الخـروج مـن العـراق خطـة عمليـة للانسحـاب الآن (1)

حجم الخط
0

الخـروج مـن العـراق خطـة عمليـة للانسحـاب الآن (1)

بوش كاد يقر قبل الغزو بعدم امتلاك العراق اسلحة دمار شامل.. ولكنه اختار حرب التضليل مع اركان ادارتهزهور مكية تحولت قنابل.. وابتسامات تشيني صارت تجهما.. والرئيس اختار ابعاد الجثث المتدفقة عن الاعلامالخـروج مـن العـراق خطـة عمليـة للانسحـاب الآن (1)جورج ماكغفرن ووليام بولك تبدأ القدس العربي بنشر بعض فصول الكتاب الذي سيصدر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت وهو مترجم والفه كل من الباحثين الدكتور جورج ماكغفرن والدكتور وليام بولك، ويقترح الباحثان في كتابهما خطة عملية للانســـحاب من العراق الآن .لمـاذا كتبنـا هـذا الكتـابلقد أثبتت الأحداث أن قرار الحكومة الأمريكية غزو العراق واحتلاله في عام 2003 كان خطأً كارثياً. فحتي الآن (أي عند كتابة هذا الكتاب) قُتل أكثر من (2500) شاب أمريكي، وجُرح أكثر من ستة عشر ألفاً، نصفهم مصابون بعاهات لا يرجي شفاؤها، وأُصيب أكثر من أربعين ألفاً بضرر نفساني شديد سيدفعون، هم ونحن معهم، ثمناً له لعقود قادمة. إنه وبالسوء الذي كانت عليه نتائج هذه الحرب فإنها مجرد البداية لا غير. وقد علم مركز الدفاع والإصابة العقلية للمحاربين القدماء بأن من المحتمل أن واحداً من كل عشرة أشخاص ـ من مجموع نحو خمسين ألفاً ـ من الجنود العائدين قد عاني من ارتجاج في المخ ستبقي آثاره ـ كفقدان الذاكرة والصداع الشديد والتفكير المشوّش ـ مدي حياته. إن التعرض لليورانيوم المنضّب يتوقّع أن يضيف آلافاً اخري من المرضي، ومنهم من سيصاب بالسرطان، إلي المستشفيّات التي تديرها دائرة شؤون المحاربين القدماء .لا أحد يعرف عدد المدنيين العراقيين الذين قتلتهم الولايات المتحدة الأمريكية. وتراوح التقديرات بين ثلاثين ألفاً ومئة ألف. وبما أن عدد سكان العراق يبلغ أقل من عشرة بالمائة من سكان أمريكا، فإن هذا يعني أن أقل التقديرات تدل علي ان كل فرد من العراقيين له قريب أو جار أو صديق نلام نحن علي وفاته. إن مجتمعاً بأسره قد أصيب بالشلل وقد لا يسترد عافيته إلا بعد جيل أو أكثر. إن الرئيس بوش وفريقه كانوا قد أخبرونا في الابتداء أننا غزونا العراق بحثاً عن أسلحة دمار شامل تمثل خطراً وشيكاً علي الولايات المتحدة. ولما لم يُعثر علي مثل هذه الأسلحة قيل لنا إن جيشنا قد غزا العراق لتحقيق الديمقراطية. إن القوة العسكرية قد تغير نظاماً من أنظمة الحكم، ولكنها لا تستطيع أن تنشئ الديمقراطية.كذلك قال لنا الرئيس بوش وفريقه، وما زالوا يقولون لنا ذلك، إنهم أرسلوا جيشنا إلي العراق ويريدون الاحتفاظ به فيه وذلك للقضاء علي الإرهاب. ولكننا نعرف الآن، كما كانوا يعرفون آنئذ، أن العراق لا علاقة له بهجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) الإرهابية التي وقعت في أمريكا. إن حربنا ضد العراق لا تقلل من الإرهاب، كما إنها لا تجعلنا آمنين. إنها بالأحري تقوم بتفريخ الإرهابيين بأعداد كبيرة ومتزايدة، وتوفر لهم قاعدة عمليات في شعب يكره بلادنا الآن. وكلما طال أمد احتلالنا للعراق ازداد الخطر علي أمريكا.إن من المحتمل أن تؤدي الكلفة المادية للحرب إلي تعرض اقتصادنا للإفلاس. وستصل هذه الكلفة في النهاية إلي نحو اثنين من الترليونات، أي نحو ثمانية آلاف دولار لكل فرد من سكان أمريكا. ولو أننا كرسنا هذا المبلغ من المال للكفاح ضد الفقر والجوع والمرض في الداخل والخارج، معاً لكنا استطعنا القضاء علي الجوع ومرض نقص المناعة والملاريا والسل وأنواع متعددة من أمراض الطفولة، فضلاً عن القضاء علي الأمية، وجعلنا عالمنا آمناً حقاً.هذا وإن عدداً من أولئك الذين أرادوا أن نهاجم العراق، بمن فيهم بعض كبار القادة العسكريين، يدركون الآن أن الحرب لا يمكن كسبها. وبذلك فإن الكلفة الباهظة قد ذهبت بأجمعها سدي. إن الحرب كانت تبديداً فظيعاً ولا نفع فيه. وبدلاً من الاعتراف بهذه الحقيقة فإن البعض، ولا سيما في صفوف ما يسمي بالمحافظين الجدد، يؤيدون الآن ما يدعي بـ الحرب الطويلة ضد العدو العالمي . إن هذه وصفة للكارثة التي قد تصيب أحباءنا وأحفادنا بالكابوس الذي وصفه جورج أورويل في روايته 1984. وعندئذ لن نعرف حتي من أجل ماذا نقاتل وضد من، ولكننا إبّان القتال سنتعرض لخطر معين هو خسارة الأمور ذاتها التي قيل لنا إننا نقاتل للحفاظ عليها. إننا نحدّق اليوم في الهاوية نحو جحيم علي الأرض إن الإقدام علي تغيير مسار مضلِّل لن يكون، كما يتهم البعض، علامة ضعف من شأنها أن تشجع أعداءنا وتثبط أصدقاءنا، بل إنه بالأحري سيكون علامة قوة وإدراك سليم. وليس من الحكمة ولا من الوطنية الاستمرار في خطأ فادح يبدّد أرواح الجنود الأمريكيين الشباب والمدنيين العراقيين ويؤدي في الوقت عينه إلي تهديد معنويات الأمة التي نحبها جميعاً، وسلامتها المالية. إنه لأمر عاجل أمامنا الآن أن نبدأ بإعادة قواتنا إلي الوطن بشكل نظامي وبالمباشرة بعملية التشافي، وذلك لصالح الولايات المتحدة والعراق معاً.كان الرئيس بوش قد قال: أنت إما معنا أو ضدنا . إن مؤلَفيْ هذا الكتاب هما معنا بشكل قطعي. إن كلاً منا قد أمضي سنوات في خدمة أمتنا. ولكننا نعتقد بشكل قاطع أيضاً بأن الوطنية الحقة هي ليست، كما يقول بوش، الموافقة العمياء علي سياسة مضلِّلة. إنها بالأحري تفرض علي المواطنين أن يبتغوا بذكاء ومعرفة وتفكير سليم رؤية واضحة لواقع الحال. إن استطلاعات الرأي العام تعلمنا بأن الأمريكيين يحاولون القيام بذلك.إن هذا الكتاب يهدف إلي تقديم المساعدة.لقد جري تقديم الكثير من المعلومات الزائفة حتي صار المواطن الذكيّ نفسه عاجزاً عن الحصول علي صورة حقيقية لواقع الحال. لذا فإننا نبدأ كتابنا بتقديم خلاصة عن الكيفية التي جري فيها تضليل الأمريكيين بشأن هذه الحرب التي لا حاجة إليها. ومن ثم ننتقل إلي تقارير الضرر الخاصة بآثار الحرب، سواء علي الأمريكيين أو علي العراقيين أو علي وضع الولايات المتحدة في الشؤون العالمية. إن لدي المواطنين ما يسميه المسؤولون الحكوميون “الحاجة للمعرفة” لهذه المعلومات وذلك لغرض حكمهم علي الخطة التي نقترحها لخروج الولايات المتحدة من العراق. أما أولئك الذين يعتقدون أنهم علي علم بما فيه الكفاية بما حدث، فقد يرغبون بالانتقال سريعاً إلي الفصل الخامس الذي نطرح فيه خطتنا عن كيفية إيقاف النزيف والخروج من العراق بأقل ما يمكن من الكلفة والضرر. هذا وسننظر في الفصل السادس بشأن ماذا سيحدث إذا قررت الولايات المتحدة برعونة البقاء علي المسار ، ثم نشير في الختام إلي الدرس الذي علي بلادنا أن تتعلمه من هذه المغامرة الخائبة، الباهظة الكلفة.جورج ماكغفرن – وليم پولككيـف يمكـن للمواطنيـنأن يعرفـوا مـا يحتاجـون إلـي معرفتـه؟إن عبارة الحاجة للمعرفة هي عبارة تستعمل لدي الحكومة الأمريكية لتفرقة المعلومات. إن الشخص الذي لا حاجة لديه لمعرفة معلومة معينة فإنها تحجب عنه؛ والشخص الذي لديه حاجة للمعرفة ـ لغرض أداء واجباته ـ يمكنه أن يحوزها. إننا، ولغرض أداء واجباتنا كمواطنين، لدينا الحاجة للمعرفة بشأن ما تقوم به حكوماتنا من أعمال باسمنا، إضافة إلي حاجتنا إلي مقدار معقول من المعلومات (أو الاستخبارات) التي استندت إليها الحكومة في أعمالها ونتائج هذه الأعمال. كذلك فإن لدينا حاجة مشروعة لكي تخبرنا الحكومة بصراحة عن تقديرها لكلفة تنفيذها لقراراتها، وعن فرص النجاح أو الفشل لهذه القرارات. والأهم من كل شيء فإن لدينا الحق بأن تقال لنا الحقيقة. بيد أن مسحاً قامت به مؤسسة “الأجندة العمومية في كانون الثاني (يناير) 2006 قد أظهر أن نصف الجمهور الأمريكي يعتقد أنه لم يتم إخباره بالحقيقة بشأن غزو العراق. إننا لن نستطيع أن نعمل كمواطنين مسؤولين في مجتمع ديموقراطي إلا إذا كان لدينا مجال الاطلاع علي المعلومات الصحيحة. لقد كان توماس جفرسون قد قال محذراً: إذا أرادت أمة من الأمم أن تكون جاهلة وحرة.. فهي تتوقع إذن ألا تعرف ماذا جري في الماضي وماذا سيجري في المستقبل . لذا فإن هذا الفصل سيبرز ما الذي قيل للأمريكيين، وما الذي حجب عنهم؛ ما الذي قيل لنا بشكل زائف، وما الذي عرفناه الآن.إن الحرب في العراق قد طغت علي شاشات التلفزيون وعناوين الجرائد ومقالات المجلات يومياً في السنوات الثلاثة الأخيرة. إن ما يبث من بيانات حكومية وتقارير رسمية وما ينشر من صور هو أمر مذهل. غير أن هذا المقدار الغزير من المواد كان مدعاة للتشويش أكثر مما هو مدعاة للتوضيح. وغالباً ما كان يجري التراجع سريعاً عن البيانات الرسمية؛ والتغيير الجوهري عن التصورات المطروحة؛ والنفي السريع لما جري تأكيده سابقاً. وقد بدأت البلبلة حين أخبرنا كل من پول وولفوويتز نائب وزير الدفاع وريتشارد پيرل رئيس مجلس سياسة الدفاع وهما من المحافظين الجدد بأن الهجوم الذي وقع في عام 2001 علي مركز التجارة العالمية كان من صنع صدام حسين. كما أن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد قال إن لدي الحكومة دليلاً قاطعاً لا يرقي إليه الشك علي أن صدام حسين يعمل بشكل وثيق مع إرهابيي القاعدة. أما البرهان الذي قدمه والذي اعتبره دليلاً علي التلبس بالجريمة فهو أن صدام قد أرسل أحد وكلاء الاستخبارات للاجتماع بممثل القاعدة في براغ. ولكن رئيس جمهورية التشيك آنئذ، فاسلاف هافل، كان قد أخبر الرئيس بوش بعدم حدوث مثل ذلك الاجتماع. كما أن الاستخبارات الأمريكية أكدت ما قاله الرئيس التشيكي إذ وجدت أن العميل الإرهابي المزعوم كان موجوداً في ذلك الوقت في أمريكا. كذلك فإن لجنة الحادي عشر من أيلول/سبتمبر قد ذكرت في تقريرها أنه ليس هناك من دليل علي وجود أية صلة بين القاعدة والعراق. والواقع أن صدام حسين وأسامة بن لادن كانا من ألد الأعداء، ففي عام 1990 كان هذا الأخير قد عرض تشكيل قوة إسلامية لطرد الكافر صدام من الكويت. ومهما كانت كراهيتنا كبيرة لصدام فإن كراهية بن لادن له أكبر. ولكن الرئيس بوش ونائبه تشيني استمرا علي الزعم بأن الاثنين المذكورين هما علي صلة وثيقة. لقد كان الأمريكيون كما هو مفهوم، في حالة تشوش فكري ولم يجرِ إخبارهم بالمعلومات الصحيحة. وتظهر استطلاعات الرأي العام الآن أن واحداً من كل ثلاثة من الأمريكيين لم يزل يعتقد أن صدام حسين كان مشاركاً في هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر). كوندوليزا رايس والسحابة النوويةكان الرئيس بوش قد حذرنا في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2002 بأن طائرات عراقية بلا طيار قد تستخدم لمهاجمة أمريكا لرش مدننا بجراثيم قاتلة أو بالغازات السامة. ولكن أمريكا تبعد عن العراق ما لا يقل عن ستة آلاف ميل، في حين أن الطائرة بلا طيار، وهي من طراز جيكي معدل L ـ 29 للتدريب، يبلغ أقصي مداها ثلاثمئة ميل فقط. يضاف إلي ذلك أن أحد كبار محللي الاستخبارات في القوة الجوية الأمريكية كان قد صرح قبل ذلك بعام بأن العراقيين كانوا قد تخلوا عن البرنامج الخاص بتطوير تلك الطائرة حتي لغرض الاستطلاع الجوي. ولم تكن تلك الطائرات تصلح لحرب بيولوجية.بعدئذ أصيب الأمريكيون بالذهول حين علموا أن صدام حسين لديه القنبلة بشكل مؤكد. كانت كوندوليزا رايس، مديرة مجلس الأمن القومي، قد استحضرت في ذهنها صورة لسحابة ذرية فوق أمريكا. كانت هذه الصورة قد زوِّدت بمحتوي حين أعلن نائب الرئيس تشيني قائلاً: ببساطة، لا شك في أن صدام حسين يمتلك الآن أسلحة دمار شامل ، كما إن الناطق باسم البيت الأبيض آري فليشر أعلن قبيل الغزو إننا نعلم علم اليقين أنه يوجد هناك أسلحة (نووية) . وانضم وزير الدفاع رامسفيلد إلي الجوقة قائلاً: من الواضح أن العراقيين يمتلكون أسلحة دمار شامل . ولئن ظل شيء من الشك في الأذهان فقد أزاله الرئيس بوش في 29 أيار (مايو) 2003 ـ أي بعد الغزو، حين كان لدينا مفتشون علي الأرض ـ قائلاً إن الأسلحة قد وجدت فعلاً. وفي 12 نيسان (إبريل) 2006 أقر البيت الأبيض بأن الرئيس، حين قال ذلك القول، كان قد أُوجز من قَبْل من قبل مسؤولي الاستخبارات الرسميين الأمريكيين بأن هذه المعلومات زائفة، ومع ذلك استمر هو وغيره من المسؤولين بتكرار التهمة علي مدي أشهر. وحين ألقي الرئيس خطاب حالة الاتحاد في كانون الثاني (يناير) 2004 فإنه تغاضي عن هذه التهمة ولكنه قدّم تهمة أخري وهي: أن صدام حسين قد حاول امتلاك اليورانيوم من أفريقيا وذلك لكي يصنع قنبلة ذرية، قائلاً: إن لدي أمريكا ولديه ولدي أعضاء آخرين في فريقه وثائق تثبت ذلك.وقد أظهر التدقيق أن وثائق الإثبات ما هي في الواقع إلا تزوير غير متقن مع عناوين استنسخت علي ورق قرطاسية جديد جري توقيعها من وزير كان قد ترك الخدمة قبل ذلك بعقد من الزمان. انتشرت هذه الفضيحة الفجة من روما (حيث جري تزوير البرهان) إلي فيينا (حيث تم الكشف عنها) وإلي واشنطن (حيث أدت المحاولة إلي توجيه اتهامات جنائية ضد عضو بارز في الحكومة الأمريكية). وقد توصل السفير الأمريكي الذي أجري التحقيق في الحكاية إلي نتيجة مفادها أن صدام حسين لم يقم بشراء مثل تلك المواد. والواقع أنه لم يكن بوسعه القيام بذلك. فكما جاء في مجلة National Journal في عددها الصادر في 3 تموز (يوليو) 2006، فإن الرئيس بوش قد استشاط غضباً بحيث إنه أصدر توجيهاته إلي نائبه تشيني، كما أقر للمحققين الفدراليين، لكي يسفّه الأقوال غير المرغوب فيها التي قالها ذلك السفير، وهو السفير ويلسون.ومن ثم جاء اكتشاف أنابيب الألمينيوم التي قال لنا عنها نائب الرئيس تشيني بتأكيد قاطع إنها معدة لقوة الطرد المركزية وهي ضرورية جداً لصنع سلاح نووي. وحين سأل مراسلو الصحف مهندسي وزارة الطاقة الأمريكية، هل من الممكن استخدام هذه الأنابيب لغرض الطرد المركزي، أجاب المهندسون أن الأنابيب لا تستطيع القيام بذلك. كانت الحكاية عبارة عن خدعة.أما الأسوأ من الأسلحة النووية فهو ما قاله كولن پاول وزير الخارجية في مجلس الأمن الدولي بتاريخ 6 شباط(فبراير) 2003 عن اكتشاف الاستخبارات الأمريكية لمختبرات عراقية متنقلة معدة لإنتاج مواد بيولوجية قاتلة رهيبة ـ إنها قادرة علي إنتاج كميات كافية من مادتي الـ Anthrax والـ Botulinum toxin لقتل الآلاف المؤلفة من الناس . ثم تبين في ما بعد أن المختبرات المتنقلة هي مجرد محطات للضخ لعلها معدة لنفخ بالونات بالهايدورجين لقياس الأرصاد الجوية. وفي جلسة مجلس الأمن نفسها التي جري فيها تقديم إيجاز عن تقنية متقدمة، عرض كولن پاول شرائح صور عن مركبات غير ملوثة نووية، فاتضح بعدئذٍ أنها كانت سيارات لإطفاء الحرائق. ولا شك في أن كولن پاول كان يري أن كثيراً من الأنباء الاستخباراتية التي اعتمد عليها كانت خرافية كما أسرّ في حينها لأحد مساعديه، ولكنه بصفته جندياً مخلصاً كان عليه أن يقدم تلك المعلومات. بعد عام من ذلك، وفي شهر أيار (مايو) 2004، اعتذر كولن پاول عن قيامه بتضليل الأمة. والقائمة طويلة.فهل كل هذا التزوير كان مجرد أخطاء؟ إن الأدلة تفيد أنها كانت جزءاً من حملة متعمدة لتغيير النتائج التي توصل إليها خبراء تقييم الاستخبارات التابعين لوكالة المخابرات الأمريكية ولدائرة الاستخبارات والبحوث في وزارة الخارجية الأمريكية ولوكالة استخبارات الدفاع في وزارة الدفاع. ولم يقتصر الأمر فقط علي قيام كبار المسؤولين الأمريكيين، بمن فيهم نائب الرئيس تشيني، بمحاولة الضغط علي خبراء التحليل لتغيير آرائهم، لكي يقولو بما لا يعتقدون، بل تجاوز ذلك حين لم يخضع أولئك الخبراء للضغط إلي إقدام وزارة الدفاع علي تشكيل دائرة جديدة فيها سميت “دائرة الخطط الخاصة” لتجاوز الخبراء المختصين ولتبرير القرارات التي سبق للحكومة أن اتخذتها.إن هذه تهمة خطيرة، إذ بواسطة هذا التحليل الاستخباراتي الزائف أقنعت الحكومة الشعب الأمريكي بدعم خطتها بشن الحرب، وكذلك فهي تهمة خطيرة إذ، كما قال جون تاور، عضو مجلس الشيوخ من الحزب الجمهوري عن ولاية تكساس والذي كان قد حقق في فضيحة إيران ـ كونترا في تشرين الثاني (نوفمبر) 1987، محذراً بشدة أن العمليات الديمقراطية.. تتعرض للتخريب حين يجري التلاعب بالمعلومات الاستخباراتية للتأثير في قرارات يتخذها مسؤولون منتخبون ويتخذها الجمهور . بوش كاد يعترفكان الرئيس بوش قد اقترب من الإقرار بأن هذا هو ما كان يفعله. ففي اجتماعه برئيس الوزراء البريطاني توني بلير في المكتب البيضاوي في 31 كانون الثاني (يناير) 2003، أي قبل ثلاثة أشهر تقريباً من الغزو الأمريكي للعراق، أقر الرئيس بوش بأن العراق لا يملك أسلحة دمار شامل وأنه يقوم بالبحث عن ذريعة لكي يبرر الهجوم للشعب الأمريكي. وقد اقترح طريقة معينة يتم بموجبها أن تحلق طائرة أمريكية عليها علامة الأمم المتحدة في أجواء العراق، فإذا ما قام العراقيون بإطلاق النار عليها سيكون فعلهم خرقاً لقرارات الأمم المتحدة، وبذلك يتم تبرير الهجوم؛ إن مثل هذه الحركات لا تخدع المعارضين بالطبع ولكنها قد تخدع الشعب الأمريكي الذي عليه أن يثق بمسؤوليه.باختصار، وكما حذر تاور، فإن مثل هذه المعلومات المضلِّلة من شأنها أن تعرض للخطر نظام حكمنا بالذات.وعندما بدأت الحرب أكد لنا نائب الرئيس تشيني أن قواتنا ستعتبر قوات تحرير من قبل العراقيين الذين يعلو وجوههم الابتسام. ووعد كنعان مكية، الخبير في شؤون العراق والمفضّل آنئذٍ لدي الحكومة الأمريكية، بأن العراقيين سيفعلون ذلك وهم يحملون الزهور (كانت أمريكا سيئة الحظ مع العراقيين المفضلين لديها). أعلنت الحرب خلال أيام. وسادت الصدمة والترويع. وأعلن الرئيس قائلاً: إن المهمة انتهت خلال جعجعة كبري لم تزل صورتها في الذاكرة وهو يحط علي متن حاملة الطائرات أبراهام لنكولن يوم 1 أيار (مايو) 2003 قرب شواطيء كاليفورنيا المشمسة.ولكن سرعان ما انقلبت زهور مكية إلي قنابل وتحولت ابتسامات تشيني الموعودة إلي تجهّم الغضب. لا تقلقوا ـ فما هذه إلا مجرد انتكاسة مؤقتة، كما أكد الرئيس بوش للجمهور الأمريكي، قائلاً: إن قلة من البعثيين المتطرفين ما زالوا يثيرون المتاعب؛ أما نائب الرئيس تشيني فقد أكد لنا وهو يكرر بعد زمن غير قصير في آذار (مارس) 2005 أن التمرد يلفظ أنفاسه الأخيرة . إن الأنفاس الأخيرة قد طالت أمداً. فبعد عام، وفي 13 آذار (مارس) 2006 قال الرئيس بوش: أتمني أن يكون بوسعي أن أقول لكم ان العنف يتلاشي وأن الطريق أمامنا ممهد. إنه لن يكون كذلك. سيكون هناك مزيد من القتال العنيف والكثير من أيام الكفاح، وسنري مزيداً من صور الفوضي والأشلاء في الأيام والأشهر القادمة . وسرعان ما تحولت الأيام والشهور إلي سنين. كم من السنين يا تري؟ البعض يتنبأ بأنها خمس سنوات، أو ربما عشر، وربما عشرون، وليست أكثر من أربعين كما هو المأمول. لقد قال الجنرال رتشارد مايرز الذي كان رئيساً للأركان المشتركة بأن الإصابات الأمريكية ستكون معقولة . وفي آذار(مارس) 2003 أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية أمراً يتضمن ألا تقام مراسم لاستقبال جثامين العساكر القتلي العائدة إلي قواعدها العسكرية أو المغادرة لها، وعدم تغطيتها إعلامياً . ومنذ ذلك الوقت أبعدت توابيت القتلي أو الجنود الجرحي عن عدسات التصوير قدر الإمكان. وتجنباً للإعلان لم يحضر الرئيس بوش جنازات الجنود كما كان يفعل الرؤساء السابقون.والحرب تكلف كذلك أموالاً بطبيعة الحال، ولكن الكلفة ستكون مجرد بضعة بلايين من الدولارات. في 28 شباط/(فبراير) 2003، أي قبيل الحرب بمدة قصيرة، قال ولفووتيز نائب وزير الدفاع أمام لجنة فرعية في مجلس النواب إن احتواء صدام حسين في الإثنتي عشرة سنة الماضية قد كلف نحو ثلاثين مليار دولار. ونحن نعرف الآن أن الكلفة الفعلية بلغت عشرة أضعاف ذلك المبلغ علي الأقل. وأضاف وولفوويتز يقول: لا أتصور أن أي أحد هنا يريد إنفاق ثلاثين مليار دولار أخري لغرض البقاء مدة اثنتي عشرة سنة أخري . ثم قال بل إننا في واقع الأمر لن نحتاج إلي إنفاق أي شيء لأن بوسع العراق أن يسدد نفقات الاحتلال وإعادة الإعمار بنفسه من خلال مبيعات النفط. وفي الحقيقة فإن كلفة الحرب والاحتلال التي تتحملها أمريكا قد ارتفعت إلي مئات البلايين من الدولارات، ومن المتوقع الآن أن ترتفع هذه الكلفة إلي ما قد يصل إلي تريليونين.إن فيض المعلومات التي تلقيناها من الحكومة، وأغلبها زائفة أو مضللة، لم تفِ بالتأكيد بحاجتنا للمعرفة. وكما قال ويل روجرز، راعي البقر المعروف في أمريكا، وهو يتحدث ذات مرة بنبرة فلسفية: ليس ما لا يعرفه الناس هو الخطر، وإنما ما يعرفونه بأن الأمر هو ليس كذلك . بيد أن المعلومات الأخري التي كان يجب أن تقدم للشعب الأمريكي قد اعتبرت سرية. إن السرية في الشؤون الحكومية هي كالبقعة السوداء التي يتحدث عن وجودها في الفضاء الخارجي، فهي قد تشكل في حقيقة الأمر معظم الواقع. إن ذلك الواقع يصعب إيجاده، ولكنَّ أجزاء منه أُخذت تظهر للعيان تدريجياً.ولعل أكثر الأمور التي كُشف عنها إيلاماً هي الحكايات القذرة عن الاختطاف والتعذيب والقتل. لم يطلع الأمريكيون علي أنباء التعذيب إلا مؤخراً وإن كانت معروفة منذ أمد طويل لدي العراقيين ولدي أصدقاء أمريكا في أوروبا وأفريقيا وآسيا. ثمة أمر آخر أقل إيلاماً ولكنه غير شرعي كذلك ألا وهو الاختفاء الذي لم يفسَّر لمبلغ قدره نحو تسعة بلايين دولار من أموال العراق التي كانت مودعة أمانةً لدي الأمم المتحدة ثم سلمت إلي السلطات الأمريكية في أيار (مايو) 2003 لفائدة الشعب العراقي شرط أن يشرف علي المبلغ مجلس مكوّن من مراقبين مستقلين. لم يؤلف هذا المجلس إلا بعد مرور عام كامل، ولكن هذا المبلغ قد ضاع علي ما يبدو الآن. ثم كانت هناك صفقات للحبايب ـ كالصفقة البالغة 2.4 مليار دولار التي عقدت من دون تقديم عروض تنافسية مع شركة تابعة هاليبيرتن، وهذه شركة كان تشيني رئيساً لها سابقاً ولم يزل يتقاضي منها نقوداً. وبعد أن هوجمت الصفقة مراراً بصفتها صفقة مشبوهة، وبعد اكتشاف صرف أكثر من مليار دولار بشكل يدعو للشبهات، وذلك من قبل مدققي حسابات أمريكيين، أعلن الجيش في النهاية بتاريخ تموز/يوليو 2006 أنه أوقف العمل بتلك المقاولة[(3)]. إن معلومات كهذه ليست حساسة في ما يخص الأمن القومي ولكنها معلومات محرجة للحكومة، لذا يجري الإبقاء عليها كبقعة سوداء ما أمكن ذلك ـ أي أنها تصنف علي أنها سرية أو سرية للغاية، أو ما هو أشبه بذلك. هناك وثائق كانت متاحة للجمهور ثم جري حجبها عنه، وذلك بإعادة تصنيفها باعتبارها سرية، كما أن آلافاً من الوثائق الأخري قد أتلفت.هذا، وحتي تقارير الأخبار اليومية من العراق هي تقارير محدودة ومحرّفة بطرق لا يمكننا معرفتها. لقد كانت الصحافة تقليدياً هي مصدر المعلومات المستقل في أمريكا، ولكن بعض الصحافيين قد تخلوا الآن عن استقلالهم لقاء إعطائهم مجالاً للاطلاع. وقد ظهر علي الألسن مصطلح التزام الفراشَ. فكما كتب الصحافي الإسرائيلي وعضو الكنيست السابق يوري أفنيري وذلك في 4 شباط (فبراير) 2003، فإن الصحافي الذي يرقد في سرير في وحدة عسكرية يصبح عبداً متطوعاً. إنه مرتبط بكادر القائد، ويرسل إلي الأماكن التي يهتم بها القائد، ويري ما يريده القائد أن يراه، ويصرف عن رؤية الأماكن التي لا يريده القائد أن يراها، ويسمع ما يريد الجيش أن يسمعه، ولا يسمع ما لا يريد الجيش أن يسمعه. إنه أسوأ حالاً من الناطق الرسمي للجيش، لأنه يدّعي أنه صحافي مستقل . وقد أبدي والتر كرونكايت اهتمامه بمصطلح الصحافيَ الذي يلتزم الفراش فقال: إن الأمر يبدو أشبه بكون الصحافي هو في الفراش مع العسكر.الخروج من العراق: خطة عملية للانسحاب الآن ـ جورج ماكغفرن ووليام بولك.136 ص.عنوان الكتاب بالانكليزية:Out of Iraq: A Practical Plan for Withdrawal Now by: George McGovern, William R. Polk 20067

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية