اتسمت العلاقات السعودية-الإماراتية في السنوات الأخيرة بالاستقرار والتوافق في عدد من الملفات التي تخص المنطقة، سواء فيما يتعلق بإيران والتأثير التركي وحرب اليمن والموقف من الإسلام السياسي. ونبع التوافق من العلاقة الوثيقة بين كل من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد، الرجلان اللذان أقاما علاقة قريبة وناجحة مع إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب حيث نسقا العلاقة من خلال صهره جاريد كوشنر. ولهذا فقد كان مفاجئا الخلاف الذي فجرته الإمارات حول حصص النفط داخل منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط وحلفائها أو كما تعرف باسم «أوبك بلس» فقد قال وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي للصحافيين في بداية تموز/يوليو إن حصص «أوبك بلس» «ليست عادلة» ثم جرى إلغاء لقاء كان من المفترض أن يتم التوافق فيه على عملية إنتاج النفط ومعدلاته لما بعد شهر تموز/يوليو. لكن المراقبين للشأن الخليجي لم يستغربوا الشجار الخليجي- الخليجي ويتوقعون خلافات أخرى إن لم يتم حل الملف الحالي وهو الاستجابة لطلب الإمارات بزيادة إنتاجها من النفط بدرجات قصوى لكي تحول احتياطها النفطي إلى مال يمول مشاريعها الأخرى في تحقيق الاستقلال عن النفط وقبل أن يتم التحول العالمي إلى الطاقة النظيفة. وطفت على السطح عبر هذه المواجهة منافسة سياسية-اقتصادية تمس العديد من الملفات في الجوار الخليجي وعلى مستوى المنطقة، من قرار الإمارات الخروج من اليمن 2019 والتطبيع مع إسرائيل في العام الماضي. ولم يكن مفاجئا أن يفسر الخلاف النفطي عبر منظور التباين السياسي ومحاولة الإمارات شق طريقها المستقل بدون الإلتزام بنظام الحصص الذي وضعته أوبك بلس من أجل الحفاظ على مستويات الإنتاج وتحديد حصة لكل دولة حسب قدراتها الإنتاجية.
التنافس المستمر
وعلى العموم لا أحد من المعلقين يتحدث عن قطيعة بين البلدين، لكن التنافس بات أكثر حدة، ونقل موقع «بلومبيرغ» (6/7/2021) عن معلق إماراتي قوله إن التنافس الاقتصادي لا يزال في مراحله الأولى. فالخطوات التي اتخذت بعيدا عن طاولة مفاوضات أوبك بلس ساهمت بتسميم الأجواء مثل قرار السعودية منع الطيران القادم من الإمارات بحجة المخاوف من انتشار فيروس كورونا. ومع أن التوقيت قد يكون متزامنا إلا أنه يأتي قبل عطلات العيد في الخليج حيث يتدفق الزوار إلى دبي التي فتحت أبوابها للسياحة. وقالت الرياض أيضا إنها ستستثني الواردات من المناطق الحرة المرتبطة بإسرائيل مقابل التفاوض على تعرفة أحسن مع دول الخليج الأخرى، والمقصود هنا مناطق دبي الحرة. وفي نفس الوقت زادت الرياض من جهودها لكي تحل محل دبي كعاصمة مالية في الشرق الأوسط حيث تحضر للحياة بعد النفط. ومن الخطوات التي اتخذتها الرياض بداية العام، توجيه إنذار للشركات الأجنبية بنقل مقراتها الرئيسية من دبي إلى السعودية بحلول عام 2024.
نذر المستقبل
ومع ذلك تظل المسألة تعبيرا عما يمكن أن يأتي في المستقبل من خلافات وفي هذا السياق ذكرت مجلة «إيكونوميست» (7/7/2021) أن الشجار بين البلدين هو نذير لخلافات وتقلبات أخرى في الأسعار. مضيفة إلى أن الدول الأعضاء في أوبك بلس تستخدم استراتيجيات متباينة عندما يتعلق الأمر بالتحول في الطاقة وأسواق النفط وتحاول دول مثل الإمارات مسابقة الوقت وتحويل الاحتياط النفطي إلى مال، في وقت يريد الآخرون مثل السعودية تقييد الإنتاج للحفاظ على أسعار النفط عالية. وسيتصاعد الخلاف ويصبح أوضح مع التحول نحو الاقتصاد الصديق للبيئة. ورأت المجلة أن التعجل الإماراتي بالإنتاج نابع من الرغبة بمراجعة الحصص التي تقوم على إمكانيات إنتاج الدول في تشرين الأول/أكتوبر 2018. فقد زادت أبو ظبي من قدرتها الإنتاجية منذ ذلك الوقت بنسبة الخمس، وهذا بسبب الاستثمار الكبير. وهذا يعني أن ثلث قدرتها الإنتاجية ساكنة- وهي حصة أعلى من أي دولة عضو في أوبك بلس. لكن الدول الأعضاء الأخرى وبالتحديد السعودية مترددة بزيادة الإنتاج بشكل كبير. وهذا لأن التخلي عن نظام الحصص سيدفع الدول الأخرى مثل روسيا المطالبة بنفس الأمر. وربما عكس هذا رغبة السعودية تجنب الإنتاج المفرط في وقت يمكن للدول غير الأعضاء في أوبك توسيع الإنتاج. وربما كانت إيران المصدر المحتمل للإمدادات الجديدة. ويحاول المفاوضون الإيرانيون التوصل لصفقة مع الولايات المتحدة يتم من خلالها رفع العقوبات مقابل فرض قيود على الطموحات النووية الإيرانية. ولو نجحوا، فستضيف إيران حوالي مليون برميل في اليوم إلى السوق بنهاية العام الحالي. ويمكنها بيع 200 برميل لديها في المخازن. ورأت المجلة أن هناك ثلاثة سيناريوهات يمكن للكارتل وحلفائه اللجوء اليها: الأول هو ترك الدول الأعضاء إنتاج ما تريد إنتاجه، مما يعني حرب أسعار وانهيار أسعاره. وهذا خيار مستبعد كما يرى محللو صناعة النفط. وفي ظل حرب الأسعار في آذار/مارس 2020 عندما فشلت السعودية وروسيا الاتفاق على خفض معدلات الإنتاج. أما الاحتمال الثاني، فهو الفشل بالتوصل إلى اتفاق والتزام الدول بالحصص المخصصة لها، وهذا يعني أن الزيادة في الإنتاج فيما بعد شهر تموز/يوليو لن تتحقق. أما الثالث وهو الأكثر احتمالا من الخلاف هي تسوية يسمح فيها للإمارات وبعض الدول بزيادة إنتاجها بشكل مؤقت وتناسي مراجعة موضوع الحصص المثير للخلاف.
استراتيجية جديدة
ورأت صحيفة «وول ستريت جورنال» (7/7/2021) أن استراتيجية الإمارات الجديدة تقوم على استخدام مصادرها النفطية التي لها قيمة في الوقت الحالي، وهي ليست معنية بالاعتماد على احتياطاتها كصمام أمان في المستقبل. وتهدف من خلال هذا توليد أموال لخطط تنويع الاقتصاد والاستثمار في الطاقة الجديدة. وتقول الصحيفة إن الإمارات ليست خائفة من التراجع المفاجئ على الطلب وتتوقع مشترين لنفطها الخام ولعقود قادمة. ولكنها تريد ضخ أقصى كميات من النفط لديها وبيعها في وقت لا يزال فيه سعر برميل النفط قويا. ولهذا السبب تحاول الحصول على حصة كبيرة من سوق النفط وتحويله إلى قيمة مالية. ورأت الصحيفة أن التباين الجيوسياسي بين السعودية والإمارات هو صورة عن كيفية رد البلدين على التحول العالمي من الوقود الأحفوري ذي الانبعاثات الكربونية العالية. ولم يعد التنافس بينهما على سوق النفط ولكن على اقتصاد ما بعد النفط. وعلى المدى القريب فقد زاد البلدان من القدرات الإنتاجية بوعد استخدام الموارد المالية في مشاريع التنويع. وفي عام 2020 أعلنت شركة النفط السعودية «أرامكو» عن خطط لزيادة معدلات الإنتاج من 12 مليون إلى 13 مليون برميل في اليوم. وبعد عدة أشهر أعلنت شركة بترول أبو ظبي الوطنية عن خطط لاستثمار 122 مليار دولار لزيادة معدلات إنتاجها إلى من أربعة إلى خمسة ملايين برميل في اليوم بنهاية العقد الحالي.
الخروج من أوبك
وأثار الموقف الإماراتي تكهنات عن خروجها من الكارتل لو لم تتم الاستجابة لطلباتها. وأشارت صحيفة «فايننشال تايمز» (7/7/2021) إلى أن سياسة الدفع نحو الهاوية بين السعودية والإمارات تهدد وحدة أوبك في وقت زادت فيه أسعار النفط. وحذرت من أن رغبة الإمارات بزيادة إنتاجها يثير سيناريو خروجها من كارتل النفط بعد 54 عاما. وقالت إن المواجهة فتحت صدعا في قلب أوبك وتهدد قدرة الكارتل وشركائه في تحالف أوبك زائد توفير استقرار لأسعار النفط، وربما أدى لخروج الإمارات العضو فيه منذ عام 1976. مضيفة إن وجود اجماع بين المسؤولين الإماراتيين المقربين من الزعيم الفعلي للإمارات بن زايد بأن مصلحة الإمارات العمل بمفردها حسب أشخاص على معرفة بالأمر. وقال شخص «النقاشات جارية ولكن الخروج يظل خيارا نوويا» و «هناك الكثير من الخطوات الواجب اتخاذها قبل أن نصل إليه». وتحدث خبراء عن الصدمة التي سيتركها الخلاف الأخير على سمعة ومصداقية أوبك. وكان يمكن للإماراتيين الالتزام بحصص النفط المخصصة لهم بحسب الكارتل وإنتاج ما يريدون، وهو تقليد تتبعه دول المنظمة، لكن المرة الأخيرة التي حاول فيها الإماراتيون القيام بأمر كهذا استدعي وزير نفطهم إلى الرياض في الصيف الماضي وجرى تعنيفه.
تضارب في المصالح
ويعتقد المعلق في صحيفة «فايننشال تايمز» (7/7/2021) ديفيد غاردنر أن الخلاف الأخير حول سياسات أوبك هو آخر مظاهر تصادم المصالح بين الحليفين الخليجيين الذين جمعتهما الصداقة القوية بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد. ويعتقد أن التنافس بين الأميرين يهدد مستقبل مجلس التعاون الخليجي والمنطقة بشكل عام. وقد أنشئ مجلس التعاون الخليجي قبل 40 عاما للرد على الثورة الإسلامية في إيران وخططها تصدير الأيديولوجية الإسلامية الشيعية. وفي عام 2011 أرسلت السعودية التي تقود المجلس قواتها لمساعدة البحرين في مواجهة الإنتفاضة هناك. وفي 2017 شاركت السعودية والإمارات والبحرين مع مصر في فرض حصار على قطر. وعلى مدى السنوات الماضية خلق المجلس سوقا مشتركة بين أعضائه الست-السعودية والإمارات والبحرين وقطر والكويت وعمان. وقال إن هناك عدة طرق قد تنتهي بها المنافسة بين البلدين التي لم تعد مقتصرة على سياسات النفط بل والرياضة ولبرلة المجتمع. الأولى هي لجوء مجلس التعاون الخليجي لتعديل جمارك الاتحاد ودمجها في صفقة تجارية واستثمارية، تشمل على الخدمات، بشكل تخلق سوقا واسعة جاذبا للمال الأجنبي. أما الخيار الثاني فهو قيام دول الخليج مدفوعة بالتنافس بينها بعقد علاقاتها الخاصة مع دول الجوار بمن فيها إيران والدول الفاشلة التي تسيطر عليها من العراق وسوريا ولبنان وحتى اليمن والتي قد تستفيد من التكنولوجيا وخطط تنويع الاقتصاد والطاقة المستدامة والخبرات في مجال الانشاءات التي طورتها دول الخليج. ولدى كل من قطر وعمان والكويت خطوطا مفتوحة مع إيران، وبدأت السعودية والإمارات بنقل تنافسهما وبشكل منفصل إلى إيران.
المصالح أهم
وفي تحليل للكاتب بوبي غوش في موقع «بلومبيرغ» (7/7/2021) إن الشراكة السعودية-الإماراتية تعرضت لامتحانات الخلافة والخلافات على الحدود وضغوط الحرب في الجوار لكنها تواجه اليوم أكبر تحد وجودي وهو الاقتصاد. وقلل من إمكانية القطيعة بين البلدين لأنهما متفقان على المخاطر التي تحيط بهما من إيران إلى تركيا والإسلام السياسي بالإضافة للعلاقة الوثيقة بين ولي عهدي البلدين. ويعتقد أن التنافس الاقتصادي سيظل مشكلة لا يمكنهما تجنبها. وسيترك الخلاف في بعض المرات تداعيات دولية، كما في الشجار الأخير حول إنتاج النفط. وفي مرات أخرى قد تكون تداعيات التنافس محلية مثل إنذار الرياض للشركات الدولية بنقل مقراتها إلى السعودية. وفي القضايا الإقليمية المهمة ستظل المواقف واحدة، ففي ظل الخوف من إيران ومحاولات أمريكا الخروج من المنطقة، فلا يستطيع البلدان ترك الخلافات بينهما خارج السيطرة. ويحمل التهديد الإيراني بعدا اقتصاديا، فإيران تعتبر منافسا مهما في مجال النفط والغاز الطبيعي. ومع ظهور الإجماع داخل الحزبين في الولايات المتحدة السماح للدول العربية البحث عن تسوية مع طهران، فالرياض وأبو ظبي بحاجة للعمل معا وإلا خسرتا. ويعرف الطرفان أن هناك قوى خارج سيطرتهما قد تجعل من خلافها موضع نقاش، فإدارة الرئيس جوزيف بايدن حريصة على عقد صفقة مع إيران بشكل سيخفف من القيود على إنتاج إيران من النفط وسيقود إلى هبوط في أسعاره. وهذا هو سبب تعجل الإمارات التي تريد استخراج أكبر قدر من النفط قبل أن يفقد قيمته. خلافا للسعودية التي تريد الاحتفاظ بنفطها تحت الأرض لأطول مدة ممكنة. وخلف السياسات النفطية هناك أيضا مستويات التحول عن النفط، ففي الوقت الذي أقامت فيه الإمارات قطاعات غير نفطية ظلت السعودية بطيئة وتعتمد خططها الجديدة على استثمارات صندوقها السيادي. ففي وسط الخلاف في داخل أوبك بلس أعلنت السعودية عن خطة بـ 147 مليار دولار لإنشاء شركة طيران دولية وتحويل السعودية إلى مركز للخدمات الجوية الدولية، ولم تمر هذه الخطط بدون ملاحظة الإمارات التي لديها مركزها الدولي وخطوطها «الإمارات» و «الاتحاد». مما يعني أن الفترة المقبلة حافلة بالخلافات العلنية والتنافس على الغنائم. وصارت المنافسة علنية بعدما تغيرت المواقف من التحالف الإستراتيجي بين البلدين كما يقول أندرياس كريغ في «ميدل إيست آي» (6/7/20121) واكتشفت الرياض أن سياسة «المحصلة صفر» لن تعود عليها بالنفع وأن الإمارات قد تجاوزت دور «الأخ الأكبر» بل وورطته في مغامرات يتحمل عبئها بنفسه الآن كما في اليمن. ويأتي الشجار في وقت حساس للمنطقة، فقد عبر الرئيس جوزيف بايدن عن رغبة بالعودة إلى الإتفاقية النووية مع إيران. وقال محلل سعودي « ما يفاقم هذه التوترات هو محاولة الإمارات استعراض قيادتها للمنطقة» وأضاف أن «نشاط الإمارات المفرط يستخدم كآلة لإظهار التأثير في المنطقة، وربما فسر في السعودية على أنه محاولة للتفوق عليها» و «اكتشف البلدان محدودية المشاركة».