الخـروج مـن العـراق: خطـة عمليـة للانسحـاب الآن (7)

حجم الخط
0

الخـروج مـن العـراق: خطـة عمليـة للانسحـاب الآن (7)

الانسحاب ليس أمراً سياسياً بل هو مطلب استراتيجي.. كان العراق قبل الغزو خالياً من الارهابيين واليوم هو مرتع لهمأمةً تعاني من سياسة فاشلة وقائد مركبة ساذج لن تكون قادرة علي ان تحقق في المستقبل ما عجزت عنه في الماضيالخـروج مـن العـراق: خطـة عمليـة للانسحـاب الآن (7)جورج ماكغفرن ووليام بولكتنشر القدس العربي بعض فصول الكتاب الذي سيصدر عن مركز دراسات الوحــــدة العربية في بيروت وضعه الباحثان الدكتور جورج ماكغــــفرن والدكتور وليام بولك، ويقترح الباحثان في كتابهما خطة عملية للانســـحاب من العراق الآن .كيـف الخـروج مـن العـراق؟بحثنا في الفصول السابقة لماذا ينبغي علي أمريكا الخروج من العراق، وسنضع في هذا الفصل خطة تبين كيف يمكن انجاز الخروج بشكلٍ يخفف من الضرر الذي أصاب العراق وأمريكا معاً.انه لمن المفيد للولايات المتحدة ألا نترك وراءنا عراقاً يحفل بأناسٍ يكرهون أمريكا وسيطلبون الثأر لأنفسهم من جراء الحرب، فبعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال والاحتلال لا يمكن انجاز خروج كريم بشكل مثالي. انه لمن الأسهل دائماً الدخول في وضعٍ سيء من الخروج منه. ثمة مرارة كثيرة ضد أمريكا في العراق؛ فالكثير من الناس قد فقدوا أبناءهم وآباءهم وأجدادهم وجيرانهم وأصدقاءهم في ما يعتقدون أنها كانت حرباً غير عادلة واحتلالاً قمعياً. هذا ومهما كانت حسنات وسيئات النظام الاجتماعي القديم فانه قد تخلخل، فالذين كانوا بالأمس جيراناً هم الآن يخاف أحدهم الآخر. أما الممتلكات فقد دُمرت أو تضررت. وتلاشت أموال التوفير بفعل التضخم وقلة الدخل وكلفة المعيشة العالية جداً. والفئات العاملة فقدت معنوياتها بسبب تفشي البطالة. وقد بات الملايين من الناس يعانون حياةً بلا كهرباء أو ماء أو مجار صالحة للتخلص من النفايات. لا بد من الخروج من هذا الوضع الصعب جداً الذي تجد أمريكا نفسها فيه ولا بد من دفع الكلفة المترتبة علي ذلك. علي أنه كلما طال التأخير في مواجهة الواقع صارت تلك الكلفة أعلي. ان بعضها مرتفع الآن ولكن السيطرة عليها أفضل من الاستمرار في زيادتها. وما دمنا سنظل علي المسار فلنا أن نتوقع أن تمضي الحالة العراقية من سيء الي أسوأ وربما سريعاً.ان بعض الاجراءات التي اقترحت لمعالجة مشاكل محددة هي ليست سوي مسكنات. ومثل هذه الاجراءات خطرة لأنها مضلِلة: فهي في ظاهرها تقدم حلولاً وهي في الواقع انما تبرر عدم ايجاد حلول للقضايا الأساسية. ان بعضاً آخر من الاجراءات المقترحة قد تكون جذابة بذاتها ولكنها بمعزل عن برنامج منسق، لذا فمصيرها المحتمل هو الفشل. ان الاجراءات المنفردة لن تكون فعالة الا اذا كانت جزءاً من رزمة استراتيجية متماسكة. ومن تلك الاجراءات التي تعالج قضايا جوهرية الاجراءات المالية. وهذه هي التي تعود الأمريكيون عليها أكثر من غيرها، فاننا كشعب براغماتي وجهته مزاولة الأعمال، نحسن تنظيم تلك الفعاليات المالية. أما الاجراءات الأخري فهي أكثر تعقيداً، كما انها اجراءات غير ملموسة. فالي جانب الاجراءات المالية، لا بل قبل اتخاذها، لا بد من ايماءات هي في الأساس سياسية وأخلاقية. أولي الايماءات هي الاقرار بحق العراقيين الأساسي لادارة شؤون حياتهم بأنفسهم.يعتقد عدد كبير من الأمريكيين أن العراقيين لم يحسنوا عملهم جيداً في ادارة حياتهم في الماضي، وبالنظر الي ما ينشأ عن الاحتلال والتمرد فلا يحتمل أن يحسنوا ذلك العمل في القريب العاجل. وهم علي حق. فالصحافة مليئة بالتقارير عن النزاعات في ما بينهم، اذ يقوم السُنَة والشيعة بمهاجمة بعضهم بعضاً، كما ان الأكراد عازمون علي تحقيق الابتعاد عن الدولة العراقية الي الحد الأقصي. وبالتالي فان بعض الأمريكيين يعتقدون أن علينا ادارة حياتهم وتزويدهم بـ الأمن قبل اعطائهم فرصة للافصاح عما يريدون. ومنهم من يعتقد أن علينا تقسيم العراق الي ثلاثة أقسام. وقد يحدث هذا كما هو متصور، ولكنْ لا يعود الأمر الينا لكي ننفذ ذلك، وهو بالتأكيد سيعمل ضد مصالحنا وضد مصالح العراقيين. هذا وقد أعلنا عزمنا كذلك علي تحويل العراقيين الي أمريكيين، أي بعبارة أخري تحويل العراقيين الي ديمقراطيين . ولكن كانت الديمقراطية في التجربة العراقية مفهوماً أجوف في أحسن الأحوال، كما ان كلمة الديمقراطية غالباً ما تستعمل للتغطية علي الامتيازات الخاصة أو الاستبداد. ان الطرق التي نعبر بها نحن تكرسنا للديمقراطية، ومنها اعلان دستور واجراء انتخابات، وكانت طرقاً جرت محاولات للأخذ بها برعاية الانكليز في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، ولكنها لم تفض في العراق الي ما نري أنه يمثل سيطرة شعبية علي الحكومة، أو يمثل ديمقراطية. ومن غير المحتمل أن تؤدي تلك الطرق الي ذلك في المستقبل المنظور. ان علي العراقيين أن يجدوا لأنفسهم نظاماً يستطيعون معه العيش بسلام وأمن وحرية بدرجة معقولة. ولن يكون ذلك النظام بالتأكيد هو النظام الذي عندنا أو ما نرغب في أن يكون عندهم، ولكننا لن نستطيع أن نجبرهم علي العيش بطريقة غريبة عن ثقافتهم. كانت محاولتنا القيام بذلك فشلاً ذريعاً في تصورنا لمعني حربنا. قال الرئيس بوش اننا هناك لجعل العراق آمناً من أجل الديمقراطية وان العراقيين سيشعرون بالامتنان منا. علي العكس، فالعراقيون يعتقدون أننا نحاول أن نفرض عليهم طريقة غريبة للحياة. لهذا فهم يكافحون ضدنا ليس فقط لأننا أجانب بل لأننا كذلك أجانب نهاجم ثقافتهم. ان سياسة التدخل العسكرية التي أقنع المحافظون الجدد حكومة بوش باتباعها لن تنفع. انها مدعاة استياء عميق. وعلينا أن نقبل بهذه الحقيقة. فلم يكن تأكيد الرئيس وودرو ويلسون (Woodrow Wilson) علي تقرير المصير للشعوب مجرد ضرورة سياسية بل ضرورة استراتيجية كذلك. ان القومية لم تزل أشد مذهب قوةً في زماننا، فهي قد هزمت في بلدٍ بعد آخر محاولات الدول الغنية والقوية والمسيطرة لقلب واعادة صب حيوات الشعوب التي تقهرها. وباختصار، وكما رأينا في ثلاث سنين من الحرب، فان هناك حدوداً لقوتنا ويجب علينا أن نتكيف بحسب هذه الحقيقة.خطر البلقنةبيد أن تيارات التقسيم الكامنة في القوميات المختلفة هي التي توقد النيران الخافتة للوحدة. لقد قلنا انه في الوقت الذي تتعرض فيه وحدة العراق للخطر ـ وان خطر التقسيم سيتعاظم ما دام الاحتلال مستمراً ـ فثمة قوي كثيرة تمسك البلاد معاً. ومن هذه القوي قوة الادراك للمخاطر التي سيواجهها مجتمع يقع فريسة للبلقنة من دول مجاورة، وللاضطراب الفظيع الذي يسببه بلا شك انحلال الدولة القومية. اننا لا نستطيع التنبؤ هل أن العراقيين سيكونون في نهاية المطاف بدرجة من الحكمة للتغلب علي هذه المخاطر، كما سنكون من الغباء بمكان اذا حاولنا أن نقوم نحن بذلك عوضاً عنهم. والواقع أن ذلك سيثير أعمق الاستياء في نفوس العراقيين. ان الفكرة القائلة ان بوسعنا أن نكيف حياة العراقيين بشكل كلي هي أحد الأوهام التي قادتنا بالدرجة الأولي الي الخوض في رمال العراق المتحركة، وان الاستمرار في محاولتنا ادارة هيكل العراق ذاته لن يساعدنا علي الخروج. ان الشعب العراقي، كالشعب الفييتنامي، حتي وهو في خضم صراع مرير ضدنا، انما يريد ما نطالب به نحن لأنفسنا، ألا وهو الحق بحكم نفسه بنفسه بطريقة يعتقد أنها تفضي الي تحقيق أغراض الاستقلال. ان الشعب في كل مكان، وبالتأكيد في العراق، يعتقد أن تقرير المصير هو حق أساسي. ان هذا الحق من الحكمة أن نتجنب انتهاكه ونحن نحاول الخروج من الهوة التي سقطنا فيها. وكما قال الرئيس ويلسون حين حاول اعادة تنظيم الأولويات الأمريكية في نهاية الحرب العالمية الأولي، ان هناك شيئاً واحداً فقط يمكنه أن يربط الناس بعضهم ببعض، وذلك هو الاخلاص المشترك للحق . ان صدي هذه العاطفة قد تردد بعيد غزو 2003 في كلام الكاهن كونراد ريزر (Konrad Raiser) ، السكرتير العام لمجلس الكنائس العالمي، الذي قال ان الحق يجب أن يحدد ضمن اجماع عالمي، أي ذلك الذي دعاه توماس جفرسون (Thomas Jeerson) احتراما لائقا لآراء الجنس البشري ، فما لم تحترم أمريكا الحق الأساسي للشعب العراقي بتقرير مستقبله، فان سمعتها في المجتمع الدولي التي شوهتها حرب العراق لن تُستعاد. ان اعادة اسم أمريكا الحسن ومقامها الجيد في العالم الي ما كان عليه سابقاً سيتطلب مزيجاً من العلاجات السياسية والأخلاقية والمالية، وبهذا وحده نستطيع نحن ـ ويستطيع العراقيون ـ تحقيق أحسن نتيجة ممكنة لوضع سيء ومتدهور. وبالتالي فان من المهم جداً لأمن الولايات المتحدة ـ ولترعرع التوجه نحو الحرية والديمقراطية في العراق وهو توجه لم يزل واهناً ـ أن تجد أمريكا الوسائل لانهاء الحرب في العراق بسرعة وذكاء، وبطريقة من شأنها أن تملأ من جديد، أو في الأقل ألا تجفف، ما سماه ويندل ويلكي (Wendell Willkie)، المرشح الجمهوري السابق لرئاسة الجمهورية الأمريكية، بـ خزان حسن النية ، تلك التسمية التي يجدر ألا تنسي. ان ذلك الوداد العمومي لبلادنا كان هو القوة العظمي لأمريكا. وهكذا، وكما قال جفرسون، دعونا نسارع الي استرداد خطانا والي الوصول من جديد الي ذلك الطريق الذي هو وحده يقودنا الي السلام والحرية والأمان .واذ سنقوم وبشكل متسلسل ابتغاءً للوضوح، بالبحث في الخطوات التي نحتاج الي اتخاذها علي طريق جفرسون، فاننا نؤكد أنها يجب أن تعتبر عناصر في أجندة يجري تنفيذها بصورة مشتركة. سنقوم في الفقرات التالية بابراز الفئات الرئيسية للعمل والتي يمكن أن تتجه بالعراق وأمريكا والمجتمع الدولي نحو عالم ما بعد الحرب، والذي نريده أكثر أمناً ورصانةً وتهذيباً. كذلك سنحاول أن نقوم اطاراً زمنياً وتقديرات عمومية للكلف والمنافع لكل عملٍ نقترحه. ونبدأ بالمتطلب الأساسي ألا وهو انسحاب قواتنا مع الفصائل العسكرية الصغيرة التابعة لأقطار أخري.ـ ان البقاء في العراق ما هو بخيار، فحتي أولئك الأمريكيون الذين كانوا من أشد التواقين لغزو العراق، فان أغلبيتهم الآن تحثنا علي ايجاد طريقة للخروج. ومن هؤلاء ليس فقط الاستراتيجيون المدنيون و الصقور ، بل أيضاً القادة العسكريون والجنود المقاتلون الذين ينتظرون الخروج بحماسة شديدة. لا بل حتي العراقيون الذين يعتبرون من أشد أنصار أمريكا من قبل كبار المسؤولين لدينا عازمون علي خروج العساكر من بلادهم. وقد قام وزير الخارجية العراقية الأسبق عدنان الباجه جي وهو أبرز المسؤولين العراقيين الباقين علي قيد الحياة بكتابة رسالة خاصة الي وليم بولك (William Polk) قال فيها: الحقيقة هي أن جميع العراقيين بدون استثناء يريدون رحيلاً مبكراً للقوات الأجنبية . وقد دعم قوله هذا استطلاعات قامت مجلة USA Today وفضائية سي.ان.ان (CNN) ومؤسسة غالوب، أظهرت أن 81 في المئة من العراقيين يعتبرون الأمريكيين كمحتلين لا كمحررين. ان هذا هو واقع الحال في العراق. ويجب علينا أن نقر بحق العراقيين بأن يطلبوا منا الرحيل وبتحديد تاريخ قطعي للانسحاب.الانسحاب مطلب استراتيجيان الانسحاب ليس أمراً سياسياً ملحاً فحسب، بل انه كذلك مطلب استراتيجي. كان العراق قبل الغزو الأمريكي خالياً من الارهابيين. أما اليوم فان العراق، كما يقر القادة الأمريكيون وكبار المسؤولين المدنيين والعسكريين بشكل متكرر، قد أصبح مرتعاً لتجنيدهم وتدريبهم. وكما قال الجنرال وليم أودوم (William Odom) ، الرئيس السابق لوكالة الأمن القومي، اننا نحقق غايات بن لادن . وكلما طال أمد بقاء القوات الأمريكية في العراق ازداد الشعور لدي العراقيين وغيرهم بأن أمريكا هي عدوٌ لهم، وازداد تدفق المجندين في صفوف المعارضين لأمريكا ليس فقط في العراق وحده بل في أمكنة أخري. ان الخطوة الأولي في عملية وقف النزيف للمصالح الأمريكية هي انسحاب قواتنا. وبما أن مصروفات الولايات المتحدة تبلغ حالياً 237 مليون دولار تقريباً في اليوم الواحد ـ أي عشرة ملايين دولار في الساعة الواحدة ـ ومع تزايد الكلف بنسبة 30 في المئة سنوياً علي وجه التقريب، فان لدي أمريكا مصلحة مالية بالامتثال لطلب العراق بانسحاب مبكر. اننا نقترح أن انسحاباً علي مراحل ينبغي أن يبدأ يوم 31 كانون الأول/ديسمبر 2006 أو قبله، مع الوعد ببذل جميع الجهود لاكمال الانسحاب بحلول 30 حزيران/يونيو 2007.ان الانسحاب لن يكون من دون كلفة مالية، وهي كلفة لا مفر منها، ولا بد من أن تدفع ان عاجلاً أو آجلاً. وقرار الانسحاب سريعاً لن يتطلب مصروفات اضافية، بل علي العكس، انه سيؤدي الي وفر كبير، ولكنه سيتطلب تخطيطاً دقيقاً. ولنكن صريحين للغاية: اننا لا نوصي بما يسميه معارضو الانسحاب بأننا نلوذ بالفرار (Cut and Run) . ان ما نوصي به سيجنبنا الخروج بالقوة، ذلك أن القوات الأمريكية ستخرج بشكل منظم، وفق جدول معقول، وبطريقة ستحول من دون وقوع مزيد من الأضرار علي المصالح الأمريكية. من هذه المصالح تجنب الأذي الذي يمكن أن يلحقه المشعوذون بمجتمعنا اذا أعطيت لهم فرصة استخدام الانسحاب لتفريقنا شِيَعاً. علينا أن نتذكر ما فعله النازيون في ألمانيا ـ فقد قالوا لشعبهم ان جيشهم انتصر في الحرب العالمية الأولي، ولكنه طُعن من الخلف من قبل السياسيين الخونة في الداخل. وقد حاول بعض الساسة الفرنسيين الذين لا يشعرون بالمسؤولية أن يلجأوا الي التكتيك نفسه بعد حربهم الكارثية في الجزائر، ومن المؤسف أن نقول ان بعض الأمريكيين أطلقوا تهماً مشابهة عند نهاية حرب فييتنام، اذ زعموا أن الجيش ما ان ربح الحرب حتي خانه السياسيون، ولكن في كلا هاتين الحالتين وفي العراق اليوم، لم تنجز القوة العسكرية في الحقيقة الأهداف المعلنة للحرب. ان غزو العراق كان من بعض الجوانب فشلاً ذريعاً أكثر من فشل تجربتنا المحزنة والدموية في فييتنام. ان نائب الرئيس ديك تشيني (Dick Cheney) مستمر في معارضته للانسحاب كما فعل في برنامج لفضائية (CNN) في 22 حزيران/يونيو 2006. لقد أكد قائلاً: ان أسوأ شيء ممكن علي الاطلاق يمكننا أن نقوم به الآن هو تشجيع الارهابيين علي القيام بما يريدوننا أن نقوم به بالضبط وهو أن نرحل . علي العكس، فلو كان الارهابيون أذكياء لأرادوا منا أن نبقي لأننا نهييء لهم الظروف التي يزدهرون فيها. ثمة دراسة أجراها معهد الدراسات الاستراتيجية في كلية الحرب التابعة للجيش الأمريكي توضح أن التمرد في العراق يأخذ بالانتشار ويصبح فتاكاً أكثر فأكثر كنتيجة لسياسة الولايات المتحدة. كما ان فريقاً خاصاً من الباحثين كان قد شكله معهد كاتو (Cato) الذي يدين بمذهب الحرية قد رأي جازماً أن وجوداً عسكرياً طويل الأمد في العراق سيكون كارثياً للولايات المتحدة . لذا يجب بذل جميع الجهود لتحقيق انسحاب القوات الأمريكية عاجلاً بأقل ما يمكن من الضرر لأمريكا والعراق معاً.فلنتحدث بصراحةفلنتكلم بصراحة: ان الانسحاب سيسبب ضرراً. ولكن الضرر لا مناص منه سواء بقينا في العراق أم انسحبنا منه، ففي نهاية أي تمرد قمنا بدراسته تفجر قدر معين من الفوضي، اذ يقوم المشاركون فيه باعادة تكييف علاقاتهم أحدهم بالآخر وبالسعي الي انشاء نظام مدني جديد بحسب شروطهم. ان هذا الاضطراب المتوقع يدع مجالاً للقول ـ والذي لم يزل يقول به بعض الصقور المجاهرين بتطرفهم ـ ان علي الأمريكيين أن يستمروا بالبقاء علي المسار علي حد تعبير الرئيس بوش. وهذا كلام زائف، فحين يكون سائق مركبةٍ ما سائراً في الطريق الخطأ ومتجهاً نحو الهاوية فان البقاء علي المسار هو فكرة سيئة. ان أمةً تعاني من سياسة فاشلة وباهظة الكلفة لا يخدمها بشكل حسن أولئك الذين يدعون الي المزيد من هذه السياسة ذاتها. كذلك فان من السذاجة أن نظن أن بوسعنا أن نحقق في المستقبل ما فشلنا في تحقيقه في الماضي. اننا عاجزون عن منع حدوث الاضطراب عند انسحابنا كعجزنا عن ايقاف التمرد عند حد. ولكننا حين ننسحب فاننا سنزيل سبباً رئيسياً من أسباب التمرد. وكما قال الميجر برنت ليلي (Brent Lilly) ، رئيس فريق الشؤون المدنية لمشاة البحرية، لمراسل جريدة واشنطن بوست (Washington Post) في 4 آب/أغسطس 2006 فانه ما من أحدٍ يريدنا هنا.. فاذا غادرنا تتوقف الهجمات كلها، لأننا سنكون غير موجودين ، يضاف الي ذلك أن بوسعنا مساعدة العراقيين ـ وحماية مصالحنا ذاتها ـ بتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية وبصقل حافات النزاع. والطريقة الأولي التي نستطيع بها المساعدة هي الاسهام في مجهود للتجسير بين الاحتلال والاستقلال التام.ولتحقيق هذا الهدف، فان من الحكمة أن تطلب الحكومة العراقية قوة شرطة دولية لأمد قصير لتعمل خلال فترة الاحتلال وبعدها مباشرةً. يكون لهذه القوة واجب مؤقت فقط، مع وضع تاريخ محدد مسبقاً لانسحابها. ونقدر أن العراق سيحتاج الي مثل هذه القوة لمدة تناهز السنتين بعد الانسحاب الأمريكي بشكل كامل. وفي خلال تلك الفترة يجري تخفيض عدد هذه القوة بتؤدة ولكن باستمرار، علي أن يشمل التخفيض عدد الأفراد ومدي الانتشار. وتكون أعمال القوة مقتصرة علي تثبيت الأمن العام في البلاد. وبالتالي فان سلاح قوة الشرطة هذه ينبغي أن يكون محدوداً. لن تكون هناك حاجة لها للدبابات أو المدفعية أو الطائرات الهجومية، بل يقتصر السلاح علي المعدات الخفيفة. وهي لن تحاول مقاتلة المتمردين كما فعلت القوات الأمريكية. والواقع أنه بعد انسحاب القوات النظامية الأمريكية والبريطانية والمرتزقة الأجانب التي يناهز عددهم خمسة وعشرين ألفاً، فان التمرد، الذي كان يهدف الي تحقيق هذا الهدف، سيفقد تأييد الرأي العام؛ ومن دون ذلك التأييد ولعدم وجود هدف وطني مشروع للتمرد فانه سيفقد سلطانه. عندئذٍ اما أن يلقي المسلحون سلاحهم أو يصبحون خارجين عن القانون. كانت مثل هذه النتيجة هي حصيلة التجربة للتمرد في الجزائر وكينيا وايرلندا وفي غيرها.فاذا استحسنت الحكومة العراقية هذا الاقتراح، فانها ستجد أن مثل قوة حفظ الاستقرار الدولية هذه مقبولة جداً اذا تألفت من الأقطار العربية أو في الأقل من الأقطار الاسلامية. ولا بد من أن يكون من المحتمل، وعلي وجه التخصيص، الحصول، وبرعاية الجامعة العربية أو الأمم المتحدة، علي فرق من ثلاثة آلاف فرد مثلاً من كل من المغرب والجزائر ومصر. واذا أمكن اقناع الأردن وسورية بالتخلي عن دعاواهم بشأن حكم العراق، فان من الممكن اشتراك قوات منهما في القوة المقترحة. أما اذا تطلب الأمر قوات اضافية، أو اذا كانت أي من الحكومات غير مقبولة من العراق، أو كانت هي ذاتها غير مستعدة للمشاركة، فان من الممكن الطلب من بعض الأقطار الاسلامية كباكستان وماليزيا واندونيسيا المشاركة بقوات منها. وقد تشرك أقطار أخري بحسب خيار الحكومة العراقية.سيكون من منفعة العراق وأمريكا معاً أن تقوم الولايات المتحدة بدفع كلفة هذه القوة. فاذا افترضنا أن كلفة القوة هي خمسمائة دولار للفرد الواحد يومياً وأن خمسة عشر ألفاً من الأفراد سيشكلون القوة ولمدة سنتين، فستكون الكلفة العمومية نحو ستة مليارات دولار. وهذا يعادل علي وجه التقريب 2 في المئة من الكلفة التي تتحملها أمريكا عن فترة مشابهة من الاستمرار في الحرب. وهكذا ستكون القوة المقترحة بمثابة توفير مالي كبير للأمريكيين ـ ناهيك عن تجنب حدوث الاصابات في صفوف جنودهم ـ كما انها ستعطي العراق فرصة زمنية كافية لمساعدته في الابلال من صدمة الاحتلال بشكل لا يمس الحساسيات الوطنية.هذا وينبغي أن يُدفع العون المالي الأمريكي الي الحكومة العراقية، لتقوم هذه الحكومة عندئذٍ بـ استئجار خدمات القوات علي أساس حكومة مقابل حكومة. اضافة الي ذلك، وبما أن القوة العسكرية الأمريكية لديها الآن أعداد هائلة من المعدات في العراق، فان أجزاء مناسبة منها (خصوصاً وسائل النقل ووسائل الاتصالات والأسلحة الخفيفة) يمكن أن تسلم الي هذه القوة الجديدة المتعددة الجنسيات عوضاً عن اعادة شحنها الي الخارج أو تدميرها.ـ اذا طلبت الحكومة العراقية، خلال فترة الانسحاب، مساعدة أمريكا فعلي هذه القيام بكل ما في وسعها للمساعدة في تكوين وتدريب قوة شرطة وطنية دائمة تتألف من مواطنين عراقيين وذلك لتحل محل القوة الدولية المؤقتة. ان من مصلحة العراق الوطنية ومن مصلحة الحكومة الحالية أو أي حكومة أخري تتألف في المستقبل، أن توفر بأسرع وقت ممكن الأمن العام لمواطنيها. وما أن تنسحب القوات الأمريكية فان من غير المحتمل أن يستمر الجمهور العراقي في مساعدة المتمردين. لذا فان من المؤكد أن ينخفض مستوي القتال. كان هذا ما جري في كل حرب عصابات أخري مشابهة. ولكن ما ان يفقد التمرد تبريره الوطني حتي تظهر مخاطر جديدة لتواجه العراق، ومنها خطر ظهور أمراء الحرب (كما حدث في أفغانستان)، وغير ذلك من أشكال الاجرام الواسع النطاق. ومن أفضل الطرق لمعالجة هذا الانهيار في النظام العام هو مزيج من قوة الشرطة الوطنية الخاضعة لسيطرة الحكومة المركزية وحراس محليين في الأحياء والقري ومناطق العشائر.صعوبات تأسيس قوة وطنيةـ ان تأسيس قوة شرطة وطنية في العراق هو في غاية الصعوبة. فقد تفاقمت الانقسامات الاثنية والدينية والسياسية الاقليمية بفعل الاحتلال. وهي الآن انقسامات مريرة بدرجة من الحدة بحيث انها قد تحول من دون وجود منظمة موحدة في الوقت الحاضر في الأقل. لهذا السبب، ولغيره، يحتاج العراق الي فترة تهدئة، والي مساعدة أمنية متعددة الجنسيات بعد الانسحاب الأمريكي. ومن الواضح أن أمريكا لا يمكن أن تكون هي الجهة التي تتغلب علي ارث الماضي الحزين، فبعد ثلاث سنوات من الجهد الأمريكي نجد أن الشرطة هي عبارة عن قوة مهلهلة لا تحسن أداء وظائفها علي الشكل الصحيح ما أدي الي ايصال العراق الي حافة حرب أهلية (25). ان انشاء قوة شرطة وطنية يمكن استخدامها بالحدود الدنيا هو مهمة وطنية عراقية ويجب أن يكون كذلك، وسيكون التدخل الأمريكي فيه (كما كان سابقاً) أمراً يعطي نتائج عكسية. ان انشاء قوة شرطة وطنية وترسيخها سيتطلب بضع سنين قد تتراوح من أربع الي خمس سنوات، وان كانت ستبدأ العمل تدريجياً من بداية الجلاء الأمريكي وتأسيس قوة حفظ السلام العربية أو الاسلامية. اننا نقترح أن تتضمن حزمة الانسحاب الأمريكي توفير مبلغ مليار دولار لمساعدة الحكومة العراقية لتأسيس تلك القوة وتدريبها وتجهيزها. ان هذا المبلغ يشكل علي وجه التقريب كلفة أربعة أيام فقط من الاحتلال الأمريكي.ان قوة الشرطة الوطنية يمكن الي درجة كبيرة، سواء رغبت حكومة الولايات المتحدة أو أي حكومة عراقية أو لم ترغب في ذلك، أن تُرفد بحرس شعبي يتألف من أبناء مناطق السكن والقري والعشائر. ان مثل هذه المجموعات أمر تقليدي في المجتمع العراقي. ولكنها في الظروف الحالية تشكل سيفاً ذا حدين. انها علي أية حال تعكس الطوائف الاثنية والدينية والسياسية التي تقوم بحراستها، والتي أتي أفرادها من بين صفوفها. وطالما كانت هذه المجموعات مقتصرة علي طوائفها وتخضع لمراقبة دقيقة من قبل حكومة منفتحة ورؤوفة نسبياً، فانها ستساعد علي توفير الأمن، وتتيح المجال أن تسير الأمور بشكل طبيعي خارج مناطقها، بيد أنها مجموعات ستهدد النظام العام. هناك طريقتان لضبط هذه المجموعات: الأولي شرطة حكومية مركزية، والثانية زعماء الطوائف التي تعود اليها. وليس هناك دور مفيد لتقوم به أمريكا في هذا الميدان كما أظهرت التجربة علي أمريكا أن تطلق في الحال سراح أسري الحرب الذين تحتجزهم، وأن تغلق مراكز الاعتقال التابعة لها. انها قد بدأت سلفاً بهذه العملية وان علي نطاق صغير (انظر ص 115 ـ 116 لاحقاً).ـ ليس من مصلحة العراق التشجيع علي تنامي تسليح ثقيل لجيش عراقي يعاد تأسيسه. ويترتب علي الحكومة العراقية المدنية أن تأخذ في الاعتبار عند النظر في سياستها لانشاء جيش عراقي نظامي ما قامت به الجيوش العراقية السابقة من أعمال متكررة ضد الحكومات المدنية والمواطنين العراقيين. لم تكن الجيوش العراقية من مصادر الدفاع بل من مصادر التمزق. وهكذا والي أن يتاح للمؤسسات المدنية التي توفر التوازن، الوقت الكافي والفرصة المؤاتية للنمو والازدهار، فان تأسيس جيش هو في غير صالح العراق. ان أمريكا لا تستطيع أن تمنع اعادة تأسيس جيش عراقي، ولكنها عليها ألا تقوم، كما تفعل الآن، بالتشجيع علي ذلك بكلفة تقدر بمبلغ 2.2 مليار دولار. ان عليها كلما كان ذلك ممكناً أن تشجع علي نقل الجنود الذين قامت بتجنيدهم سلفاً الي قوة شرطة وطنية أو الي فرقة اعمار وطنية علي غرار نموذج معدل لفريق المهندسين الأمريكي لكي يتولي اعادة بناء البنية التحتية التي دمرتها الحرب.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية