الخلافات السعودية ـ الأمريكية لا تزال قائمة… والرياض تدعو لدعم أكبر للمعارضة السورية

حجم الخط
1

لندن– «القدس العربي»: قالت صحيفة «واشنطن بوست» إن اسوأ خرق في العلاقات الأمريكية- السعودية الذي يعتبر الأسوأ في تاريخ العلاقات بين البلدين منذ حوالي 40 عاما خفتت حدته لكن لم يتم التغلب عليه بعد والسبب كما ترى هو سوريا.
وقد حاولت الدولتان رأب الصدع بين البلدين والذي جاء نتيجة لتراجع الرئيس باراك أوباما عن خطه الأحمر الذي وضعه وهدد فيه النظام السوري حالة تجاوزه الخط واستخدم السلاح الكيماوي ضد شعبه. وشهدت الفترة الماضية عددا من الإجراءات لبناء الثقة بين البلدين، وزيارة الرئيس أوباما للمملكة في نهاية شهر آذار/ مارس الماضي واجتماعه مع العاهل السعودي الملك عبدالله.
ولم تنه هذه الجهود الخلافات بين البلدين حول الملفات الإقليمية المهمة والتي تقع على رأسها سوريا إضافة لإيران ومصر. وترى الصحيفة أن سوريا أصبحت بمثابة المهمة الشخصية للملك عبدالله بشكل يؤثر على التحالف الذي حدد توازنات القوة في الشرق الأوسط في أزمة.
وتقول الصحيفة إن تراجع أوباما في سوريا ترك أثرا مرا لدى السعوديين لأن الإدارة الأمريكية ضيعت فرصة للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، كما وأنها أرسلت رسالة حول جدية ومصداقية الولايات المتحدة التي تعتمد السعودية عليها لحماية أمنها وأمن النفط. ونقلت عن رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشورى السعودي، عبدالله العسكر، «لم يملك أوباما الإرادة السياسية، ليس في سوريا فقط ولكن في كل مكان»، وتعكس تصريحاته المفهوم العام والشائع لدى السعوديين من أن الولايات المتحدة فقدت الإهتمام بمنطقة الشرق الأوسط حيث أضاف أن «الخيبة من أوباما ظهرت في كل أنحاء العالم العربي».
وتشير هنا لزيارة أوباما للمملكة في آذار/ مارس الماضي والتي هدفت للتأكيد للسعوديين التزام الولايات المتحدة بأمن السعودية والخليج وتعزيز العلاقات الثنائية، وتبعت الزيارة سلسلة من النشاطات المحمومة والوفود المتبادلة بين البلدين، وكان من بين الزوار الذين حلوا في الرياض وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل والذي أكد في هذا الشهر تصميم الولايات المتحدة على البقاء في المنطقة وحمايتها خاصة انها تنتح معظم النفط العالمي.

إعادة النظر بالسياسة

ومع أن الرئيس أوباما حدد بعض المعالم الجديدة في خطابه في الأكاديمية العسكرية في ويست بوينت، يوم أمس وعبر عن تحول في السياسة الخارجية المتعلقة بسوريا حيث أعلن عن خطوات لدعم المعارضة السورية بما في ذلك تدريب مقاتليها ودور مهم لوزارة الدفاع الأمريكية في عمليات التدريب، لكن السعودية سبقت الأمريكيين وأعادت جدولة رؤيتها لسوريا وطريقة تعاملها مع الأزمة حيث قامت بالتصدي لعدد من مظاهر القلق التي تجعل الولايات المتحدة مترددة بلعب دور كبير في الحرب الدائرة منذ اكثر ثلاثة أعوام، واتخذت السعودية خطوات للحد من انتشار الجماعات الجهادية وتأثيرها على فصائل المقاتلين.
ومن بين الإجراءات الجديدة كان الإعلان عن قانون لمكافحة الإرهاب والذي اعتبر الجماعات الجهادية المرتبطة بالقاعدة جماعات إرهابية، وفرضت عقوبات على السعوديين الذين يسافرون لغرض القتال في سوريا، حيث سافر أكثر من 1500 متطوع سعودي إلى هناك. وأصدر الملك قرارا أعفى فيه الأمير بندر بن سلطان الذي كان مسؤولا عن الصدع في العلاقات الأمريكية- السعودية، وكشف نقده الحاد للولايات المتحدة على فشلها ضرب سوريا عسكريا عن عمق الغضب السعودي من حليفتها الأقرب.
ومع أن قرار الإعفاء أرفق بالقول إنه جاء بناء على طلب من الأمير، وهو ما يتمسك المسؤولون السعوديون بقوله إلا أن دبلوماسيين غربيين قالوا إن بندر الذي عمل سفيرا لبلاده في واشنطن عددا من السنوات والذي عرف عنه قدرته على التأثير على صناع القرار الأمريكي، ربما أطيح به بسبب فشله في إقناع الأمريكيين بتنفيذ عملية عسكرية ضد النظام السوري.
وتؤكد الصحيفة إن التأكيد السعودي الجديد على مكافحة الإرهاب يعكس القلق الحقيقي في المملكة من تصاعد تأثير الجماعات المتطرفة على المعارضة السورية والذي أثر على مواقف الدول الغربية ومنعها من مساعدة المعارضة وعدم فعل شيء لتسريع عملية الإطاحة بالأسد. كما وتعززت مخاوف السعودية من آثار الحرب في سوريا على أمنها الداخلي وتكرار تجربة أفغانستان والمتطوعين السعوديين فيها في الثمانينات من القرن الماضي بعد الكشف عن مؤامرة من 106 للقيام بهجمات في السعودية، وتم اعتقال 64 شخصا منهم فيما لا تزال السلطات تلاحق 44 أخرين.
وكان اللواء منصور التركي، المتحدث باسم الداخلية السعودية قد أعلن أن بعضا من المعتقلين ناقشوا خططا لاغتيال مسؤولين سعوديين مع قادة في الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش».
ونقلت عنه الصحيفة قوله إن المصالح السعودية لن تخدم من القاعدة «ولا نريد القاعدة أن يكون لها دور في سوريا أو نشاهد مشاركة من أبنائنا هناك».
كل هذه الإجراءات لمنع السعوديين من السفر لسوريا لا تعني ان الحكومة السعودية قد تخلت عن طموحاتها للإطاحة بالنظام السوري أو لا تزال تأمل بدور كبير للولايات المتحدة في تسريع رحيل الأسد كما يقول الأمير تركي الفيصل، مدير الإستخبارات السعودية السابق.
وكانت إدارة أوباما قد سمحت بإمداد المقاتلين السوريين بصواريخ متقدمة مضادة للدبابات من نوع (تي أو دبليو) والتي ظهرت في أيدي المقاتلين الشهر الماضي ولأول مرة بعد أن صادقت الولايات المتحدة على شحنها.
ولن ترضي الجهود الأمريكية السعوديين الذين يرغبون بأسلحة ودور أمريكي يغير قواعد الحرب في سوريا وتدفع الأسد للخروج من السلطة، من مثل تزويد المقاتلين بصواريخ مضادة للطائرات والتي يدفع السعوديون باتجاه توفيرها للمقاتلين.
ويقول الأمير تركي أن «خيبة الأمل ستزداد إن لم يتم تقديم دعم أكثر للمعارضة»، مشيرا أن» السياسات التي اتبعتها دول العالم لمنع القتل في سوريا لم تنجح». مضيفا «لا يمكنك عقد مفاوضات بدون تحقيق توازن في ساحة المعركة، ولماذا يضطر الأسد للتفاوض إن كان يحقق إنجازات».

احاديث سلام في بروكسل

وفي هذا السياق أشار ديفيد أغناطيوس المعلق الأمريكي في صحيفة «واشنطن بوست» الذي أدار حوارا بين مدير الإستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق عاموس يدلين والأمير تركي الفيصل في بروكسل قائلا إن الجمع بين مسؤول استخبارات إسرائيلي سابق وسعودي سابق للحديث عن السلام لا يعتبر خرقا لكنه يساعد على الاقل كما يقول على الإبقاء على فكرة تحقيق تسوية سلمية بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وقد دعمت الحوار مؤسسة مارشال الألمانية التي يعمل إغناطيوس في مجلس أمنائها، وتم وضع الحوار على الإنترنت وشوهد في عدد من دول العالم بمن فيها الدول الإسلامية.
ولا توجد أرقام عن نسبة المشاهدين له لكنه يعتبر من أعلى اللقاءات التي تتم بين مسؤولين بارزين في المؤسستين الإسرائيلية والسعودية.
وجاء بعد أن وجه للأمير تركي طلب في مؤتمر ميونيخ للأمن قبل عدة أشهر ردا إسرائيليا على مبادرة الملك عبدالله للتسوية السلمية.
وقال يدلين إنه يريد أن يقدم ردا علنيا «وعندما طلبت من تركي الإنضمام للحوار وافق».
ويقول إغناطيوس «أتمنى لو كانت المفاوضات الحقيقية سهلة بسهولة القنوات السرية، وحتى في هذا الحوار الذي استمر 90 دقيقة كانت هناك خلافات جوهرية.
ولكن الطرفين اتفقا على أهمية أن تكون مبادرة الملك عبدالله إطارا للحل السلمي، ويجب أن تترك مسألة الحدود والقدس واللاجئين للتفاوض بين الطرفين. مشيرا إلى إطار مماثل حاول تقديمه وزير الخارجية الأمريكي جون كيري وفشل في اللحظة الأخيرة بعد إعلان الإسرائيليين عن بناء وحدات سكنية ورفض الفلسطينيين للصفقة.
وعليه فقد يناقش البعض كما يقول إن العودة للعملية السلمية ما هي إلا مضيعة للوقت إن أخذنا بعين الإعتبار تعنت كل طرف.
ومع ذلك يقول الكاتب فالحوار مستمر كما حدث يوم الإثنين الماضي لأسباب وجيهة، لان بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي ومحمود عباس، رئيس السلطة الوطنية يعترفان أن خياراتهما مرعبة حالة تلاشت فيها آمال السلام.
مع أن المجتمع الدولي يواصل دفعه الطرفين لتحقيق تسوية للنزاع، وكانت آخر محاولة هي زيارة بابا الفاتيكان، البابا فرانسيس الأول للأراضي المقدسة والذي قال إن الجمود في العملية السلمية غير مقبول، وموافقة كل من عباس والرئيس الإسرائيلي شيمون بيريس على دعوته لزيارة الفاتيكان الشهر المقبل.
ويقترح الكاتب هنا على البابا أن يقوم بطرح المبادرة السعودية كإطار للمحادثات والتي كما عبر عنها الأمير تركي تضم وعدا باعتراف الدول العربية بإسرائيل وإنهاء النزاع إن تم تقديم التنازلات حول القضايا المعقدة، الحدود واللاجئين والقدس.

سياسات أحادية

ومن هنا اقترح يلدين خطة طارئة- ب- في حال فشلت محاولة جديدة للمفاوضات. ويريد يدلين انسحابا إسرائيليا لحدود يمكن الدفاع عنها من أجل تعبيد الطريق أمام دولة فلسطينية. وعرض نقلا للمستوطنين للحدود الجديدة ما بين 60-100 ألف مستوطن في الضفة الغربية، ويفترض يدلين أن تقوم إسرائيل بهذه الخطوات من جانب واحد.
و مع أن تاريخ الإنسحابات من جانب واحد مثلما حدث في غزة عادة ما يرتد عكسيا، لكن الكثير من الإسرائيليين يتفقون مع يدلين أنه خطة بديلة- ب- هي أحسن من استمرار الإحتلال. ويكشف لقاء بروكسل للكاتب أن إسرائيل والسعودية تتفقان على معظم القضايا الأمنية في المنطقة إن استطاعتا التوصل لتسوية المسألة الفلسطينية.
ففي المسألة السورية، مثلا، عرض الأمير تركي خطة لمساعدة المعارضة المعتدلة والتي وافق عليها يدلين «حرفيا»، وذهب خطوة أبعد باقتراح تفكيك القوة الجوية السورية.
وفي الموضوع الإيراني يشترك البلدان بنفس الرؤية حول المفاوضات لوقف امتلاك إيران القنبلة النووية. وذهب تركي خطوة أبعد عندما طالب إسرائيل بالتوقف عن مشروعها النووي وجعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية، حيث يتم ضمان هذا من خلال مجلس الأمن.
ورد يدلين إن مجلس الأمن الذي لا يستطيع الإتفاق على فرض عقوبات على سوريا بعد استخدام السلاح الكيميائي، فلماذا تثق إسرائيل بهذه الخطة. ويعتقد إغناطيوس أن نقاش ما لا يمكن نقاشه كان جيدا حيث جرى بين طرفين من النادر ان يتفقا. وفي النهاية قد يرى البعض أن ما جرى في بروكسل مجرد كلام في كلام، فمن الصعوبة بعد كل هذا إقناع عباس ونتنياهو. ولكن النقاش يعطي فكرة أن الوضع القائم لا يمكن استمراره.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية