الخـروج مـن العـراق: خطـة عمليـة للانسحـاب الآن (الاخيرة)
لم يستقبلنا العراقيون كمحررين ولم ينثروا الزهور لنا.. لاننا اتبعنا هوي المحافظين الجدد وتصرفنا كمحتليناذا لم تنسحب امريكا من العراق فالحرب ستتواصل ومعها ستستمر أكفان الجنود القتلي والمصابين بالتدفق الخـروج مـن العـراق: خطـة عمليـة للانسحـاب الآن (الاخيرة)جورج ماكغفرن ووليام بولكتنشر القدس العربي بعض فصول الكتاب الذي سيصدر عن مركز دراسات الوحــــدة العربية في بيروت وضعه الباحثان الدكتور جورج ماكغــــفرن والدكتور وليام بولك، ويقترح الباحثان في كتابهما خطة عملية للانســـحاب من العراق الآن .تقديم التعازيـ وأخيراً فان علي أمريكا أن تقدم تعازيها غبمعني أن تعتذرف عن العدد الكبير من العراقيين الذين قتلوا أو شُلّوا أو احتجزوا و/أو عذبوا. ان هذه الايماءة قد تبدو صعبة لعدد من الأمريكيين. فاننا علي استعداد للقيام بالكثير لمساعدة شعوب أخري ولكننا لا نود أن نبدو وكأننا نقدم تكفيراً عن ذنوب. ولعل القيام بذلك سيجعل بعض الأمريكيين يشعرون أن هذا بمثابة وصمة عار علي وطنيتهم. وغريبٌ علي الأمريكيين فكرة قيامنا باصلاح أعمالنا: فنحن لا نود أبداً أن نعترف أننا كنا علي خطأ. كما أننا نعتقد أنه مهما كانت أخطاء الحرب والاحتلال فاننا أدينا للعراقيين خدمة كبيرة لانقاذ البلاد من دكتاتورية صدام حسين. نعم، أدينا ذلك، ولكننا قمنا في أثناء العملية بايقاع دمار كثير، وأصبنا عدداً من الناس بأضرار غير قابلة للاصلاح، لا بل أنهينا حياة قسم منهم. لقد قمنا بمعظم ذلك من حيث لا ندري، ولكن بعضه لم يكن ضرورياً كما يقول الخبراء العسكريون. ان ايماءة بسيطة للمصالحة ستفعل الكثير الكثير لنقل علاقتنا من علاقة احتلال الي علاقة صداقة. انها ايماءة لا تكلف شيئاً ولكنها ذات قيمة كبري. ان عدم اقرارنا بالأوجاع التي عاني منها الشعب العراقي سيترك جرحاً متقيحاً فيه. ان القيام بهذه الايماءة ليس من شأنها، بأي حال من الأحوال، أن تشكل اهانة لأمريكا؛ انها ايماءة لن تفعل سوي التعبير عن الأسي عن موت المدنيين العراقيين، وهي لن تنطوي علي دفع أي مبلغ من المال. ولكن الايماءة البسيطة ستفعل الكثير لتلطيف الشعور بالأذي في العراق بشكل يفوق ما تفعله كل الأعمال الأخري المشار اليها آنفاً.وباختصار فان الكلفة المالية للبرنامج الأساسي الملخص آنفاً تبلغ 7.75 مليار دولار تقريباً. أما الحلقة الثانية من البرنامج فلا يمكن التنبؤ بكلفتها علي وجه الدقة، ولكن من المحتمل أن يكلف التخطيط وشيء من التنفيذ مبلغ 5.5 مليار دولار. وعلي فرض أن هذه البرامج من شأنها أن توفر علي أمريكا سنتين من الاحتلال، فهي ستوازن في جدول الحسابات مصروفات لا تقل عن 350 مليار دولار، وقد تصل الي ما بين 400 و500 مليار. أما الأكثر أهمية والذي له قيمة لا تعد ولا تحصي، فهو ما سينجم من منافع عن توقف القتل الذي يودي بحياة عدد كبير من الناس. هذا وحتي لو كانت تقديراتنا مفرطة في التفاؤل، واتضح أن الكلفة الحقيقية هي أعلي بكثير، فاننا نعتقد أن تنفيذ خطتنا للانسحاب ستكون من أفضل الاستثمارات التي قامت بها بلادنا علي الاطلاق.اننا بصفتنا أمريكيين، ننهي هذا الفصل بتوصية تنطوي علي معتقداتنا العميقة. ان أمتنا مدينة للشباب الذين دعوا للخدمة العسكرية في العراق بأن تقدم لهم من المنافع ما هو واسع الشمول. أما الأمريكيون الذين خدموا في الحرب العالمية الثانية، وكان منهم جورج ماكغفرن غكاتب هذا الكتابف الذي خدم فيها كطيار لطائرة قاصفة، فقد نالوا تلك المنافع. وقد حظوا كذلك بميزة القتال في حربٍ كانت تنال الدعم الكامل من الشعب الأمريكي الذي فهم أنها كانت ضرورية لانقاذ المدنية من الخراب علي يد هتلر وحلفائه العدوانيين. ان المقاتلين في تلك الحرب عادوا الي الوطن كأبطال منتصرين تحتضنهم أمة موحدة تعترف بالجميل. أما اليوم فان الشعب الأمريكي وجنودنا يعرفون بشكل متزايد أن الغزو واحتلال العراق كان خطأ أمرت به زعامتنا الحالية في واشنطن. وقد آن الأوان الآن للعمل علي شفاء جروح الحرب، وعلي محاولة فهم دروسها. ان المقاتلين في حرب العراق هم بأمس الحاجة وأشد الاستحقاق للتأهيل الشامل: مادياً ومعنوياً وثقافياً واقتصادياً، علي غرار ما قدمه قانون الحقوق للجنود الذي صدر بعد الحرب العالمية الثانية، وكان ناجحاً كل النجاح.لعل الرئيس لنكولن عبّر أحسن التعبير عما نعنيه وذلك في خطاب التدشين لولايته الثانية، وكانت الحرب الأهلية الدامية تمضي بعسر الي نهايتها، حين دعا جميع فرقاء ذلك النزاع الي لملمة جروح الأمة والي رعاية ذلك الذي سيكون قد حمل عبء المعركة علي كتفيه . مـاذا سيحـدث اذا لـم نخـرج مـن العـراق؟اذا لم تنسحب الولايات المتحدة من العراق فالحرب ستستمر. وهذا يعني أن أكفان الجنود القتلي وأفراد الجيش المصابين سيستمرون بالتدفق علي أمريكا؛ كما ان أعداداً أكبر من الرجال والنساء والأطفال العراقيين سيجرحون أو يقتلون؛ وان أعداداً أكبر من حياة العراقيين والأمريكيين ستتحطم لتلاقي الأمرّين؛ لا بل حتي المزيد من الممتلكات العراقية ستؤول الي الخراب؛ ومبالغ طائلة ستنفق والتي كان يجدر انفاقها علي نحوٍ آخر لجعل الحياة في العراق وفي أمريكا وفي أماكن أخري أكثر أماناً وأكثر تهذيباً وأفضل عقبي.هل البقاء علي المسار جدير بأن يُحدث كل هذا؟ ان العسكريين والدبلوماسيين المتمرسين ورجال الاستخبارات لا يعتقدون أن لدي الولايات المتحدة أي أمل بتحقيق ما دأب الرئيس بوش علي نعته بـ النصر . وكما قال الجنرال وليم أودوم، الرئيس السابق لوكالة الأمن القومي، فانه ما من زعيم عراقي لديه ما يكفي من السلطة والشرعية للسيطرة علي البلاد سيكون موالياً لأمريكا . لذا فان عدم الانسحاب بطريقة منتظمة، وعاجلاً، ينطوي علي أن الانسحاب في نهاية المطاف سيتم تحت الضغط وباستعجال.فلئن حدث الانسحاب علي هذه الشاكلة، والتي ينعتها المنتقدون لوذاً بالفرار فانها ستجعل أمريكا تعاني هزيمة جلية الوضوح. وتماماً كما استُغل هذا النمط من الهزيمة استغلالاً شائناً من المشعوذين السياسيين في الماضي سواء في أمريكا أو في غيرها، فانها ستعمل علي تسميم السياسة الأمريكية أكثر فأكثر. والأهم من هذا أنها ستترك من خلفها مجتمعاً عراقياً غاضباً ومحبطاً، وتترك كذلك أعداداً كبيرة من المجندين للأعمال الارهابية المملوئين بروحية الانتقام ضد الولايات المتحدة سواء في العراق أو في أرجاء العالم.ان العراقيين وغيرهم قد يقومون بدافع اليأس بعمليات انتحارية علي نطاق أوسع، والذي من شأنه أن يزيد من معدل الاصابات في صفوف الأمريكيين. وكما رأينا في الفلوجة وتلعفر فان التأثير الواقع علي المدنيين العراقيين سيزيد من احتمال تعرض العراق للتفكك، وهو البلد الذي يئن مجتمعه الآن تحت وطأة الأحداث. ان ثلاثة أعوام من الاحتلال الأمريكي قد أدت الي توتر العلاقات الدقيقة أصلاً والقائمة بين مكونات المجتمع العراقي في الوقت الذي يحتاج فيه العراق الي مرحلة تلتئم فيها الجراح. ان السُنَّة والشيعة، العرب والأكراد، سيسعون وهم في خوف متزايد الي حماية أنفسهم بقوة السلاح. كما انهم سيعملون كذلك علي تحويل وحدات الشرطة والجيش الحديثة النشوء الي ميليشيات معادية احداها للأخري، بل هو الأمر الذي بدأ الأكراد والشيعة بالقيام به فعلاً.ان النتيجة المحتملة ستزيد كثيراً من عدم الأمن اقليمياً. ولعل ذلك لن يتضح في الحال، ولكن عدم الأمن خلال العقود القادمة سيخلق ظروفاً يكون نشوب الحروب معها أمراً محتملاً، ليس فقط ما بين الفئات الاثنية والدينية الرئيسية في المجتمع العراقي وضمن كل واحدة منها أيضاً، وانما في الأقطار المجاورة. والي أن تبلغ الأمور الي هذا الحد فان من المؤكد حدوث هجرة قسرية للسكان داخل العراق بكل ما ينشأ عن ذلك من تعاسة ومرارة، مع احتمال حصول تدخلات أجنبية. ان هذه التأثيرات سيكون لها نتائج مهلكة لا يمكن التنبؤ بها.ہ ہ ہوستزداد كذلك بالتأكيد ما تتكبده القوات الأمريكية. ان القادة العسكريين والمخططين للعمليات، الأمريكيين منهم والبريطانيين، وهم تحت الضغط ويتكبدون الاصابات، سيضطرون لغرض التقليل من الاصابات الي استخدام قوة غاشمة وحشية علي حد تعبير اللواء نيغل ايلوين ـ فوستر (Nigel Aylwin Foster)، كما ورد في مقالة كتبها في المجلة العسكرية الأمريكية ميليتاري ريفيو (Military Review). كان اللجوء الي استخدام مثل تلك القوة قد جري في الفلوجة وتلعفر. ان السيناريو الأكثر احتمالاً هو أن تنتقل القوات الأمريكية الي القواعد الواسعة الجديدة، ومنها سيستخدمون القوة الجوية. ان امطار القري والمدن العراقية بالقنابل، مهما كانت جراحية ومهما كانت وسائل الاستخبارات التي توجهها دقيقة، ستؤدي الي أن ينظر الي أمريكا كمستأسدٍ قاسي القلب، عديم الانسانية، ومجبول علي التخريب. ان استخدام القوة الجوية سيثبت أنه ماكنة لخلق قوي ارتدادية الأفعال ستُنتج بدورها المزيد من الفوضي وتجعل العراق بلداً يستعصي علي الحكم. ان تلك القوة الجوية ستساندها هجمات أرضية ماحقة فتكون النتائج احداث المزيد من اليأس والمرارة لدي الناس. وما ان يثبت هذا اللجوء الي القوة عدم كفايته أو عدم فعالياته حتي تُستدرج أمريكا، كما استدرجت اسرائيل وجنوب أفريقيا من قبل، الي التمركز في كانتونات. بمعني أنها، في سعيها لطلب الأمان، ستقوم بانشاء مناطق معزولة احداها عن الأخري بحواجز أو بمناطق محرّمة لا تستطيع السيطرة عليها. ان مثل هذا النظام للعزل لم يفلح في أماكن أخري ولكنه كان فتاكاً بالشعب المحتل ومدمراً لسمعة المحتل. ان الأفعال التي تنشأ عن وضع كهذا ستؤدي الي حلقة مفرغة تقودنا الي أسفل سافلين، نحو دولة عسكراتية، ومكروهة ومثيرة للخوف في شتي أنحاء العالم.ان بعض الذين وافقوا بتردد علي الانسحاب من العراق انما وافقوا لأنهم يعتقدون أن هذا الانسحاب سيمكن أمريكا من الانهماك بشكل أكثر نجاحاً في الحرب الطويلة ضد العدو العمومي ، ألا وهو الارهاب. فهل هذا معقول أم لا؟ اننا، بعد أن تم اغراؤنا بالدخول في حرب مع العراق باستخدام تكتيكات لاثارة الفزع في نفوسنا، نحث الأمريكيين علي ألا يعيروا أذناً صاغية للمثل القديم الذي يقول: القفز من المقلاة الي النار . فلننظر أولاً الي الخطر، هل هو خطر حقيقي؟ قال وليم پاف في مقال له في جريدة هيرالد تريبيون الدولية (International Herald Tribune)، في عددها الصادر بتاريخ 12 شباط (فبراير) 2006، ان تهديد الارهاب لأمريكا لم يكن حتي الآن تهديداً كارثياً ولا حتي خطيراً. وأضاف يقول: حتي لو أدخلنا اصابات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر في الحساب فان عدد الأمريكيين الذين قتلوا من قبل ارهابيين دوليين منذ أواخر الستينيات من القرن الماضي (وهو التاريخ الذي بدأت به وزارة الخارجية الأمريكية بتعدادهم) يكاد يساوي عدد الذين قتلوا بحدوث البرق في السماء، أو بحادث يسببه غزال شارد، أو بالحساسية المفرطة لتناول فستق العبيد .ولكن لنفترض أن حكومة بوش هي علي حق، وأن الارهاب هو خطر مميت لأمريكا. اذن فان البقاء في العراق وقتل العراقيين هو أفضل بيئة ممكنة لتجنيد الارهابيين، أي أن تشخيص أمريكا لأعدائها علي أساس فوقي أو ديني ـ بمعني أن هذا عربي أو هذا مسلم ـ من شأنه أن يزيد من أعدادهم ومواقع وجودهم. عندئذٍ ستكون الحرب الطويلة ضد الخصم العمومي انما تشن ضدنا، ضد أبنائنا، ضد أحفادنا. ان تلك الحرب ستكون غير قابلة للكسب، وربما غير قابلة للتوقف، ولكنها بالتأكيد ستدمر قيمنا التي ناضلنا نحن وأسلافنا لتحقيقها وتدمر الحياة الطيبة التي نطمح لها جميعاً. ان جورج أورويل كان متشائماً بشكل لا موجب به: ان رؤيته القاتمة للمستقبل لم تحدث بالسرعة التي ظنها ـ أي في 1984 ـ ولكنها قد تحدث في زماننا الذي نعيش فيه. ان تلك الحرب ستكون غير قابلة للكسب، وربما غير قابلة للتوقف، ولكنها بالتأكيد ستدمر قيمنا التي ناضلنا نحن وأسلافنا لتحقيقها وتدمر الحياة الطيبة التي نطمح لها جميعاً. ان جورج أورويل كان متشائماً بشكل لا موجب به: ان رؤيته القاتمة للمستقبل لم تحدث بالسرعة التي ظنها ـ أي في 1984 ـ ولكنها قد تحدث في زماننا الذي نعيش فيه.ان الخروج من العراق هو الخطوة الأولي والعاجلة جداً لتجنب الانحدار نحو مستقبل شنيع. ان الخروج بكرامة وبذل كل جهد ممكن للقيام بذلك بطريقة من شأنها أن تخلف وراءنا أفضل مناخ ممكن لاعادة البناء واعادة النماء والسلام، كما بيّنا ذلك في الفصل الخامس، هو الصحيح. وبغياب تغيير تام في السياسات الأمريكية، والذي يجب أن يبدأ بانسحاب سريع من العراق، فان أمريكا التي ورثناها من آبائنا المؤسسين ستكون معرضة باستمرار الي خطر بالغ، وربما حتي الي خطر مميت. خاتمـة: دروس مـن العـراقهل هناك دروس لكي نتعلمها من المغامرة الأمريكية في العراق؟ ان الفيلسوف الألماني هيغل يشك بذلك. كتب يقول: ان الشعوب والحكومات لم تتعلم أي شيء قط من التاريخ، ولا عملت وفق المباديء المستخلصة منه . أما صموئيل هنتنغتون، عالم السياسة الأمريكي، وهو من المحافظين الجدد، فقد كتب عن حرب فييتنام وقال ان من الأفضل لصنّاع السياسة أن يمحوا من عقولهم أية ذكري لها . وقد فعلوا. لذا فان حرب العراق كانت برهاناً علي ما قاله سانتايانا بأننا اذ لم نتعلم شيئاً من التاريخ فلا بد لنا من أن نعيده، وفي هذا القول ما فيه من توبيخ. لقد أعدنا أسوأ أخطاء فييتنام في العراق. والسؤال العاجل اليوم هو: هل ستُمحي حرب العراق من العقول وتتكرر؟ ان الجواب هو ما قاله هيغل وسانتايانا.ان حجة هنتنغتون تقوم علي الفكرة القائلة بأن حرب فييتنام كانت فريدة في بابها من حيث أن الامبريالية والاستعمار كانا قد أوشكا علي الاختفاء من السياسات العالمية ، بحسب ما قال. بمعني أنهما ذكريات باهتة لماضٍ لا علاقة له بحاضرنا الآن. ولكن، هل هي كذلك؟ ان السيطرة الأجنبية قد تلاشت من ذكرياتنا نحن الذين نعيش في الشمال الثريّ من العالم، ولكن السيطرة الأجنبية لم تزل موجودة في الكثير من أنحاء آسيا وأفريقيا. انها لم تتلاش من الذاكرة هناك. وكما كتبنا سابقاً في هذا الكتاب كان العراق قد أصبح مستقلاً بموجب معاهدة عقدت مع بريطانيا في عام 1922، ثم بموجب اعتراف من عصبة الأمم في عام 1932. ولكن قلة من العراقيين يعتقدون أن بلادهم أصبحت مستقلة فعلاً بأيّ من هذين الأمرين. كانت بريطانيا تسيطر علي الاقتصاد وتحتفظ بوجودها العسكري مع استمرارها بحكم العراق من وراء ستار حكومةٍ قامت بتعيينها. من ثم عادت واحتلت البلاد من جديد خلال الحرب العالمية الثانية. وبعد انتهاء تلك الحرب حكمت من خلال نظام حكم وكيل الي أن أطيح به في عام 1958. فهل كان عام 1958 هو عام الاستقلال؟ الجواب نعم ظاهرياً، أما تحت السطح الظاهري فقد كانت الاستخبارات الأمريكية والبريطانية تؤثر ببراعة في القوي الداخلية وبحكومات الدول المجاورة لغرض التأثير علي الحكومات العراقية المتعاقبة والهيمنة عليها. لقد كان احتمال تغيير النظام عن طريق الاغتيال أو الانقلاب أو الغزو هو الورقة الرابحة بيد الأجنبي علي الدوام.كان صدام حسين قلقاً بشأن ما ستفعله أمريكا الي درجة أنه، وقبل أن يقرر غزو الكويت في عام 1990، قام باستدعاء سفيرة الولايات المتحدة في بغداد وسألها بما معناه هل أن الغزو سيحظي بالموافقة في واشنطن. ولم يتحرك حتي ظن أنه قد حصل علي الضوء الأخضر . والأمر هو اما أننا ضلّلناه واما أنه أساء الحساب. من ثم قمنا نحن بالغزو ودمرنا جزءاً كبيراً من جيشه ومن الاقتصاد العراقي وفرضنا نظاماً قاسياً للعقوبات الاقتصادية والذي شلّ البلاد فعلاً. وأخيراً قمنا بالغزو مرة أخري في عام 2003 وفرضنا علي العراق حكومة من اختيارنا. ومهما كانت المبررات لأي فعل من الأفعال المذكورة فانها لا تفضي الي استقلال. هذا، وحتي أولئك العراقيون الذين كانوا يكرهون صدام ويخافون بطشه كانوا يشعرون دائماً بأنهم يعيشون تحت ظل شكلٍ من أشكال السيطرة الغربية. والحقيقة البسيطة هي أن الذكريات لم تتلاش، لأنها كانت تقوم علي واقع قائم.واذ حاول الأمريكيون أمركة العراق، فاننا كنا في غالب الأحيان نصاب بحيرة شديدة. لماذا لم يستقبل العراقيون قواتنا بالزهور في أيديهم والابتسامات علي وجوههم كما قالت لنا حكومتنا أنهم سيفعلون؟ لماذا نجد أن اثنين فقط من كل عشرة عراقيين يعتبروننا محررين؟ لماذا يقول رجل مثل عدنان الباجه جي، والذي يعتبره كبار المسؤولين لدينا شيخ السياسة الأميز للبلاد، وهو وزير خارجية أسبق في العراق في ستينيات القرن الماضي، لماذا يقول: الحقيقة هي أن العراقيين جميعاً، ومن دون استثناء، يريدون مغادرة القوات الأجنبية مبكراً ؟ لماذا لا يشكرنا العراقيون لأننا أنقذناهم من صدام حسين بدلاً من اطلاق النار علينا؟ان جزءاً من الجواب، كما أسلفنا، هو أن العراقيين يعتقدون أننا نحاول تدمير ثقافتهم ثم اعادة صبِّها هي ونظامهم الاجتماعي الي شيءٍ غريب عنهم ولكنه متوافق معنا. لقد حاولنا ذلك سابقاً ولم نحقق سوي نجاح قليل. ثمة دراسة من قبل مينيكسين باو وسارة كاسبر جرت لحساب منظمة كارنيغي للسلام الدولي وفيها تحذير لنا من هذه الحقيقة حتي قبل أن نبدأ بتنفيذ سياستنا للاحتلال.لقد قمنا بما قمنا به علي أية حال علي هوي المحافظين الجدد لأننا، بحسب ما يقوله هنتنغتون لم ندرك أن الثقافة في أقطار الشرق الأوسط مختلفة اختلافاً كلياً . ان الاختلافات مهمة بالتأكيد، كما هو التشابه أيضاً. ان أقطاراً أخري، في الشمال والجنوب، الغنية منها والفقيرة، المسيحية والمسلمة والبوذية والهندية واليهودية، كانت كلها ضد التطفل الأجنبي، حتي حين يكون الكثيرون يكنّون الكراهية لحكومتهم. ان الروس لم يستخدموا الهجوم الألماني عليهم للاطاحة بستالين؛ والألمان قاتلوا بولاء الي هتلر الي أن تم التغلب عليهم؛ والكوبيون لم يثوروا ضد كاسترو في خليج الخنازير. ما من شعبٍ يرحب بغزو أجنبي. والشعوب كلها تتشابه في هذا بشكل رائع. كان توماس كارلايل قد حذّر من أن تأكيد الاختلاف، ولا سيما حين يكون ممتزجاً بشعورٍ بالتفوق، قد يكون مضلِّلاً، شأنه في ذلك شأن الجهل. ولكن المنظور المختلف للقوة والعجز يعطي مشاهد مختلفة تماماً. ومن المؤكد أن معظم الأمريكيين كانوا وما زالوا لا تقدير لديهم للطريقة التي ينظر بها العراقيون الي علاقتهم معنا، وهم علي ما هم عليه من ضعف مادي غير متوازن بشكل مفرط بفعل قوتنا العسكرية، وينطبق هذا كذلك علي الآسيويين الأفريقيين الآخرين. لقد رأي الرئيس بوش عدم التوازن هذا بوضوح حيث قال ان العراقيين لا يسعدهم كونهم تحت الاحتلال. وأنا شخصياً لن أكون سعيداً اذا كنت خاضعاً للاحتلال .ان جهلنا الكيفية التي يتصور فيها العراقيون علاقتهم بنا قد أدت، من حيث لا ندري في الغالب، الي اتخاذ أعمال قرأها معظم العراقيين علي أنها أعمال امبريالية وان كانت تبدو بالنسبة الينا أعمالاً سخية، بعيدة النظر وبناءة. كان هدفنا الأساسي هو تحقيق الأمن . وقد قلنا للعراقيين مراراً وتكراراً اننا سنخرج حين تكون بلادهم آمنة، ولكن ليس قبل ذلك. وكما عبّر الرئيس بوش عن ذلك بقوله: اننا لن نترك. اننا سنقوم بالعمل. ان عراقاً حراً في وسط الشرق الأوسط هو أمر حيوي لمستقبل السلام والأمن . ان العراقيين، ومعهم عدد من رجالنا المخططين، يقولون ان ما يعنيه الرئيس بوش بـ عراق حر هو أمر من غير المحتمل أن يحدث في المستقبل المنظور. لذا فحين يقول الرئيس بوش اننا سنقوم بالعمل فان العراقيين يدركون أن قوله هذا يعني: أننا لن نترك . فهل هذا تأويل معقول لسياستنا؟ ان قراءة دقيقة لتاريخ التمرد في أنحاء العالم تفيد بأنه كذلك. ان التسلسل الذي أعلناه، وهو الأمن قبل السيادة، لا يحصل الا نادراً؛ أما عكسه، وهو السيادة قبل الأمن، فهو القاعدة العامة. والسبب يعود الي ما يلي: ما دام الأجانب في البلاد فان الأهالي الوطنيين سيواصلون كفاحهم حتي يخرج الأجنبي، مهما كانت القوة التي تستخدم ضدهم كبيرة ومهما كان القتال باهظاً في الدماء والأموال. أما حين يخرج الأجانب فان جل السكان يتوقفون عن مساندة المقاتلين. وكما كان ماوتسي تونغ يقول ان البحر يجف و السمك يخسر المساعدة. ان هذا التسلسل للأحداث هو الدرس الذي نتعلمه من ايرلندا والشيشان والجزائر وفييتنام، لا بل حتي من ثورتنا ذاتها. ونحن نتنبأ بأنه سيكون الدرس الذي نتعلمه من العراق أيضاً.ان الاعتقاد بأن الأمن يأتي أولاً قد حدا كذلك بحكومتنا الي أن تركز في العراق علي انشاء جيش عراقي جديد، ذلك أن جيشاً كهذا سيأتي بالأمن بسعر رخيص. ولكن العراقيين يتذكرون ما تحمله مجتمعهم من أعباء ثقيلة من جراء سياسة بريطانية مشابهة. ان الجيش الذي أنشأه الانكليز كان قد أطاح الحكومات المدنية العراقية المرة تلو المرة. ان جيشاً جديداً لا يقابله، لغرض التوازن، وجود مؤسسات مدنية لا تنشأ الا ببطء وبتطور داخلي وليس امتثالاً لأوامرنا، سيعبد الطريق بالتأكيد الي ظهور دكتاتورية أخري.ان تأكيدنا علي الأمن قد شجعنا كذلك علي التفكير بشأن دول جيدة مثل فييتنام جديدة وعراق جديد. ويجري الآن في واشنطن التخطيط للقيام بحملات عسكرية محتملة، كما ان انشاء العشرات من القواعد العسكرية في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطي التي يمكن منها شن حملات عسكرية جديدة يجري علي قدم وساق ووصل الي مرحلة متقدمة من الانجاز. ان الحكومات في تلك المناطق قد استنتجت أنها تعيش تحت رحمة الولايات المتحدة. وبطبيعة الحال فانها تسعي حين تستطيع الي ذلك سبيلاً أن تتجنب تهديداتنا بـ تغيير النظام والتي نكررها بين حين وآخر. وفي قراءتها تاريخ العراق الحديث تعلمت تلك الحكومات درساً مفاده أن خطأ صدام حسين الأساسي هو اعتقاده بأن العراق يستطيع الدفاع عن نفسه. انه لا يستطيع، لا هو ولا معظم الدول الأخري. ويأخذ الكثيرون درساً مفاده أننا لسنا منارة الرجاء بل نذير الهلاك، ويعزز هذا الدور ما يفهم من سياسة الأمن القومي الأمريكية. وهذه السياسة تؤكد حقنا بمهاجمة أية دولة نعتقد أنها قد تكون منافسة لنا، حتي في المناطق المجاورة لتلك الدولة. ان الذين يعتقدون أن بوسعهم ردعنا هم وحدهم الذين يشعرون بالأمان: أي أولئك الذين لديهم ذلك السلاح لا غيره وهو القنبلة الذرية. وقد شعرنا نحن أنفسنا عند وقوفنا ازاء الاتحاد السوفييتي بواجب مشابه بضرورة امتلاك القنبلة. وسرعان ما سارت علي منوالنا كل من بريطانيا وفرنسا واسرائيل والصين والهند والباكستان. ان حيازة عدد قليل من الأسلحة النووية توفر الأمان لأن كلفة الهجوم علي دولة مسلحة بها هي باهظة الثمن للغاية. واليوم تعمل كوريا الشمالية علي هذا الأساس. ولعل الدرس الذي استخلصه الكوريون الشماليون والايرانيون من العراق هو أنه لكي تكون آمنا من أمريكا فيجب أن تمتلك أسلحة نووية. ان حكومة عراقية في المستقبل قد تصل الي نتيجة مشابهة، وسيكون هذا شأن الآخرين بالتأكيد.ان استخلاص هذا الدرس هو بالطبع أسوأ ما يمكن أن ينشأ من المغامرات الفاشلة في العراق. ان الأسلحة النووية هي في كل مكان خطر علي الشعب في كل مكان، ان البديل الوحيد لهذا الاتجاه المدمر والباهظ الكلفة في الشؤون الدولية هو الكبح المتبادل والذي لا يمكن تحقيقه الا في نزع السلاح النووي بشكل متبادل، ولكن السياسات الأمريكية الحالية تدفعنا والعالم في الاتجاه المعاكس بالضبط. ولا يمكن تحقيق الأمان الفعلي في جو من الخوف الناشيء عن التهديدات أو الضربات الاستباقية. وكما كتب السياسي الانكليزي الكبير ادموند بيرك أيام الثورة الأمريكية قائلاً: ان استخدام القوة وحدها ما هو الا شيء مؤقت. انها قد تُخضع مدة لحظة واحدة، ولكنها لا تزيل ضرورة الاخضاع مرة أخري . وأخيراً ان الحرب كلها أمر فظيع ولا يمكن التنبؤ بما تؤول اليه. وقد قال حكيمنا السياسي القديم بنيامين فرانكلين ذات مرة: لم توجد قط حرب جيدة . ولكن من بين الحروب حرب العصابات التي هي الأسوأ؛ انها في أحسن الأحوال حرب غير قابلة للكسب، وقد دامت في ايرلندا قروناً وفي الجزائر قرناً ونصفاً. وقد ابتلي الشيشان بمذبحة، وعانوا من الطرد والاغتصاب والدمار الواسع علي أيدي الروس مدة تقارب أربعة قرون، والآن وقد ضُموا الي روسيا فان بلادهم لم تهدأ بعد. ان المستشارين من المحافظين الجدد الأمريكيين، وهم علي علم بهذا التاريخ، يخططون بل يدعون حكومتنا الي شن حرب أبدية. فاذا حققوا رغبتهم هذه فالدرس النهائي من العراق سيبرز من ضباب الحرب . وهو أن التمرد والتمرد المقابل يجعلان مجتمعات بأسرها وحشية تماماً، حتي مجتمعات المنتصرين. ان هذا يصدق علي الانكليز في غينيا، وعلي الفرنسيين في الجزائر، وعلي الأمريكيين في الفليبين، وعلي الروس في الشيشان، وعلي الصينيين في التبت. قد يكون هيغل علي حق ـ اننا لن نتعلم، ولكن بالتأكيد سيكون من الحكمة لنا أن ننتبه الي تحذير سانتايانا بألا نمحو دروس هذه الحرب الباهظة التكاليفة من عقولنا. انها كانت مدرستنا الأغلي كلفة.المؤلفـان:ہ جورج ماكغفرن مرشح الحزب الديمقراطي (الأمريكي) للرئاسة في عام 1972. كان عضواً في مجلس النواب الأمريكي من عام 1957 الي 1961، وأمضي بعد ذلك في عضوية مجلس الشيوخ ثمانية عشر عاماً. وكان رئيس مجلس سياسة الشرق الأوسط في العاصمة واشنطن لمدة ست سنوات ثم أصبح سفيراً لدي منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة في روما ابّان رئاسة كلنتون. حائز علي وسام الصليب الطائر المتميز لخدمته كطيار علي قاذفة قنابل في أثناء الحرب العالمية الثانية، وعلي الميدالية الرئاسية للحرية لخدماته ذات الطابع الانساني.أستاذ سابق للتاريخ، ويحمل درجة دكتوراه الفلسفة من جامعة نوروسترن. يشغل منذ تركه مجلس الشيوخ في عام 1981 موقع أستاذ زائر في خمس عشرة جامعة أمريكية وأوروبية. حَمَله جدول أعمال كثيف كمتحدث الي قرابة ألفي كلية جامعية في أمريكا وأوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية واسرائيل ومصر ولبنان والعربية السعودية. ألّف نحو عشرة كتب، وكتب مقالات عديدة في كبريات الدوريات والصحف.ہہ وليام آر. بولك درّس في جامعتي هارفرد وأوكسفورد وعلم في هارفارد حتي عين في عام 1961 عضواً في مجلس تخطيط السياسة في وزارة الخارجية الأمريكية مسؤولاً عن الشرق الأوسط. أدي الخدمة كرئيس لقوة مهام من وزارات متعددة بشأن حرب الجزائر وكان عضواً في اللجنة الفرعية لادارة الأزمات في أثناء أزمة الصواريخ الكوبية. في عام 1965 أصبح أستاذاً للتاريخ في جامعة شيكاغو، وأسس فيها مركز دراسات الشرق الأوسط. وفي عام 1967 أصبح رئيساً لمعهد آدلاي ستيفنسون للشؤون الدولية. أجري ـ بطلب من رئيسة الحكومة الاسرائيلية (آنذاك) غولدا مائير ـ مفاوضات علي وقف اطلاق النار بين اسرائيل ومصر في عام 1970.ألّف عدداً من الكتب في التاريخ والعلاقات الدولية والشرق الأوسط، بما في ذلك أحدثها، كتاب فهم العراق Understanding Iraq. يعمــــل الآن علي كتاب عن المقاومة وحرب العـــصابات والارهاب.7