المحكمة العليا رفضت طلبا لبيلين للاعلان عن حرب في لبنان.. وعليها الاستعداد للتحقيق بما جري
باستثناء قراره الخاطيء الذي اتخذه بالاعلان عن وقف الحرب الجوية لمدة 48 ساعة في جنوب لبنان، والذي أتاح الفرصة لعناصر حزب الله أن تتنفس والي اعادة التسلح الجزئي، فقد أدار رئيس الوزراء، ايهود اولمرت، هذه الحرب برؤية وتفكير جيدين (دخول تدريجي ومتأنٍ للعمليات البرية في لبنان)، وبشجاعة عالية (السماح بالعملية التي جرت في بعلبك). صحيح أنه توجد خلافات فيما اذا كان قد أخذ علي عاتقه شروط البدء بنوع من القيود التي أخرت كما يبدو قدوم علامات النجاح هناك، ولكن هذه ستكون قضية للمؤرخين، لأنه لا أحد يعرف ماذا سيتولد عنه هذا اليوم، مثلا، ولكن حتي اليوم فقد وُلد كل الأداء الجيد. الخلفية معقدة: لقد سبق لاهود باراك أن قرر، وبتعقل، أن تنسحب اسرائيل من لبنان باتفاق مع الأمم المتحدة. وهناك كانت توجد أسماء 120 من القتلي علي لوحات الذكري، وهو رقم كبير للغاية بالنسبة لهؤلاء الذين قُتلوا حتي الآن في هذه الحرب. والمجتمع الدولي لم يكن الي جانب اسرائيل، بل لم يكن ليعطي اسرائيل مثل هذا التأييد الذي أعطاها إياه الآن، كما كان عليه الأمر عندما قررت اسرائيل في أحد الايام الاحتفاظ بمنطقة أمنية كما تقرر أن تفعل الآن. ولكن باراك، بدوره ايضا قد اخطأ كثيرا عندما لم يرد كما يجب علي اختطاف الجنود الاسرائيليين في تشرين الاول (اكتوبر) 2000، كمبرر لشن حرب، لأن ذلك ليس مجرد لعبة كلمات فقط.
فقط، عندما فقد باراك السلطة في شهر كانون الثاني (يناير) 2001، فقد اخطأ ارييل شارون وبنيامين بن اليعيزر وشاؤول موفاز علي مدار السنين عندما غضوا أبصارهم وأغمضوا عيونهم عن تلك العملية التي تدور علي خط الحدود الشمالية من عمليات تقوية وتعزيز مراكز وتحصينات حزب الله، وذلك حتي شاهدوا ما شاهدوه وضُربوا من حيث لم يتوقعوا علي أيدي حسن نصر الله كما نري الآن.
وحتي قبل أن يتضح ماذا حدث في هذه الايام الـ 21 من ايام المعارك التي دارت حتي الآن، وما الذي حدث لسمعة وقدرة الردع الاسرائيلية هناك، فمن الحق القول بأن اولمرت، وعمير بيرتس، ودان حلوتس، أحسوا، ليس قليلا، حجم الشعور بالخطر لوجود (حسب المعلومات) 13 ألف صاروخ لدي حزب الله. الذي نراه الآن هو أن نحوا من 2000 من هذه الصواريخ قد أُطلقت، وقتلت، حتي الآن، نحو عشرين من المواطنين. خسارة علي كل نفس تموت، ولكن استمرار وجود تهديد لوجود الدولة أمر لا يُعقل ايضا. والي أن جاء اليوم الذي سقطت فيه الصواريخ علي مدن وقري ومواقع الشمال أكثر من أي يوم آخر، فان البورصة في تل ابيب انطلقت نحو الأعلي. لقد أيدت الانسحاب من لبنان عام 2000، ولست نادما علي ذلك الموقف ولو للحظة واحدة. لكن الخطأ حدث بعد ذلك، ويتم اصلاحه الآن. وكذلك لست نادما علي تأييدي لقرار الانطواء (الانسحاب)، فاسرائيل لا يمكنها الاحتفاظ بنحو ثلث اراضي قطاع غزة من اجل 7500 مستوطن. والادعاء بأن الانسحاب من هناك كان سببا لجلب الارهاب، يعتبر في نظري ادعاء فارغا لا أساس له، لأن الارهاب كان موجودا مع وجود غوش قطيف ومن غيره. المقدم أفيف كوخافي أُرسل لمحاربة الارهاب، وفعل كل ما يستطيع، وبنجاح، لكن ذلك لم يكن ليغير مصير نتساريم، مثلا، بأي حال من الاحوال.
من الأجدر أن ننظر ونفكر بحقيقة واحدة فقط: أن الفلسطينيين وحزب الله فهموا وفسروا الخطوة الاسرائيلية أحادية الجانب علي أنها علامة ضعف اسرائيلي، ولم ينظروا اليها علي أنها خطوة تعني المبادرة وحُسن النوايا تجاههم، كما كانت اسرائيل تقصد بذلك، وأنها تسعي من اجل السلام. ولأن ذلك لم يكن ضمن حساباتهم، فلا بد أن ينزل الكثير من العرق عن جبينهم لكي تعود اسرائيل وتثق بهم من جديد، وهذا جعل القرار القادم بتنفيذ الانطواء في حكم القرار الذي تم إرجاء تنفيذه الي موعد مشروط بظروف اخري.
الضفة الغربية ليست مثل قطاع غزة، ومجالها وحدودها ايضا ليسا مثل لبنان السيادية. لذلك، فان عودة اولمرت للحديث عن الانطواء هي في نظري عبارة عن خطأ آخر، بل خطأ مزدوج. لا يمكن الطلب من الشعب الاسرائيلي أن يتوحد وراء الحكومة في الوقت الذي يقف فيه علي رأسها رئيس وزراء يُعيد التفكير وينوي تنفيذ خطة هي في الأصل كانت موضع خلاف، ولا يوجد اتفاق حولها. إن من يمشي ويتجول بين الجنود والضباط، يفهم بأنه في ايام الاجماع الوطني لا ضرورة للبحث عن خلافات لا داعي لها. لقد وجه اليه أحد الصحافيين الاجانب سؤالا. حسنا جدا، كان يجب عليه القول بأنه طالما بقيت هذه الحرب دائرة، فانه يرفض البحث في أية مشاريع سياسية ليست ذات علاقة بهذه الحرب.
ولكن المشكلة أن هذه الخطة (الانطواء) لم تكن ايضا مقبولة دون الموافقة عليها الآن، اذا فكر بها، دون موافقة واضحة من الشعب. وكما يقولون ذلك في أحد الاعلانات الكبيرة التي يرفعها البعض زعماء كديما.. أدخلوا هذا الي رؤوسكم جيدا.. جيدا.
الخُضر علي الخارطةالمقدم ألون فريدمان، هو الموجه للقيادة الشمالية في الجيش، الوجه الجميل للقيادة الشمالية الذي يعاني الانقسامات والتمزقات الداخلية، اضافة للخلافات بينه وبين رئيس هيئة الاركان. هو ابن 42 سنة، شمالي من مدينة هرتسليا، ومن طلائع غولاني، الذي عاد الي الخدمة في الجيش الاسرائيلي في أعقاب مقتل المقدم أراز غرشتاين في لبنان.
تحركت وتابعت خطواته علي طول خط القتال، فوجدت ضابطا متزنا، مُفكرا، ويتمتع بقدر جيد من التفاؤل. فريدمان يعتقد، خلافا لما يفكر به قسم كبير من الجمهور الاسرائيلي، بأن جنود القوات البرية يقومون لخوض المعركة في الشمال ولأداء واجبهم، وأن أوسمة كثيرة ستوزع في أعقاب هذه الحرب. وقد أثبت جنود الاحتياط في القطاع الغربي من الجبهة بأنهم لم ينسوا أبدا دروس وعِبر الحرب اللبنانية الاولي، رغم تدني مستوي تدريباتهم (حسب تقديري لانهم جربوها أكثر من الجنود الشبان من خريجي محاربة الانتفاضة). السلطات المدنية هي التي ستقرر ما الذي سنقوم بالتحقيق فيه بعد انتهاء الحرب، لكن يتوجب علي الجيش أن يقوم بواجبه ايضا. ليس يوم وقوع عملية الاختطاف فقط، ولا ضرب سفينة سلاح البحرية ايضا، وسلسلة طويلة من الأحداث غير الطبيعية، بل هناك ايضا مشاكل وأحداث خاصة جدا. فهل يجب علي اسرائيل أن تري بجنود الوحدات البرية مجرد جيش إسناد ومساعدة للقوات التي تعمل وتستغل القدرات التكنولوجية المتفوقة عند الجيش الاسرائيلي؟.
لقد كشفت هذه الحرب الخطة الخاصة المُعدة لكل عدة سنوات لدي الجيش الاسرائيلي، ولو لم تنشب هذه المعارك، فان الميزة والطريقة المفضلة لتغليب القضية التكنولوجية القائمة علي استثنائية سلاح الجو الاسرائيلي، كانت ستزداد. بمعني، أن كل قطاعات الجيش كانت ستبقي علي حالها باستثناء سلاح الجو الذي يحظي بالتطور المستمر. ولكن الآن، أصبح يوجد كم من المعلومات الاستراتيجية الذي يوجب التفكير من جديد. والذي نفهمه من ذلك أن فريدمان مثلا، أن الخُضر، عادوا مرة اخري ليأخذوا مكانهم علي الخارطة. هؤلاء هم نصيب مهم ووافر في الوضع العسكري المتبلور في هذه الايام، يوم أمس كانوا يستعدون لانهاء المرحلة الاولي من مراحل القتال البري الذي يدور في مناطق جنوب لبنان. هناك يدور قتال قاس مع عناصر منظمة ارهابية مسلحة من النوع الذي يُطلق عليه اسم حرب عصابات، ومع ذلك، فان هذه العناصر مستعدة ومدربة للقيام بهجمات معاكسة، ولها خطط دفاعية وقدرة علي القيام بعمليات هجوم منظمة، كما تفعل القوات النظامية. لذلك، علي الحكومة، ومنذ ساعات الصباح الباكر، أن تقرر بالضبط ما الذي تريده، وما هي خططها القادمة.
هي تستطيع أن تري وتكتفي بهذه المنطقة الضيقة التي أصبحت ضمن وتحت سيطرة الجيش الاسرائيلي، منطقة يمكن استعمالها كورقة للمفاوضات تلزمها من اجل تحقيق أهدافها السياسية وإتمام خطتها التي من المفترض أن تكون قد رسمتها في وقت سابق من هذه المراحل التي وصلت اليها الآن. والحكومة يمكنها المطالبة بتحسين وضع وحالة هذه المنطقة، وذلك بطلب فرض كامل السيطرة عليها وايصالها حتي حدود نهر الليطاني لتكون منطقة متواصلة وممتدة، ولكن، ما هو الشيء المفضل في نظرها؟ لا يحق للضباط التحدث عن ذلك علنا واثناء أداء الخدمة. ولكن، وبعد انتهاء الحرب، سيأتي دور حرب الكلام التي ستدور بين الجيش والحكومة من جهة، وبين قيادات الجيش الداخلية من جهة اخري.
يُهودون رافض الخدمة… لحظة من هذه الحرب:
يوم الخميس سافرت نحو الشمال لكي أودع هذه النار، اعتقدت بيني وبين نفسي بأنه هنا تدور هذه المعارك. قبل نحو 369 شهرا عُدت من حرب بسيطة. بالنسبة لي هي حرب انتهت عند بلدة صغيرة اسمها الطور في شبه جزيرة سيناء. زرت صديقي ايلان جنني، الذي كان يُعالج في مستشفي هداسا عين كارم في القدس، وذلك في أعقاب اصابته في المعركة التي دارت للاستيلاء علي مدرسة الشرطة في القدس (منطقة الشيخ جراح)، وكان قد مضي شهر تقريبا علي انتهاء حرب الايام الستة في حزيران (يونيو) 1967. تحدثنا حول مستقبله المدني (بعد الجيش)، وكل شيء كان يبدو في تلك الساعة عاديا وطبيعيا، وأتذكر أنني كتبت عنه في الصحيفة ها هي الحرب تبتعد، وفي ساعات الصباح، لدي توزيع صحيفة هآرتس في صناديق البريد عند مداخل البيوت والاماكن الاخري، تلقيت مكالمة من والده تسفي، حيث أخبرني أن ابنه ايلان قد توفي اثناء الليل متأثرا بجراحه. وببساطة، فقد رفضت الحرب أن تبتعد وأن تنتهي.
في هذا الاسبوع ايضا، اعتقدت لبعض الوقت أن الحرب ستنتهي، ومرة ثانية فانها ترفض ذلك. فقد وصلت الي الشمال مع الاعلان المحتمل عن وقف اطلاق النار، وعندما وصلت واجهت يوما سقط فيه نحو 200 صاروخ علي مناطق الشمال، وفي كريات شمونة وحدها سقطت صواريخ كثيرة، وواجهت الكثير من الضربات الصاروخية، كنت أشاهد الحرائق وأشم روائح كريهة تنبعث من تلك الانفجارات، اضافة لذلك الطقس الحار جدا. وهناك شاهدت المواطنة سيون بنش التي أحضرت زوجها الي نقطة تجمع قوات الاحتياط التي جري استدعاؤها مؤخرا، شاهدتها وهي تقف هناك بلا حول ولا قوة. فبعد سقوط تلك الصواريخ، أغلقت أمامها حتي طريق العودة الي البيت، فهي من سكان بيت هيلل، وقد تركت الاولاد عند الجدة.. فالي الشيطان هذا الوضع.
معتادون علي اصوات الانفجارات، واصل جنود ومجندات الفرقة 7 تناول الطعام في الساحة الموجودة دون الالتفات كثيرا لسقوط صواريخ الكاتيوشا التي كانت ولا شك تقلق الآباء والأمهات في البيوت خوفا علي الأبناء، وأكثر ما فعلوه هو الاستجابة لمندوبي رجال الكنيس اليهودي حفاتس حاييم من حولون الذين وزعوا عليهم كتاب أدعية، فكانوا يقرأون ويطلقون النار.
سقوط صواريخ الكاتيوشا بالقرب من كريات شمونة لم يُحرك أحدا من المقهي هناك، وذكرني بيوم كان فيه دان مرغليت، متان شوحاط، وشاي ميرون، ثلاثتهم كانوا فوق عربة جيب واحدة، ويخدمون في قوات الاحتياط، قبل سنوات كثيرة عندما دوي الانفجار، واشتعل حريق وأخذوا يبحثون عن ملاذ آمن هناك، فيها لتلك الذكري!. رجل الاعمال، الرائد غرينبرغ كان قد تحدث مع عميت مشيح، من زعماء رافضي الخدمة في ذلك الوقت ومن اليساريين، فبالنسبة لعميت لا توجد مشكلة بأن يخدم في لبنان، فماذا كنت سأفعل لو رفض الخدمة والتجنيد في لبنان؟ غرينبرغ: حكموه بالسجن لمدة 28 يوم سجن دون رأفة ولا تردد. نعم، ولكنهم يحبونه فهم يهودون رافض الخدمة شيئا فشيئا هكذا ابتسم شوحط.
الجليل كله يعاني من حالة طقس خماسيني، وفي الفندق القريب من كريات شمونة قابلت زملائي من قسم البث الذين لم اقابلهم منذ ثلاثة اسابيع. فهم اعتادوا كذلك علي الاوضاع. اعتادوا علي الحلاقة في السيارة، علي سقوط الصواريخ، ورجال الاحتياط كانوا كما كانوا دوما. صاحب محطة في القدس، والي جانبه آخر من زخرون يعقوب ومدرب من تل أبيب. فخيرة البناة العاملين في هذه البلاد متواجدون هذه الايام قريبا من خط الحدود بانتظار الامر بالتقدم نحو الحدود ودخول المعركة والسير نحو مراكز اطلاق الكاتيوشا في العمق اللبناني لان استمرار ذلك يعيق استمرار تواجدهم في الصحف، في تل أبيب. مشاهدات من الحرب: السيدة الحيفاوية تمناع أحيلئه شاهدت عضو الكنيست زهافا جلئون في التلفزيون وغضبت. فهي ابنة 85 سنة. امضت حتي الان 71 سنة في البلاد وهي مواطنة قديمة تقطن في مدينة الكرمل. وقد شاهدت النائبة من حزب ميرتس في التلفزيون وسمعتها تقول بانه لا يوجد غير العجائز والمسنين، الذين لا يملكون شيئا، وكذلك الاثيوبيين الذين ظلوا هناك دون قدرة علي التغيير او التصرف، هؤلاء فقط هم الذين بقوا في حيفا التي تتعرض للقصف. لكنها (النائبة من ميرتس) لم تعرف بان هناك من عرض عليها الذهاب الي تل أبيب وانها رفضت تلك الدعوة، بل وزيادة علي ذلك فهي تقوم بزيارة صديقتها ابنة 91 سنة، وانها تساعد كل من يحتاج الي المساعدة بمن في ذلك من يرغب في الاتصال الهاتفي ولا يملك هاتفا فقالت لي ربما تقول للسيدة جلئون ان تتحدث ببطء، لكي يكون عندها الوقت الكافي لتفكر اكثر فيما تقول. قرار للمحكمة العليا رفض طلبا لعضو الكنيست يوسي بيلين للاعلان عن حرب في لبنان. ولكن الحكومة تتصرف وكأن كل شيء يسير علي نحو طبيعي. وذلك الي أن تصيبها الاشياء وتتعلق بها. ففي يوم 14/6 القادم، سيستقيل القاضي اهارون باراك من رئاسته للمحكمة العليا، ووفقا للقانون يجب نشر اسم المرشح/ 5 لخلافته حتي موعد نهاية 23/8. والوزير حاييم رامون لا يمكنه تنظيم ذلك وترتيبه، وذلك لان المستشار القانوني ميني مازوز والي أن تنتهي التحقيقات بخصوصه (حقيقة؟ يمكن الاتفاق في يومين) وبعدم وجوده لا بد من تقديم وزير من الاحتياط ليخلف مؤقتا الوزير رامون كوزير للعدل. فلا يوجد نظام قضائي جيد وسليم دون قائد. فاذا لم تكن الحكومة قادرة للتصرف كما يجب، فمن الانسب ـ ربما ـ طلب خطوة من المحكمة العليا، طلب فتح ملف اصلي، عنوانه يكون المحكمة العليا ضد حكومة اسرائيل.
دان مرغليتكاتب دائم ومقدم برامج تلفزيونية(معاريف) 4/8/2006