الخـروج مـن العـراق: خطـة عمليـة للانسحـاب الآن (6)
اكثرية الجنود لم يعرفوا موقع العراق علي الخريطة.. واثبتوا انهم بلداء فبعد اربعة اعوام لا زالوا جاهلين به وبسكانهننحدر نحو الهاوية لا يمكننا ربح الحرب ضد الارهاب إلا إذا أقنعنا مليوناً من المسلمين بأننا مجتمع عادلالخـروج مـن العـراق: خطـة عمليـة للانسحـاب الآن (6)جورج ماكغفرن ووليام بولكتنشر القدس العربي بعض فصول الكتاب الذي سيصدر عن مركز دراسات الوحــــدة العربية في بيروت وضعه الباحثان الدكتور جورج ماكغــــفرن والدكتور وليام بولك، ويقترح الباحثان في كتابهما خطة عملية للانســـحاب من العراق الآن .تقرير الأضرارالتأثير الواقع في امريكـا من جـراء حـرب العـراقان حرب العراق قد طالت حتي الآن أكثر من ضعف المدة التي استغرقها اشتراك امريكا في ما درج أجدادنا علي تسميتها الحرب العظمي. كان عدد الامريكيين الذين شاركوا في حرب العراق أقل من عددهم في الحرب العالمية الأولي أو الحــــرب العالمية الثانية أو الحرب في كوريا أو الحرب في فييتنام، أو في أكثر حروبنا دمويةً وهي الحرب الأهلية في ثمانينيات القـــــرن التاسع عشر والتي فيها قتل ستمئة ألف شاب امريكــــي أحدهما الآخر. مع ذلك، وكما سيتضح جلياً، فان الصراع في أنحاء العراق النائية ـ في جوانب كثـــــيرة منه ـ هو صراع من أكثر التجارب الامريكية احداثاً للصدمة.وقبل بدء ارسال الشباب الامريكي للقتال في العراق أشارت استطلاعات الرأي الي أن قلة منهم فقط كانت تعرف أين يقع العراق، لا بل ان واحداً من كل سبعة امريكيين في الولايات المتحدة من أعمار 18 الي 24 سنة، وهم الذين سيتأثرون بالحرب بالدرجة الأولي، يمكنه أن يحدد موقع العراق علي خارطة العالم. هذا ولا أحد منهم يعرف ما هي اللغة التي يتكلمها الناس هناك أو ما هي الديانة أو الديانات التي يعتنقونها أو كيف يتصرف المجتمع العراقي. وقد قيل في ما مضي ان الحرب هي الطريقة الالهية لتعليم الجغرافية للامريكيين . ولكنْ، أثبت الامريكيون أنهم تلامذة ضعفاء، فحتي بعد ثلاث سنوات من الحرب في العراق وجد استطلاع للرأي أجرته مؤسسة Roper في عام 2006 لصالح مجلة National Geographic أن ستة من كل عشرة من الشباب الامريكي ما زالوا غير قادرين علي تحديد موقع العراق علي الخارطة. ان جهل الامريكيين بشأن العراق أدي دوراً مهماً في رد الفعل العدائي الذي يبديه الجنود الشباب تجاه العراق وفي خيبة أملهم بنتائج تضحياتهم.من المدهش لبعض المراقبين في الخارج للمجتمع الامريكي ما يشاهدونه من عدم الميل الي الوئام مع الشعوب الأخري، علي الرغم من أننا من أصول ومنابت متنوعة. ان الأجانب بالنسبة الي جيلٍ بعد جيل من الجنود الامريكيين الذين يرسلون الي الخارج هم مغفلون (Geesers) (خلال الحرب المكسيكية)، أو زنجيون (Niggers) (خلال تمرد الفليبين)، أو Krauts Wops (خلال الحرب العالمية الثانية)، أو Slopes أو Gooks (خلال حرب فييتنام) أو Ragheads و حجي و زنوج التراب (Sand Niggers) الآن في العراق. غوهذه كلها نعوت تبتدع للازدراءف. ان العنصرية تطفو علي سطح المجتمع الامريكي دائماً وتتعاظم في أيام الخصام.ولا يقتصر الجهل علي الجنود فقط، بل يمتد الي مستويات عليا في الحكومة الامريكية، فقد كانت مجموعة من وزارة الخارجية الامريكية قد أعدت دراسة مفصلة بلغ حجمها عشرات المجلدات لارشادات الاداريين العاملين في العراق بعد الغزو، فلم يقرأها أحد من كبار المسؤولين الا بعد فترة طويلة من الاحتلال. يكتب بول بريمر في كتابه المنوه عنه آنفاً أنه لم يعرف قط بوجود تلك الدراسة الي أن قرأ عنها في الصحف بعد وصوله الي بغداد، ولكنه بالنتيجة سنحت له الفرصة بقراءة الدراسة البالغة خمسة عشر مجلداً . وقد استــــغرب الانكليز ـ وهم من ذوي الخبرة السابقـــــة في ادارة مناطق آسيوية محتلة ـ في اتصالاتهم مع كبار المسؤولين في الحكومة الامريكية، من قلة الاستعداد الذي قاموا به لما كان واضحاً أنه سيكون احتلالاً متطاول الأمد وباهظ الكلفة . ان هذا الافتقار للاستعداد سيحدد شكل الاحتلال الامريكي ويوضح جزئياً لماذا كانت حــــكومة بوش غير قادرة علي التغلب علي الأزمة التي خلقتها هي نفسها. القتلي من الجنودلقد كان للأزمة وجوه متعددة ولكن أقصاها وأشدها مأساويةً في أثرها علي الامريكيين كان موضوع الاصابات التي وقعت في صفوف جنودهم. لم يكن أحد سواء من السلطات المدنية أو العسكرية في الحكومة الامريكية متهيئاً لهذا الموضوع، ففي خلال الغزو الذي اعتمد أولاً علي الهجمات الجوية لغرض ضعضعة الجيش العراقي، ثم اعتمد بعد ذلك علي نشر مكثف للدروع لسحق التشكيلات العسكرية التي ظلت سليمة، كانت الاصابات الامريكية في حدها الأدني. ان الحرب بدت وكأنها كُسبت رخيصاً ، فمن الناحية العسكرية لم يكن هناك نزال. ولكن القيادة العليا الامريكية تجاهلت ما يعرفه جيداً الدارسون لشؤون الحروب: هناك فارق كبير بين كسب المعارك وكسب الحرب، فكما حدث في فييتنام، واذ جري كسب المعارك ضد الجيش المنكسر والمنهار معنوياً، فان الحرب دخلت مرحلة جديدة فاقت خلالها كثيراً الاصابات الامريكية التي وقعت في الصفوف العسكرية في مرحلة المعارك. ان عدد الوفيات في مرحلة المعارك والاحتلال حتي 29 تموز (يوليو) 2006 بلغ 2.578 قتيلاً، كما بلغ عدد الجرحي جروحاً بليغة والمعاقين أضعافاً مضاعفة لهذا العدد.ان كون هذا العدد من الاصابات لم يكن أكبر انما يعود الي سمة باهرة من سمات الحرب الحديثة، ألا وهي توافر المساعدة الطبية المتقدمة جداً من الناحية التقنية لأفراد القوات المسلحة، ففي خلال دقائق من الاشتباكات تجري معالجة الجرحي فوراً وهم في مكانهم أو يجري اخلاؤهم الي احدي المستشفيات. لذا، فبالتأكيد نقول ان عدداً من الجرحي (وهم 17.381 جريحاً حتي كتابة هذا الكتاب) الذين كانوا سيقضون نحبهم في حروب سابقة قد تم انقاذهم. هذ هي الأخبار الطيبة. أما الأخبار السيئة فان نحو نصف هؤلاء الجرحي من الذكور والاناث مصابون بجروح بالغة بحيث يمتد كفاحهم طوال الحياة للتعايش مع المعوقات التي أصابتهم. وكما قال ستيفان فين (Stephan Fihn)، وهو من دائرة شـــؤون المحاربين القـــدماء، لمراسل مجلة USA Today وليام م. ويلش (William M Welch) ان جروحهم هي في الغالب أشد قسوة مما كان الأمر في الحروب السابقة وذلك بسبب طبيعة حرب العصابات في المدن. أما الفرق اليوم كما قال فهو حدوث قطع متعدد للأطراف بفعل انفجار القنابل بالضد من الرصاصة أو الشظية التي تسبب جرحاً في الصدر أو المعدة وهو الأمر المعتاد في الحروب السابقة. ان الانفجارات خلفت لدي بعض الجنود رضة شديدة في المخ . هذه الرضة وهي نتيجة ارتجاج لم يتم التنبؤ بحدوثها، لا بل لم تسجل الا بعد ثلاث سنوات من الغزو. ان التنبؤات الآن تفيد بأن الرضة المخية ستصيب ما يصل الي خمسين ألفاً من الرجال والنساء.ان من مشاكل الاحصاء أنه غير كامل وهذا لا مناص منه، فعند اجراء الاحصاء لا تكون قد ظهرت حالات الموت أو الجروح بشكل كلي. وهناك مصدران للاصابات تبرز بشكل خاص وستسبب ضرراً للأفراد الامريكيين ولعوائلهم وللمجتمع الامريكي بأسره لسنين قادمة. المصدر الأول هو استخدام اليورانيوم المنضب في القذائف ضد الدروع. كنا قد أشرنا الي أن ذلك قد أحدث تأثيراً مفجعاً في الأطفال العراقيين، ولكنه أحدث تأثيراً كذلك في الجنود الامريكيين. ان هذا الاستخدام هو موضع جدل وكان شيئاً غير ملحوظ الا قليلاً في حرب الخليج عام 1991 وفي غزو العراق عام 2003. ان هذه الأسلحة تستمر في نفث الاشعاع مدة سنوات عديدة بعد استخدامها. كما ان الذين يطلقونها يخاطرون بظهور آثار الاشعاع عليهم. وقد يكون اليورانيوم المنضب مسؤولاً بشكل جزئي في الأقل عن أعراض حرب الخليج . وبما أن الجزئيات المشعة تحملها الرياح في عواصف الغبار الشديدة التي تهب في العراق فان جميع الجنود الامريكيين معرضون للاصابة بها. وهكذا فان نحو 169 ألفاً من مجموع الجنود الذين شاركوا في حرب الخليج عام 1991 والبالغ عددهم 580.400 جندي أصيبوا باعاقة دائمة بعد عشر سنوات. كما ان عدداً من المحاربين القدامي أصيبوا بالسرطان. وهناك قول بأن الذين أصيبوا بالاشعاع من اليورانيوم المنضب خلال حرب الخليج عام 1991 يمكن نقل اصابتهم الي الآخرين، وان كان هذا قولا خاضعا للجدل أيضاً، ولم يدرس حتي الآن الا قليلاً. وتري الجهات الطبية ذات الاختصاص أن الذين يتعرضون الي مستويات عالية من اشعاع اليورانيوم المنضب يمكن أن يؤذون زوجاتهم ما يضطرهن الي اجراء عملية قيصرية، كما يمكن أن يسببوا عاهات خِلقية في أطفالهم. لقد ألقيت مئات الأطنان من تلك الأسلحة في كلتا الحربين في العراق. وعلي أقل تقدير فان الآثار البعيدة الأمد قد تكون أليمة وخطيرة لمئات الآلاف من الشباب الامريكيين. ان بعض الجنود أصيبوا منذ الآن بالسرطان من جراء غزو العراق عام 2003. وقد قال المستشار الرئاسي الجنرال برنت سكوكروفت بعد حرب الخليج لعام 1991 ان اليورانيوم المنضب هو مشكلة عويصة أكثر مما كنا نتصور عند تطويره .هذا وكأن الضرر المادي لم يكن كافياً، اذ نجد أن التأثير في الصحة العقلية للجنود الامريكيين كان تأثيراً فائقاً. جاء في تقرير الجراح العام لشهر كانون الأول (ديسمبر) 2005، والمنشور في مجلة الجمعية الطبية الامريكية أن أكثر من ثلث الجنود ومشاة البحرية من الذين خدموا في العراق خلال غزو 2003 والاحتلال الذي أعقبه يراجعون لطلب المعالجة الطبية العقلية. ووفقاً لمسح سري أجرته وزارة الدفاع فان نحو ألفين من هؤلاء كانوا يشعرون بالقلق بأنهم سيقدمون علي ايذاء أجسادهم أو يفكرون بالانتحار، كما ان عشرة أضعاف هذا العدد يعانون من الكوابيس عند النوم بشأن ما فعلوه أو تعرضوا له. وكان نحو 3700 مراجع منهم يخشون أنهم سيفقدون السيطرة علي أنفسهم فيؤذون الآخرين. وأشار ذلك المسح الي أن الذين حاربوا في العراق كانوا قد شهدوا أناساً يجرحون أو يقتلون أكثر مما شهده الذين شاركوا في حروب أخري. ان عدد هؤلاء كبير الي درجة لا تستطع العيادات الطبية استيعابهم، لذلك فان ثلثهم من الذين يعانون من الاضطرابات النفسية المختلفة لا يتلقون العلاج. أما العدد المحدود من الذين يتلقون العلاج فانهم يكلفون دائرة شؤون المحاربين القدماء مبلغ 3.2 مليار سنوياً. أما تأثير اعاقتهم في قدرتهم علي الحصول علي عمل أو علي تكوين أسرة أو علي العيش مع الآخرين فهو أمر لا يمكن التكهن به الآن. بيد أن أعدادهم الضخمة تفيد بأن الاعاقة هي من الكلف الرئيسية غير المعروفة لحرب العراق، ففي عام 2005 كان خمسون ألفاً علي الأقل من المحاربين العائدين بحاجة الي رعاية نفسانية. وقد يكون غيرهم قد أصيبوا بطرق أخري لم تظهر بعد.ان لكل حرب من الحروب تأثيرها في عوائل المقاتلين. لا توجد الآن علي حد علمنا أية دراسة عن التأثير في العوائل من جراء موت أكثر من 2500 جندي، أو من جراء الاصابة البالغة لثمانية آلاف آخرين، أو من جراء أعراض حرب الخليج أو السرطان، أو الاصابة العقلية لعشرات الآلاف. ان هذه الصدمات تؤثر في المجتمع بأسره. هناك علي الأقل ألف طفل فقد أباً، أما عدد الأسر التي فجعت فأكثر من ذلك بكثير.هناك كذلك مسألة الكلفة المالية للحرب، وهي تستعصي علي الدقة في التقدير. كانت امريكا قد أقنعت بعض حلفائها بالمشاركة بحيث ان البعض يقولون انها حققت ربحاً قليلاً من حرب الخليج لعام 1991، ولكن هذا القـــــول غير صحيح. يقــول وليم نوردهــاوس (William Nordhaus)، في مقــــال نشرته مجـــــلة الشـــــؤون الخارجية (Foreign Aairs) في عددها الصادر في كانون الأول (ديسمبر) 2002، ان الكلفة المالية التي تحملتها الولايات المتحدة في حرب الخليج الأولي بلغت حوالي ثمانين مليار دولار، وهذا بقيمة الدولار كما كانت في عام 2002. وقدرت دراسة قامت بها مؤسسة راند أن كلفة الولايات المتحدة في الفترة ما بين الحربين بلغت ما بين 30 و60 مليار دولار سنوياً، أي ما مجموعه ما بين 300 و600 مليار دولار. وقد يكون هذا المبلغ أقل بكثير من المبلغ الحقيقي. كانت كلفة الغزو والاحتلال عام 2003 تقدر بمئات المليارات من الدولارات سنوياً. وهي الآن نحو 7.1 مليار دولار شهرياً، أي 237 مليون دولار يومياً، فاذا حسبنا هذه الأرقام الفلكية بحسب الساعات فان كلفة احتلال العراق تبلغ نحو عشرة ملايين دولار في الساعة الواحدة.كلفة الحربأما التحليل الأحدث والدقيق جداً لكلفة الحرب والاحتلال في العراق، فهو الذي أجرته كل من ليندا بيلمز (Linda Bilmes) وجوزيف ستيغليتز (Joseph Stiglitz) غ(17)ف، يقول الكاتبان ان تقديراتهما متحفظة جداً، وقد تكون الكلفة النهائية أعلي بكثير. كما ان التقديرات لا تشمل الكلفة التي تحملها للعراق أو المملكة المتحدة . لقد استخدم الكاتبان الطرق المعتادة في حسابات الميزانية وليس فقط تخصيصات الكونغرس المالية. لهذا أخذا بالاعتبار الرعاية الصحية مدي الحياة ومدفوعات الاعاقة للمحاربين العائدين، وكلفة تجديد المعدات العسكرية، والزيادة في كلفة التجنيد . انهما قدرا تأثيرات الحرب في أداء الاقتصاد بشكل عام. وقالا: انه حتي عند استخدام مقترب محافظ، وعلي افتراض أن القوات الامريكية كلها تكون قد عادت بحلول عام 2010، فاننا نعتقد أن الكلفة الحقيقية تتجاوز تريليون دولار. وعند استخدام التصور الذي وضعه مكتب الميزانية في الكونغرس لادامة القوات في العراق حتي عام 2015، فقد تتجاوز الكلفة الحقيقية تريليونين اثنين . ان هذا التقدير يبلغ ثلاثين ضعفاً للتقدير الذي وضعه وزير الدفاع رامسفيلد نيابة عن حكومة الرئيس بوش.ان هذا الرقم، علي ضخامته المذهلة، لا يأخذ بالاعتبار المسألة الصحية الناجمة عن البلوتانيوم المنضب، ولا ارتفاع أسعار النفط في الأشهر الأخيرة. كان الكاتبان قد أشارا الي أن النفط ارتفع سعره من 25 دولاراً للبرميل قبل الحرب الي 50 دولاراً للبرميل اليوم . وقد كان الرقم الأخير هو الذي اعتمد في جزء من حساباتهما. ولكن النفط ارتفع سعره منذئذٍ بنسبة 60 في المئة الي 80 دولاراً للبرميل الواحد، وهذا عند كتابة هذا الكتاب. وقد قدرت بيلمز، في مقال آخر عنوانه: شن حرب التريليون دولار ، أن كل ارتفاع بمقدار خمسة دولارات في سعر النفط للبرميل الواحد يقلل من دخلنا القومي حوالي 17 مليار دولار في السنة. وبما أن سعر النفط اليوم يزيد بثلاثين دولاراً عن الرقم الذي استخدمته الكاتبة هي وستيغليتز، فان دخلنا القومي سينخفض بمبلغ مقداره نحو 102 مليار دولار. يقول الكاتبان المذكوران في دراستهما انهما لم يتمكنا من قياس ما قد يعتبر الكلفة الأهم للمغامرة العراقية . سنحاول نحن الآن أن نتطرق الي بعض أنواع هذه الكلفة. سنتناول أولاً الكلفة التي تؤثر تأثيراً مباشراً في امريكا داخلياً، ثم نتناول الكلفة التي تؤثر في وضع أمريكا في العالم.وفقاً للحـــــساب الذي وضــــعه بيتر بيترسون Peter Peterson ،إن دماراً كهذا يصعب جداً ترميمه، فحتي العودة إلي الحياة الطبيعية تصبح مسألة إشكالية؛ فالجندي المسرّح سيعود ومعه ما تعلّمه. إن هذه التجربة ينبغي أن تشكل تحذيراً شديداً من الخطر الذي يتهدد القيم الغالية للمجتمع الأمريكي. ومما يدعو إلي الانتباه ونحن في خضم مأساة الحرب في العراق أن نجد مسؤولين في الحكومة الأمريكية يبحثون منذ الآن كيف تُشن حروب المستقبل، وأن نجد كبار مستشاري الحكومة يدعون إلي ما يرتقي إلي حرب أبدية. وحبذا لو أصغي هؤلاء إلي القول المريع الذي فاه به الجنرال شيرمان Sherman : إن الحرب هي الجحـــيم . وليتهم يتدبرون ما قاله إدموند بيرك Edmund Burke ، البرلماني المحافظ البريطاني في القرن الثامن عشر: يترتب علي الرجل صاحب الضمير الحي أن يكون حذراً كيف يتعامل مع الدماء . ومن الجدير بالملاحظة أن عدداً من دعاة الحرب من ذوي الأصوات العالية جداً هم من المنظّرين الذين لم يشهدوا معركةً قط.إن الحروب كلها وحشية، ولكن التمردات والتمردات المقابلة مرعبة بشكل خاص لأنها دائماً تدفع المشاركين فيها إلي عدم الالتفات حتي إلي المحاولات المتواضعة للإبقاء علي القتال ضمن حدود معقولة من إطار القانون وآداب السلوك. لقد شهد الأمريكيون الآن حدوث هذا في ثلاث من حروبنا: قمع الثورة الوطنية الفليبينية في عام 1900، وحرب فييتنام في ستينيات القرن الماضي، واحتلال العراق اليوم. إن القوات الأمريكية وضباط الاستخبارات قد قاموا في كل حربٍ من هذه الحروب، بأعمال من شأنها خلق كراهية عظيمة لأمريكا، وليس هذا فقط، بل إنها كذلك أفسدت القيم التي من أجلها نعلن أننا نقاتل. كانت تلك أحداث كبري، ولكنْ، وفي ما بينها، وفي سعينا من أجل الأمن ، تحالفنا أحياناً مع مجموعة من الطغاة الفاسدين وساعدنا دوائرهم الأمنية علي أن تتعلم أساليب التعذيب والتي ستثير حنقاً شديداً في العراق في ما بعد.التعذيب وتشويه صورة امريكالقد كان التعذيب هو الجانب الأوحد من الاحتلال الأمريكي للعراق الذي أعلن عنه علي نطاق واسع جداً، وقد شوّه ذلك سمعة أمريكا في العالم بأسره أكثر من أي شيء آخر. لقد كانت ممارساتنا في السجون في العراق مدعاة للعار إلي درجة أنها حُجبت عن الجمهور أطول مدة ممكنة. وعندما انتشر خبرها نظرت التحقيقات في الأسوأ شناعةً من التهم الموجهة. أما الذين أدينوا قانونياً حتي الآن فكانوا فقط الجنود وصغار الضباط ـ علي أن الذين تكلموا بصراحة زعموا أنهم كانوا يطبقون أوامر رؤسائهم. ونحن نعرف الآن أن لدي هؤلاء من الأسباب ما يدعوهم للاعتقاد بذلك، ففي 2 كانون الأول (ديسمبر) 2002 أصدر وزير الدفاع تخويلاً خطياً، لا بل توجيهات، باستخدام إجراءات يحرمها كتيب التعليم العملي للجيش الأمريكي بصفتها انتهاكاً لما ورد في المادة 3 منه، وهي التي تتكرر في مواثيق جنيف الأربعة كلها والتي تمنع التعذيب والمعاملة القاسية. إن كثيراً من الناس، الأمريكيين منهم والأجانب علي السواء، يعتبرون التعذيب الآن أمراً أمريكياً . وبما أن التعذيب قد جرت ممارسته في عدد من المواقع الأمريكية، ويتطلب معدات كثيرة (منها الطائرات النفاثة التي نقلت الأسري المختطفين إلي مراكز التعذيب)، ويتطلب كذلك عدداً كبيراً من الجنود ووكلاء الاستخبارات الأمريكيين ـ إضافة إلي عدد غير قليل من الأجانب (والإسرائيليين كما يقال) ـ فهو إذن عملية ذات تمويل واسع. إن الأفعال غير الأخلاقية وغير القانونية والمثيرة للاشمئزاز والتي تم توثيقها من قبل بعض القائمين بها (تماماً كما قام بعض النازيين بتوثيق أعمالهم الوحشية) هي الآن تشاهد في صور من قبل الملايين في أرجاء العالم علي شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد وعلي الإنترنت. ولا يمكن الآن توثيق التأثير الواقع للصورة الذهنية لأمريكا في عقول الناس، ولكن ما من أحد يعتقد أنها أقل من صورة كارثية. إن العراقيين وغيرهم من الآسيويين والأفارقة يقولون إن التعذيب يضع أمريكا في مصاف استبداد صدام حسين. إن كلمات أبو غريب و غوانتانامو و بغرام وغيرها هي الآن جزء لا يتجزأ من صورة أمريكا في أذهان الناس في العالم بأسره. كما إن الضرر المحتمل لا يقع فقط علي العلاقات الخارجية، فقد ذكر المستشار العام السابق للبحرية الأمريكية ألبيرتو مورا Alberto J. Mora الذي ناضل من أجل إيقاف سياسة التعذيب، قائلاً لمراسل مجلة نيويوركر ، جين ماير Jane Mayer إذا لم تعد القسوة أمراً يعلن عنه أنه غير قانوني، ولكنها تطبق عوضاً عن ذلك كسياسة، فإن هذا يغيّر العلاقة الأساسية بين الفرد والحكومة. إنه يدمر مفهوم الحقوق الفردية بأسره… فلئن جري هذا الاستثناء فإن الدستور يتهاوي بأجمعه. إنها قضية تحوّل الأمور من شيءٍ إلي آخر .لا يفكرون الا بممارسات امريكاهذا وحتي أولئك الذين يغلقون أعينهم عن التعذيب الآن يفكرون بأمريكا علي صورة حرب وحشية. إن فظاعة التدمير الذي جري في الفلوجة وتلعفر وغيرهما من المدن العراقية، وسبل التقارير عن القتل والاغتصاب قد أصبحت، كالتعذيب، هي الزاد اليومي لمشاهد التلفزيونات في أنحاء العالم. إن كل هذا قد غيّر من مفهوم الناس عن أمريكا والأمريكيين وغدا ذلك ملموساً تماماً. كان وليم بولك يستطيع السير في شوارع بغداد قبل أيام فقط من الغزو الأمريكي عام 2003، فيتحدث مع أصحاب الدكاكين والباعة المتجولين وأفراد الشرطة والمارة المستطرقين بحرية ومن دون خوف. أما اليوم فإن الأمريكيين لا يستطيعون أن يغادروا المنطقة الخضراء المحصنة إلا في أرتال من السيارات المدرعة والدبابات، والسمتيات تحوم حول رؤوسهم، لا بل حتي المواطنون الأمريكيون العاديون يشعرون أنهم غير آمنين الآن، ليس في العراق وحده وإنما في أنحاء من آسيا وأفريقيا، وحتي في أجزاء من أمريكا اللاتينية وأوروبا.أما بالنسبة إلي الممثلين الرسميين فالمسألة أدهي وأمر. حين كان جورج ماك غوفيرن سفيراً لأمريكا لدي منظمة الغذاء والزراعة التابعة للأمم المتحدة في السنوات التي سبقت الحرب فإنه كان يُستقبل أينما ذهب بحرارة وود. واليوم نجد سفراءنا يقبعون في قلاع صغيرة. والواقع أن المؤسسات الحكومية الأمريكية في الخارج وعددها يناهز الثلاثمئة محاطة بجدران كونكريتية مقاومة للرصاص، والأسلاك الشائكة، والحواجز المانعة لمرور المركبات والتي لا تخترق إذا اصطدمت بها، والمجسات الإلكترونية وكاميرات الفيديو تدور باستمرار. ثمة حرس مدججون بالسلاح وكلاب الهجوم وهم يراقبون من هب ودب. وقد جرت في بعض الأماكن إزالة المباني المجاورة، كما أغلقت الشوارع. وهكذا فإن المسؤولين الأمريكيين هم في واقع الحال محاصرون. إن الزائرين للسفارات يرونها وكأنها أقفاص ولا يقتصر الشعور بقرصة العداوة علي المسؤولين الرسميين وحدهم، تلك العداوة التي تضاعفت كثيراً بسبب حرب العراق، وإنما يمتد ذلك إلي غيرهم، حتي إن بعض رجال الأعمال الأمريكيين وجدوا أن مبيعاتهم قد انخفضت. هل هذه الصورة هي صورة ترسمها الانطباعات الشخصية من دون غيرها؟ انظر إذاً إلي ما تقوله استطلاعات الرأي، ففي الاستطلاع الذي أجراه مركز بيو للبحوث وشمل خمسة عشر ألفاً من الناس في عشرين قطراً في شهر أيار (مايو) 2003 ظهر أن هناك انحداراً في احترام أمريكا ومحبتها. حدث هذا علي الأخص في العالم الإسلامي، إذ قال مدير مركز البحوث المذكور آنفاً لقد بلغ الأمر إلي القعر . ولم يحدث هذا هناك فقط، ففي ألمانيا انخفضت النظرة الإيجابية نحو أمريكا من 61 في المئة في صيف عام 2002 إلي 25 في المئة عند الغزو الأمريكي في عام 2003؛ وفي فرنسا انخفضت من 63 في المئة إلي 31 في المئة وفي إسبانيا كان الانخفاض إلي 14 في المئة علي الرغم من أنها قدمت قوات عسكرية للاحتلال. وفي خريف عام 2004 قامت عشر من أكبر الصحف في العالم بإجراء استطلاع آخر، فأظهر أن الناس في كل مكان تفرّق تفريقاً حاداً بين الأمريكيين وبين الحكومة الحالية، وهذا علي الرغم من ادعاء الرئيس بوش أن الناس يكرهون حريتنا. كان ذلك التفريق سائداً حتي في أوساط حلفائنا الأوفياء، فبالنسبة إلي الإنكليز قال 21 في المئة فقط إنهم لا يؤيدون الأمريكيين ولكن أكثر من 60 في المئة منهم لا يؤيدون حكومة بوش، وهذا الرقم يصل إلي 77 في المئة بالنسبة إلي الذين تقل أعمارهم عن خمسة وعشرين سنة. كان هذا التناسب يسود في كل مكان، ففي جارتنا كندا قال 73 في المئة من الناس أنهم يودون الأمريكيين ولكن 36 في المئة فقط يؤيدون حكومة أمريكا؛ وفي فرنسا كانت الأرقام 72 في المئة ضد 25 في المئة، وفي إسبانيا 47 في المئة ضد 23 في المئة؛ وفي اليابان 74 في المئة ضد 34 في المئة، وفي أستراليا 72 في المئة ضد 36 في المئة؛ وفي المكسيك 51 في المئة ضد 30 في المئة، وفي كوريا الجنوبية 65 في المئة ضد 28 في المئة. وجواباً عن هذه المؤشرات لتدهــــور وضعنا في العالم شهدت وكيلة وزارة الخارجية الأمريــــكية لشؤون الدبلوماسيــــة العامــة، مارغريت تَتْوايلر Margaret Tutwiler ، أمام الكونغرس قائلةً: سيقتضينا الأمر سنوات من العمل الشاق، المركّز ، للخروج من هذا المأزق.أما آخر الاستطلاعات التي جرت في إنكلترا، فتظهر هبوطاً آخر يثير الحزن، فقد ارتأي الكثيرون أن إعادة انتخاب الرئيس بوش لولاية ثانية قد أزال التفريق الذي كان قائماً في السابق بين الحكومة والشعب.ويظهر للعيان خطران في الحال، أولهما أن عنف التمرد والتمرد المقابل يدفع العراق أكثر فأكثر نحو حرب أهلية إثنية ـ دينية بغيضة وفيها تتعرض سمعة أمريكا وحياة الأمريكيين للخطر. وثانيهما أن هناك خارج العراق حرباً دينية مشابهة تخوض بلادنا فيها حرباً صليبية أمريكية مسيحية ضد جهاد إسلامي. إن صراعاً كهذا قد يكون طويل الأمد. ويعتقد بذلك بعض كبار ضباطنا العسكريين مثل جوزيف هور Joseph P. Hoar ، وهو جنرال متقاعد من مشاة البحرية، كما إنهم حذروا لجنة القوات المسلحة ولجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي قائلــين: إننا نتطلع إلي الهاوية . وقال الجنرال المذكور نفسه لا يمكن أن تسنح لنا فرصة لتحقيق الأمن الذي نسعي إليه من الحرب ضد الإرهاب إلا إذا أقنعنا مليوناً من المسلمين بأننا في الحقيقة والواقع مجتمع عادل وبأننا نساند حقاً السلام والعدالة والمساواة للناس أجمعين 7