الخـروج مـن العـراق: خطـة عمليـة للانسحـاب الآن (3)
قواعد عسكرية ومجمع سفارة بثلاثمئة بناية وخدمات خاصة لا تعني ان الامريكيين سيرحلون بدون استخدام القوةالبريطانيون عملوا علي تجهيل العراقيين واثاروا النعرات.. وحكم البعث علي فظاعته علم الملايين ووفر لهم الدواءالخـروج مـن العـراق: خطـة عمليـة للانسحـاب الآن (3)جورج ماكغفرن ووليام بولكتنشر القدس العربي بعض فصول الكتاب الذي سيصدر عن مركز دراسات الوحــــدة العربية في بيروت وضعه الباحثان الدكتور جورج ماكغــــفرن والدكتور وليام بولك، ويقترح الباحثان في كتابهما خطة عملية للانســـحاب من العراق الآن .عندما تحدث لورنسحين غزا الانكليز ما كان سيصبح العراق لم يكونوا يعرفون عن البلاد إلا قليلاً، ولكنهم كان لديهم نموذج أرادوا فرضه علي العراق. والنموذج هو إمبراطوريتهم في الهند. إن الانكليز في الهند كانوا قد قرروا منذ أمد بعيد أن السكان المحليين لا يصلحون لحكم أنفسهم بأنفسهم. وما كان يصدق علي الهند كان بنظرهم يصدق علي العراق أيضاً، وهذا رأي حمله الضباط السياسيون الانكليز الذين تدربوا في الهند وجاؤوا مع القوات البريطانية الغازية. لقد بدا لهم بدو العراق كرجال القبائل المتوحشين علي حدود أفغانستان، فهم بألوانهم المزركشة كانوا متوحشين نبلاء؛ فالفلاحون، كأقرانهم الهنود، يرثي لهم، وهم متخلفون جهلاء؛ والأنكي من ذلك أنهم ظنوا أن باستطاعتهم حكم أنفسهم بأنفسهم مثلهم مثل الوطنيين الهنود، وقد سماهم الانكليز عرب المدن . وهكذا تولي الانكليز تطبيق رسالة الرجل الأبيض . إن موقف الانكليز قد أشعل شرارة ثورة عشائرية عارمة في عام 1920. في تلك الثورة تعاون السُنَّة والشيعة وقتلوا 1654 جندياً بريطانياً. ولغرض قمع تلك الثورة (ثورة العشرين) أرصد الانكليز أموالاً فاق مقدارها أكثر من ستة أضعاف ما صرفوه علي إثارة الثورة العربية الكبري في الحجاز ضد الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولي. كانت ثورة العشائر هي الصخرة التي تحطمت عليها أحلام الانكليز بإلحاق العراق بإمبراطوريتهم.في ذلك الحين كتب لورنس العرب (وهو الكولونيل تي. إي. لورنس) رسالة شهيرة إلي جريدة صانداي تايمز اللندنية يتهكم فيها علي السياسة البريطانية وتنطوي عند قراءتها الآن علي مغزي حديث. كتب يقول: إن حكومتنا هي أسوأ من النظام التركي، فهو جنّد أربعة عشر ألفاً من الرجال المحليين جمعوا وقتلوا ما معدله سنوياً مئتي عربي وذلك لحفظ السلام. أما نحن فقد خسرنا تسعين ألف رجل مع طائرات وسيارات مصفحة وزوارق حربية وقطارات مدرعة. وقد قتلنا نحو عشرة آلاف عربي في هذه الثورة هذا الصيف. ولا يمكننا أن نأمل الحفاظ علي هذا المعدل .لم تؤثر الإصابات العراقية بالانكليز فلم يتحركوا، ولكن حين أضاف لورنس كلمة عن التكاليف المالية التي يتحملها دافع الضرائب الانكليزي أصاب ذلك الهدف. أضاف لورنس في رسالته يقول: إلي متي سنسمح بتضحية ملايين الباوندات، وآلاف الجنود من قواتنا، وعشرات الآلاف من العرب باسم حكومة استعمارية.. . وجاء الجواب سريعاً، فتحت قيادة ونستون تشرشل غيرت بريطانيا مسارها، أو أنها في الأقل غيرت المساحيق التي تطلي بها وجه حكمها. جاءت بعض خطواتها شبيهة بشكل خارق للعادة بما قامت به أمريكا منذ غزوها العراق في عام 2003. أولاً ، أعطي الانكليز للعراقيين واجهة من واجهات الحكم الذي يديره أهالي البلد يقوم علي نموذج حكومتهم، ثانياً ، أعطوا الشرعية لهذا النظام الجديد بإجراء نوع من الانتخابات؛ ثالثاً ، شمروا عن سواعدهم لكسب ما يكفي من الأهالي لدعم النظام؛ ورابعاً ، أسسوا جيشاً عراقياً لحماية البلاد. وضعت هذه الخطوات قالباً يجري العمل بموجبه لنصف قرن قادم في العراق، وبما أن هذه الخطوات يمكن مقارنتها بما تقوم به أمريكا اليوم في العراق، فهي تنبئنا لماذا نجد لدي العراقيين مواقف ـ وذكريات ـ تصيبنا بالدهشة في غالب الأحيان. إن علينا أن نفهمها، لذا فلننظر باختصار بالسياسات البريطانية الأربع المذكورة.إن الواجهة السياسية التي أقامها الانكليز تضمنت تنصيب ملك اختارته بريطانيا وتشكّلت حكومته من وزراء عراقيين بموافقة الانكليز. كان لدي كل وزير منهم مستشار انكليزي وعلي الوزير تنفيذ مشورته. وفي عامي 2003 و2004، عندما استبدلت ملكية علي الطراز البريطاني بحكومة علي الطراز الأمريكي، كان ذلك هو بالضبط ما قام به پول بريمر، فلكي تبدو الحكومة الملكية حكومة ديمقراطية علي الطراز الغربي المعهود كتب الانكليز دستوراً بليغاً في لغته، وأنشأوا محاكم قانونية، ورتبوا الأمور لإجراء انتخابات. لقد فعل بريمر الشيء ذاته في سلطة الائتلاف المؤقتة.الكشف عن الخديعةفي البداية عملت الحكومة الملكية العراقية، التي أسسها الانكليز بشكل يبدو أنها حكومة أهالي البلاد، علي مواجهة المخاوف العراقية بأن الانكليز كانوا يخططون لحكم العراق. ولكن العراقيين لم يخدعوا طويلاً، فما إن مضت السنوات حتي ثبت أن تلك المخاوف كانت في محلها، ففي مكاتب أولئك العراقيين الذين اختارهم الانكليز كوزراء كان المسؤولون الانكليز موجودين وراء الستار علي الدوام، كما كانت لديهم دائماً الوسائل لتكون مشورتهم قيد الاتباع من قبل أولئك الوزراء.إن تأسيس تلك الحكومة وإنشاء برلمان وطني وحتي إجراء الانتخابات والتي جرت كلها باسم الديمقراطية قد أدت إلي دق إسفين بين الطائفتين السُنيَّة والشيعة. وكان الشيعة قد قاموا بدور رئيسي في ثورة العشرين وكان بينهم بعض الزعماء من المنسجمين مع الثقافة الغربية وعلي وئام مع الموظفين البريطانيين، إلا أن الانكليز وبسبب دور الشيعة في ثورة العشرين نظروا إليهم بعين الريبة، فتوجهوا نحو السُنَّة بشكل يكاد أن يكون كاملاً لتأليف الحكومة. ولكن الانكليز أدركوا أن استبعاد الشيعة لا يؤدي إلا إلي استقرار مؤقت. كانوا يعرفون أن عليهم في المدي الطويل أن يكسبوا ما يكفي من الزعماء الشيعة ليسيطروا علي جالياتهم. كان عليهم أن يفسحوا المجال لدخول الشيعة إلي البرلمان الجديد. لم يكن البرلمان ذاته مهماً جداً، ومع ذلك فقد كان من الحصافة التأكد من ألا يصبح منبراً للشقاق كما كان البرلمان الهندي. كان من الضروري، أن تُضمّن مسايرة أولئك الذين انتخبوا للحكم البريطاني. وهكذا وفي مرحلة لاحقة وحاذقة جري تنفيذها بتؤدة من مراحل فرض سيطرة تمنح لأولئك المذكورين آنفاً، شجع الانكليز علي إحداث ما يرقي إلي ثورة اجتماعية لم تزل آثارها باقية حتي اليوم الحاضر.كانت هذه الثورة الاجتماعية موجهة نحو المجتمع العشائري العراقي. والعشائر تقليدياً تتسم بالمساواة والحياة البسيطة المشاعة للجميع. ورؤساؤها لم يكونوا حكاماً علي رؤوس أفراد العشيرة وإن كانوا مستشارين محترمين ولهم مضايفهم التي تحظي بالتبجيل، كما انهم لم يكونوا في العادة أثرياء لأن أراضي العشيرة لم تكن ملكاً خاصاً لهم.كانوا أوائل بين متساوين بالمعني الحرفي لهذه الجملة. إن هذا جعلهم أقل اعتماداً عليهم مما كان يريده الانكليز أو أقل مما يحتاجه العراقيون بنظرهم. لذا لجأ الانكليز إلي ترفيع رؤساء العشائر إلي مرتبة شيوخ (وكانت كلمة ترفيع هي التي استخدمت آنئذٍ) علماً بأن كلمة شيوخ تمثل موقعاً غريباً علي العشائر العربية. وفي الوقت عينه سعي الانكليز، بمساعدة المرابين في المدن وكذلك بتدخل من القوات الحكومية عند الضرورة، إلي تحويل أبناء العشائر الشيعة إلي عبيد. إن مشايخ العشائر الذين جري تنصيبهم في ذلك الوقت استولوا علي الأراضي التي كانت ملكاً عشائرياً، فغدوا بذلك أغنياء وأخذوا بدعم الحكومة السُنيَّة التي يسيطر عليها الانكليز. إن هذه النقلة قد تركت بقية باقية من الخوف والكراهية، وهي التي تفصح عن نفسها اليوم بالهجمات التي يشنها العراقيون ضد المتعاونين مع الأمريكيين.كذلك كان من الضار بالعافية المدنية للعراق أن السياسات التي سارت عليها الحكومة التي رعاها الانكليز، والمفترض أنها كانت حكومة ديمقراطية وتمثيلية، قد أفسدت تلك المفاهيم ذاتها. لقد أصبحت كلمة الديمقراطية كلمة مشبوهة، فبالطريقة التي طبقت فيها باتت تعني الفساد والامتيازات غير العادلة، والاستغلال. ترتب علي ذلك انصراف الناس عن المشاركة في الحكومة، فأدي ذلك إلي أن يدفع العراق ثمناً رهيباً علي مدي نصف قرن كامل. وهو ما زال يدفع هذا الثمن. إن الإداريين الأمريكيين، وهم جاهلون بهذا الجزء من تاريخ العراق، قد أصابتهم الحيرة أمام شك العراقيين حين يحدثونهم عن الديمقراطية.سفارة مثل المدينةكانت الكلفة في المدي البعيد كلفة عالية للسياسات البريطانية، أما في المدي القصير نسبياً فإن وجهة نظر الانكليز كانت تقول إن النظام العراقي يعمل عملاً حسناً، فقد كان النظام العام بخير، والاقتصاد ينمو تدريجياً، والجميع يتكيف مع النظام الجديد. وبالتدريج أخذ الانكليز يتوارون عن الأنظار بذكاء، فسحبوا قواتهم المسلحة إلي قواعد بعيدة، ولكن طائرات القوة الجوية البريطانية كان بوسعها أن تسقط القنابل أو الغازات السامة، كما كان بوسع الوحدات العسكرية الآلية المزودة بالرشاشات أن تشن انطلاقاً من تلك القواعد غارات للبحث عن بعض المواقع المعادية وتدميرها، كما كانت تقف علي أهبة الاستعداد لكي تتولي السيطرة إذا أحدثت لها الحكومة العراقية المتاعب. كانت القواعد البريطانية بمثابة القبضة الحديدية داخل القفاز. إن أمريكا اليوم تبني في الأقل أربع قواعد ضخمة بعيدة استعداداً لجعلها قواعد انطلاق لعمليات عسكرية تشنها قوتها الجوية وأرتال قواتها الآلية الخاصة. إن هذه القواعد تبدو لبعض الأمريكيين وكأنها طريقة حاذقة لإبعاد قواتنا عن الأنظار، وبالتالي إبعادها عن الخطر، وفي الوقت عينه إبقاءها جاهزة للعمل عند الطلب. بيد أن العراقيين، وهم يتذكرون العهد البريطاني، ينظرون إلي سياسة القواعد الأمريكية بفزع. حبذا لو تدبّر الأمريكيون الحقيقة التي مفادها أن بناء القواعد الأمريكية الضخمة في السعودية ساعد علي توليد الغضب الذي جعل أسامة بن لادن يتحول من مليونير مدلل إلي إرهابي ديني.إن إنشاء القواعد الأمريكية في العراق ينم عن احتلال دائم. إن العراقي الذي يسمع تصريحات الحكومة الأمريكية يعي بالتأكيد أن حكومة بوش تنظر في أمر البقاء لسنين قادمة. وقد أشارت وزيرة الخارجية رايس إلي أن تدخلنا في العراق هو التزام لمدي أجيال . إن ما يؤكد ذلك فعلياً علي الأرض في بغداد هو البناء الجاري لمجمع السفارة الأمريكية الجديد في المنطقة الخضراء الذي تقدر كلفته بما لا يقل عن مليار دولار والذي سيضم بلدة صغيرة فيها ثلاثمئة دار وثكنات كبيرة لمشاة البحرية وإحدي وثلاثين بناية أخري. سيكون لهذه البلدة منظومتها الخاصة بها للكهرباء والماء والمجاري، فليس من المستغرب إذاً أن نجد أن معظم العراقيين يرون أن الولايات المتحدة لن تنسحب من العراق إلا إذا أجبرت علي ذلك. وقد يجد هذا تفسيراً له في استطلاع الرأي الذي أجرته بشكل مشترك مجلة USA Today ومحطة CNN ومؤسسة غالوب، فأظهر ذلك الاستطلاع أن 80 في المئة من العراقيين لا يعتبرون الأمريكيين محررين بل محتلين، وأن 88 في المئة من السُنَّة العرب المسلمين يؤيدون شن هجمات عنيفة ضد القوات الأمريكية.كان الانكليز، شأنهم شأن الأمريكيين اليوم، يضعون الكثير من التشديد علي تحقيق الأمن ، فبادروا إلي تأسيس جيش عراقي. ثمة أسباب تدعو إلي ذلك. إن الحكم بواسطة الأهالي هو أرخص ثمناً من الحكم بواسطة أجانب يجلبون من الخارج. كان الانكليز كذلك يعتقدون، كالأمريكيين الآن، أن القوات الأهلية المحلية ستحظي بعدم شعبية أقل درجة مما يحظي به الأجانب. إن هذا الافتراض مشكوك فيه بدرجة أكبر، فلئن جري تصور القوات الأهلية المحلية علي أنها من صنائع الأجانب، فإنها ستكون عرضة لمعارضة أشد عنفاً من معارضة الأجانب أنفسهم. إن ما يسمي بـ العرقنة علي وزن الفتنمة ، يهدد أساس التمرد الوطني ذاته، لذلك فإن المتمردين يعتبرون المشاركين المحليين من أهل البلاد في نظام حكم يسيطر عليه الأجانب خونة. ولذا لا يكاد يمر يوم واحد في العراق من دون وقوع هجوم من المتمردين علي مركز للشرطة أو موقع للجيش. كما إن القوات العراقية، حينما يراد منها دعم السياسة التي تضعها أمريكا، فهي توضع موضع اختبار، غير أننا نجدها في الغالب ترفض القتال أو تنضم إلي المتمردين، ففي المعارك الكبري التي وقعت في مدن الموصل والفلوجة والنجف والبصرة نجد أن تلك القوات غالباً ما تختفي من الوجود. إن المعلقين الأجانب يضعون اللوم في العادة بشأن عدم فعالية القوات الأهلية المحلية علي سوء التدريب أو عدم كفاية المعدات اللازمة. إن هذه العوامل قد تؤدي دوراً، ولكن المؤكد أن لدي تلك القوات مواقف معينة لا يغيرها حصول التدريب المطلوب طالما ظل الأجانب في العراق.اللعب علي ورقة الاثنياتحين شعر الانكليز بالإحباط عندما لمسوا عدم استعداد العراقي العربي لمقاتلة العراقي العربي الآخر، فإنهم عملوا علي تجنيد قوات أخري من إحدي الإثنيات في العراق، ووقع اختيارهم علي الآثوريين. سميت تلك القوات بـ الليفي ووضعت علي قدم المساواة مع الجيش العراقي الذي شكله الانكليز. وبطبيعة الحال اعتبر العراقيون أولئك الآثوريين من صنائع الإمبرياليين، فما إن حصلوا علي شيء من الاستقلال حتي كان من أول أعمالهم الانقضاض علي الآثوريين وإبادتهم. أما اليوم، وإذ يجد الأمريكيون أنفسهم في مواجهة المشكلة ذاتها التي واجهها الانكليز، فإنهم لجأوا إلي القوات الكردية شبه العسكرية التي تسمي البيشمركة لمساعدتهم علي القتال ضد المتمردين العرب. ولا مناص من أن تسهم هذه السياسة في التوترات الإثنية القائمة اليوم وأن تجعل العراق أقل استقراراً.والأهم بالنسبة إلي عافية المجتمع العراقي هو أن تأسيس قوات الأمن هو أمر سريع وبسيط نسبياً مقارنة بتأسيس مؤسسات مدنية من شأنها أنّ تحدث التوازن. كان الجيش في العراق، في ثلاثينيات القرن الماضي، وكذلك في الخمسينيات والستينيات بعد ذلك هو المنظمة الفاعلة والقوية والمتحركة الوحيدة في البلاد. كان الجيش يعتبر نفسه المؤسسة الوطنية الصافية الوحيدة في الوطن والمدافع القدير الوحيد عنه، ولذلك قام هذا الجيش المرة تلو الأخري بالإطاحة بحكومات مدنية لم يكن راضياً عنها، أو من جراء الطموح المتزايد لدي قادته. والأهم من ذلك أن الجيش حال دون تنامي قضاء مستقل وبرلمان انتخابي تمثيلي وصحافة حرة مهما كان ذلك التنامي ضئيلاً. وبالتالي كان المجتمع العراقي ينتقل، مطوِّفاً في ظلمة الأحداث، من دكتاتورية عسكرية إلي أخري تليها من دون الحصول قط علي فرصة لتشكيل مؤسسات متماسكة أو حتي علي فرصة لتكوين العادات المألوفة لمجتمع مدني. وهكذا فإن السياسة البريطانية أقامت الأساس ـ من حيث لا تدري بالتأكيد ـ الذي قام عليه استبداد صدام حسين. إن التشديد الأمريكي الحالي علي تحقيق الأمن بتأسيس جيش عراقي يجعلنا بلا شك نعتقد أن هذا النمط سيعيد نفسه. إن بناء جيش عراقي جرار جديد الآن سيكون مرة أخري عقبة كأداء أمام استقرار العراق وحريته.تُري هل لدي العراق فرصة لتحقيق الاستقرار والحرية؟ ثمة عدد من المراقبين لا يظنون ذلك. إن مجرد كتابة دستور وإجراء انتخابات من غير المحتمل بالتأكيد أن تحققهما، ولكنّ هناك تقليدا عراقيا قديما يَعِد خيراً في هذا المجال، فقبل دخول الانكليز إلي بغداد كانت كل حارة وقرية في العراق تتولي بنفسها المسؤولية عن التعليم والصحة العامة وحفظ النظام العام، إضافة إلي إدامة المساجد والكنائس والمعابد اليهودية، لا بل حتي تخمين الضرائب وجبايتها كانت من شؤون الجاليات المحلية. وقد شعر الانكليز بأن كل هذه الأمور تدار بشكل لا يتسم بالكفاءة، فسحبت تلك الفعاليات من أيادي السكان، حتي وإن كان بزعم تحسين الكفاءة فيها، فكبتوا من جراء ذلك ما كان يعد نوعاً من الديمقراطية. ومع أن ذلك التقليد في المشاركة الشعبية في الشؤون العامة كان ضعيفاً إلا أنه لم يمت. إنه قد يقدم إلي العراق أفضل الأمل بالمستقبل لأن المكان الذي يبدأ العمل منه هو الجذور. إن الديمقراطية هي، قبل كل شيء آخر، عملية تعلّم، وما لم يبدأ الشعب العراقي بإدارة شؤونه بنفسه، فلن تمد الديمقراطية جذورها بشكلها المقبول والقابل للحياة.تجهيل العراقيينلم يقم الانكليز بمساعدة العراقيين علي التعلّم، لا بل إنهم في واقع الحال عارضوا التعليم. كان المندوب السامي البريطاني قد قدم تقريراً عن العراق إلي عصبة الأمم جاء فيه: في هذه البلاد ليس من المرغوب فيه ولا من الأمور العملية أن يجري تقديم تعليم ثانوي إلا لقلة مختارة . وبعد عشر سنوات من الحكم البريطاني للعراق، أي في عام 1932، كان عدد طلاب المدارس الثانوية في البلاد يبلغ ألفي تلميذ فقط، ولم يكن هناك وجود لأي مؤسسة من مؤسسات التعليم العالي. وفي الفترة اللاحقة من الحكم البريطاني غير المباشر مضي من الزمن خمس وعشرون سنة أخري قبل أن يبلغ عدد طلاب المدارس الثانوية أربعة عشر ألف تلميذ. وحتي عام 1950 كان عدد العراقيين من ذوي المهارات المتخصصة في الطب أو الهندسة يعد علي أصابع اليد الواحدة. كان هناك عدد أكثر من الذين يدرسون فروع الإنسانيات، ولكنهم لم يجدوا مجالاً لممارسة اختصاصاتهم إلا في التدريس.واليوم نجد حتي أولئك العراقيين الذين يمقتون صدام حسين يسجلون له قيامه بتغيير تلك السياسة التي وضعها الانكليز وتولي صنائعهم العراقيون تنفيذها. إن حكم البعث علي فظاعته من عدة وجوه قد ساند التعليم، بحيث كان هناك ملايين العراقيين يتلقون تعليمهم ويجدون مجالاً لممارسة مهاراتهم العصرية في المجتمع الذي ساعد صدام حسين علي خلقه. أما في حقل الرعاية الصحية علي سبيل المثال، فقد كانت هناك في العراق عشية حرب الخليج عام 1991 شبكة من مراكز الرعاية الصحية يبلغ عددها (1800) مركز صحي تطبق نظاماً يعتبر من أكثر هذه الأنظمة تقدماً في الشرق الأوسط. كان يعمل في هذه المراكز أكثر من عشرة آلاف طبيب، وتقدم فيها الخدمات مجاناً. لعل معظم العراقيين اليوم سيقولون أن بودهم العودة إلي سياسة التحديث التي طبقها صدام في السبعينيات والثمانينات من القرن الماضي، ولكن بالطبع من دون استبداده.إن العراقيين الذين يتطلعون إلي الأمام يتهيبون من أولئك الذين قد يسيرون علي الخطي التي يسير عليها الأنغلو ـ أمريكيون، فالأكراد علي وعي تام بالعداوة التي يكنها الأتراك الذين عاملوا أكرادهم بوحشية كبيرة، فقتلوا أكثر من ثلاثين ألفاً منهم في ثمانينيات القرن الماضي، ومحوا قري كاملة من الوجود، ورفضوا السماح للأكراد بحق استعمال لغتهم الخاصة بهم. وقد قام الأتراك بين الفينة والأخري بغارات في كردستان العراق للتفتيش عن مواقع خصومهم هناك وتدميرها. كما إنهم تحالفوا مع الأقلية التركمانية العراقية التي تؤلف نحو ثلث سكان كركوك لمنع الأكراد من الاستيلاء علي تلك المدينة ذات الحقول النفطية الكبري. يضاف إلي ذلك أن الأتراك قد عقدوا العزم علي الحيلولة دون إقامة دولة كردية مستقلة في شمال العراق والتي يعتقدون أنها ستشجع علي انشقاق الأكراد الذين يعيشون في تركيا.أما العرب السُنَّة، فعلاقاتهم مع العرب الآخرين متذبذبة بين المحبة والكراهية، ففي عام 1961 ادعي عبد الكريم قاسم أن الكويت جزء من العراق. ولم يكن هذا الادعاء جديداً، فإن الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1921 كانت تعتقد أن البريطانيين قد سرقوا الكويت من العراق. هذا وقد كان من المقلق للعراقيين في زمن قاسم ظهور ائتلاف لدول عربية أخري برئاسة الزعيم المصري القومي العربي جمال عبد الناصر يرمي إلي منعهم من ضم الكويت. إن بعض العراقيين يتخوفون حتي في الوقت الحاضر من أن كلاً من الأردن وسورية تتوق للسيطرة علي العراق.أما شيعة العراق، فمع أنهم غالباً ما يعتمدون علي الإيرانيين ويتحالفون معهم ثقافياً ودينياً، ولكنهم أظهروا مراراً وتكراراً عزمهم علي الدفاع عن العراق تجاه إيران. كان هذا موقفهم حتي أيام صدام حسين والذي كان عدد كبير من جيشه ومن ضباطه في الحرب العراقية ـ الإيرانية (1980 ـ 1988) من الطائفة الشيعية.وباختصار فإن الأكراد والسُنَّة العرب والشيعة العرب يشتركون في الخوف من دول الجوار، ويدركون أن اشتراكهم في الانتماء إلي العراق وان لم يكن مريحاً، غير أن أي شيء آخر قد يكون أسوأ مآلاً. امريكا وصدام وايرانإن ثروات النفط العراقية ستزيد من الضغوط علي المجموعات الإثنية والدينية في العراق. كان النفط علي مدي قرن من الزمان نعمة ونقمة للعراق. لقد بدأت الصناعة النفطية فيه بنوع من التلاعب العجيب الغريب، الدبلوماسي والتجاري، في ما بين الدول الأوروبية، فقد منح أول امتياز للتنقيب عن النفط في ما أصبح يعرف بالعراق إلي شركة انكليزية ـ ألمانية بتاريخ 28 حزيران (يونيو) 1914، أي بأقل من شهرين علي إعلان الدولتين الحرب إحداهما علي الأخري. من ثم، وفي خلال الحرب العالمية الأولي، وكجزءٍ من أشد المفاوضات الدبلوماسية عناءً في العالم اتفق الانكليز والفرنسيون علي أن ما سيصبح في ما بعد شمالي العراق سيذهب إلي فرنسا. ولكن ما إن شمّت الشركات البريطانية رائحة النفط قرب كركوك حتي جعلت حكومتها تمارس الضغط علي فرنسا لكي تتنازل عما كانت قد حصلت عليه. وما كان لفرنسا أن تتنازل عن شيء لأنها لا هي ولا بريطانيا كانت تمتلك تلك المنطقة في واقع الأمر، إذ كان الجيش العثماني ما زال يحتل المناطق التي فيها حقول النفط المحتملة. ولهذا فإن الانكليز لم يعيروا اهتماماً للهدنة التي كانوا قد عقدوها للتو مع تركيا وقاموا بطرد الأتراك منها. ولغرض إلقاء تركيا خارج العملية وافق الانكليز علي أن تتسلم تركيا عشرة في المئة من أي نفط يكتشف هناك، ولمدة خمس وعشرين سنة، كما وافقوا تلطيفاً للأمر الواقع بالنسبة إلي فرنسا علي أن تتلقي هذه الأخيرة ما يقارب الربع من أي نفط قد يعثر عليه. وبالطبع لم يجرِ التشاور مع أي أحد من العراقيين خلال تلك المفاوضات، لا بل ولا حتي مع أي أحد آخر، لمدة أربعين سنة قادمة.إن أمريكا، بعد أن ضمنت حصتها من نفط العراق، حصلت كذلك علي مشاركة في مسألة الحفاظ علي الهيمنة البريطانية في العراق، ففي عهد الرئيس آيزنهاور عقدت الولايات المتحدة الأمريكية حلفاً عسكرياً وسياسياً يعرف باسم حلف بغداد مع الحكومة العراقية التي كان يترأسها رجل بريطانيا الموثوق نوري السعيد والمكروه من عموم العراقيين. كان السعيد وملك العراق غفيصل الثانيف قد أطيح بهما في عام 1958 من قبل الجيش العراقي بزعامة الجنرال عبد الكريم قاسم.إن ذلك الانقلاب فتح علي ما بدا في ذلك الحين عصراً جديداً من الحرية للعراقيين، ولكن ذلك الأمل قد تلاشي قبل أن يتحقق. لم يكن الجيش مهتماً بالحرية بل بالسلطة فقط. لم تعثر الحكومة الجديدة علي أساس تبني عليه إجماعاً وانزلقت إلي نظام استبدادي بغيض. وقد أطيح بتلك الحكومة بدورها، فباتت السياسة العراقية مرةً أخري، كما كانت عليه في ثلاثينيات القرن الماضي، مباراة في لعبة الكراسي الموسيقية. وبعد سلسلة من الانقلابات الدامية كان الفائز هو مجموعة من المتآمرين الذين كانوا يؤلفون حزب البعث الذي سرعان ما سيطر عليه صدام حسين.ثمة أمر لا يجري البحث فيه كثيراً الآن، ففي خلال رئاسة ريغان وفي بدايات حكومة جورج بوش الأب كان لدي الحكومة الأمريكية علاقات وثيقة وداعمة لصدام. أما السبب فهو أنه في 22 أيلول (سبتمبر) 1980 شن العراق حرباً علي عدو أمريكا، الإسلامي الأصولي الثوري آية الله الخميني، وكان أنصاره قد أطاحوا بحليف أمريكا، حكومة الشاه في إيران. إن وجود عدو مشترك جعل العراق والولايات المتحدة يدخلان في سلسلة من العلاقات تبدو عند النظر إلي الماضي مذهلة جداً. كانت أمريكا مصممة علي ألا يخسر صدام الحرب. وقد بدا خلال عام 1983 أنه قد يخسرها، إذ بلغ عدد الجنود العراقيين الذين قتلوا في الحرب أكثر من مئة ألف وبلغ عدد الجرحي ضعف ذلك، وكانت القوات المسلحة الإيرانية علي وشك أن تحقق اختراقاً. لهذا قامت الحكومة الأمريكية بتزويد صدام بأحدث الصور التي تلتقطها الأقمار الصناعية والتي تبين مواقع القوات الإيرانية وتحركاتها، الأمر الذي قلب الوضع رأساً علي عقب لصالح العراق. إضافة إلي ذلك، قدمت الحكومة الأمريكية أو أقرضت نظام صدام حسين أموالاً وغذاءً كان من المحتمل من دونها أن ينهار الاقتصاد العراقي. كما انها زوّدت أو رتبت مع آخرين تزويد قوات صدام المسلحة بالقنابل العنقودية وكذلك بالأسلحة الكيماوية والبيولوجية بمعداتها وذخائرها، لا بل إنها قدمت بعض المساعدة نحو حصول العراق علي سلاح نووي. وأخيراً أرسل الرئيس رونالد ريغان مبعوثه الخاص إلي الشرق الأوسط، دونالد رامسفيلد، إلي بغداد في إظهار علني لتأييد صدام.صحيح، كانت هناك خلافات في تلك الفترة، ولا سيما بشأن استخدام الغازات السامة ضد القوي الكردية (التي جعلت صدام غير شعبي في أمريكا) وبشأن دعمه للكفاح الفلسطيني من أجل الاستقلال (الذي جعله غير شعبي في أوساط المحافظين الجدد). ولكن العلاقات بين الحكومتين ظلت ودية إلي مدة سنتين بعد انتهاء الحرب مع إيران حينما انتهك صدام التحريم المطلق في شؤون الشرق الأوسط، وذلك بتهديده استــــمرار إمدادات النفط.7