علينا ان نتساءل عن الخطوط الحمراء التي وضعتها الدول العربية لوقف نزيف الدماء السورية، وما هي الخطوط الحمراء التي وضعها النظام السوري وكذلك قوى المعارضة السورية من اجل ذلك الهدف، حيث يدعي الجميع أن همهم حماية المواطن السوري والعمل الدؤوب لتوفير العيش الحر الكريم له. فهل هذا فعلاً ما يسعون إليه؟ تتمركز الخطوط الحمراء للنظام السوري حول الدفاع عن وجوده وتشبثه بكرسي الحكم ولو فني الشعب السوري بأسره. ككل الأنظمة الديكتاتورية لا يحسب هذا النظام اي حساب لشعبه ولا يعمل من اجل مصلحته وإنما يستخدم شعبه لخدمة مصالحه الخاصة. أما المعارضة السورية فلا تزال الانقسامات تنخر في جسدها ولم تستطع خلال السنتين الماضيتين من التوصل الى تحديد أهدافها وعمل خارطة طريق لتحقيق أحلام وأماني الشعب السوري في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. ما هو مشروع المعارضة؟ يقول المعارضون بأنهم يريدون إسقاط النظام. حسناً، وماذا بعد ذلك؟ هل عندهم مشروع دولة؟ ما هي صفات الدولة المراد إنشاؤها؟ هل هي ديمقراطية؟ هل هي خلافة إسلامية؟ ماذا يريد الأكراد في سورية؟ كيف يمكن ان تتوافق أهداف جبهة النصرة مع أهداف العلمانيين؟ لا يوجد توافق بين مجموعات المعارضة على مشروع النظام السوري الجديد. ولا توجد خطوط حمراء مشتركة لقوى المعارضة. لا تعتبر تضحيات الشعب السوري حتى يومنا هذا خطاً أحمر بالنسبة للمعارضة، بحيث يجعلهم ذلك يتناسون خلافاتهم ويوحدون صفوفهم ويجددون انتماءهم للشعب السوري فقط. لا شك بان هناك في المعارضة أناس شرفاء يعملون من أجل المصلحة العامة، ولكنهم يصطدمون بمجموعات انتهازية ركبت الموجة الثورية التي تجتاح سورية وهم لا يؤمنون بأهدافها، وإنما يسعون الى أهدافهم الخاصة التي لا تمت للديمقراطية بصلة. لا يخفى حتى على الأعمى ان هناك قوى عربية وإقليمية ودولية تدعم المعارضة السورية ليس من أجل الحرية والديمقراطية، وإنما من أجل أهداف طائفية بحتة. الطائفية التي تفتت ولا توحد وقد اوجدها الاستعمار الغربي ورعاها خدمة لمصالحه. فمتى نفيق من سباتنا ونقاوم الطائفية سبب ويلاتنا والمعيق لتقدمنا؟ من الضروري ان نتعلم كيف نزرع شعور المواطنة الحقيقية في نفوس شعوبنا، فذلك كفيل بالقضاء على الطائفية وأمراضها، من أجل المضي قدماً في تحقيق انظمة ديمقراطية حديثة تنتشلنا من عصر الجهل والظلام الى نور العلم والحرية. تريد بعض الدول العربية إقناعنا بأن ايران هي عدونا الرئيسي في المنطقة وان الشيعة هم أعداء السنة وعلينا محاربتهم في كل أماكن وجودهم. أليس ذلك مدعاة للسخرية وللاستخفاف بعقولنا؟ إذ كيف يستقيم ذلك بما تطالب به هذه الدول العربية نفسها باحترام الأديان الاخرى والعمل على التعايش معها؟ بينما ترفض ذلك مع إخوتنا الشيعة. أليس الأجدر بهم العمل على حل مشاكلهم مع ايران بالحوار بدلاً من محاولة حشد الصفوف والاستعانة بالأجنبي الذي استعمر بلادنا ونهب ثرواتنا؟ الخطوط الحمراء لهذه الدول تنحصر في مقاومة المد الشيعي في المنطقة العربية، وكأن الشيعة هم من قسموا البلاد العربية واستعمروها لقرون ونهبوا ثرواتها وزرعوا اسرائيل في قلبها. المشكلة تنبع من جهل حكام هذه الدول بشعوبهم واستخفافهم بذكاء أبنائهم وتناسي تاريخ امتهم. أرى ان الخطوط الحمراء العربية يجب ان ترتكز على ما يلي: 1- محاربة التطرف الديني. 2- مقاومة الطائفية بكل أشكالها. 3- إنهاء الحروب الأهلية العربية. 4- إحترام السيادة الوطنية للشعوب العربية. ما يحدث اليوم في سورية هو حرب بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية وقودها دماء الشعب السوري وأرواح أبنائه. روسيا تريد استعادة نفوذها في المنطقة العربية والعالم بأسره باستخدام الدم السوري، والغرب يسعى إلى تثبيت أقدامه في العالم العربي والحفاظ على الأمن الاسرائيلي ويستخدم أبناء سورية للقيام بهذا الدور. ألا يجدر بأبناء سورية التخلي عن هذا الدور الذي سيفتت سورية الى دويلات طائفية ضعيفة ومتناحرة؟ أليس الأجدر بهم العمل لمصلحة سورية وشعبها؟ لمن يسعى بالاستعانة بقوى أجنبية للتدخل العسكري في سورية لا بد ان أذكر بالنموذج العراقي الماثل للعيان، حيث استعانت قوى المعارضة العراقية في السابق بالقوى الأجنبية للاطاحة بحكم صدام حسين. فهل النظام العراقي الجديد قد حقق ما يصبو إليه الشعب العراقي من حرية وديمقراطية وتعددية وأمن وسلام وحياة كريمة؟ أين تذهب عائدات البترول العراقي؟ لماذا لا ينعم الشعب العراقي بثرواته؟ لماذا لا تتوفر الخدمات الحياتية الضرورية لأبناء العراق؟ هل تطبيق النموذج العراقي الحالي في سورية هو ما ضحى الشعب السوري بأرواح عشرات الآلاف من أبنائه من أجله؟ من أجل سورية الوطن الذي يحتضن جميع أبنائه، أتمنى ان يتوقف القتال حفاظاً على أرواح السوريين ووحدة الأرض السورية. النظام السوري الجديد يجب أن يشكله أهل سورية وحدهم، ولا يمكن استيراده من الغرب او من الشرق. لتحقيق هذا الهدف يجب الاحتكام الى الشعب السوري في انتحابات حرة ونزيهة بوجود مراقبين دوليين، ويجب احترام نتائجها من قبل جميع الأطراف. أزيلوا الغشاوة عن عيونكم واتقوا الله بشعوبكم ولا تكونوا قطع شطرنج تتلاعب بكم قوى إقليمية ودولية واعملوا على وقف نزيف الدم السوري فهو أغلى من كل المناصب.