من أجل فهم إلى أي درجة يشكل الشرخ في زعامة حماس بين رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية وزعيم حماس في غزة يحيى السنوار، سابقة خطيرة، ويجب العودة إلى الوراء، إلى السنوات التي فيها عمل المكتب السياسي للمنظمة من مركز القيادة الذي وضعه نظام الأسد في دمشق تحت تصرفها، في السنوات التي سبقت الحرب الأهلية في سوريا.
خالد مشعل الذي ترأس المكتب السياسي كان هو الشخص القوي في الحركة، لأن الأمور المالية للحركة كانت بين يديه، ولأنه أيضاً عمل من سوريا فقد كان له امتياز غير موجود لهنية ـ السفر في أرجاء العالم، بالأساس إلى الدول العربية وإمارات الخليج الفارسي، الذين تبرعوا للحركة بالأموال بصورة سخية. زعماء فلسطينيون كبار، سواء في غزة أو رام الله، يشهدون بأنه منذ إقامة حماس في أواخر الثمانينيات، كان في الحركة توتر فكري بين الذراع السياسي والذراع العسكري، ولكن لم يكن هناك في أي يوم شرخ بهذا العمق بين الشخصين القويين في العمود الفقري للقيادة العليا في حماس.
حقيقة أن هنية والسنوار يعملان من القطاع هي أمر غير مسبوق. يدور الحديث عن شخصين كاريزماتيين مع قدرة خطابية مقنعة. ولكن مصالح هنية والسنوار، سواء العامة أو الخاصة، مختلفة. أحدهما يحاول التغطية على الآخر ـ في الوقت الذي يعد فيه الادعاء الأساسي ضد السنوار من قبل رجال هنية، فإن السنوار يرقي ويقوي رجاله في الذراع العسكري على حساب سمعة هنية وكبار رجال الذراع السياسي. خالد مشعل وسلفه موسى أبو مرزوق (الذي عينه مشعل بعد ذلك نائباً له) عملا بتناغم فعلي مع رجالهما في غزة وفي الضفة. حقيقة أن الاثنين مكثا معظم الوقت في الخارج ولم يسمح لهما بإدارة شؤون الحركة من القطاع أو من الضفة الغربية، ساهمت فقط في الفصل بين النشاط السياسي لحماس ونشاطات الذراع العسكري.
هناك توتر غير مسبوق بين الذراعين العسكري والسياسي في الحركة
حماس بكونها حركة وليدة لحركة «الإخوان»، تحولت إلى هدف في أعقاب تداعيات «الربيع العربي» على الأنظمة في الدول العربية، ووجود زعماء قيادة المنظمة في هذه الدول تحول من ذخر إلى عبء. ليس عبثاً أنه بعد استقالة مشعل وانتخاب هنية رئيساً للمكتب السياسي، حدد نائب هنية، صلاح العاروري، مكان تواجده في لبنان الطائفية والمنقسمة. ولكن محاولة العاروري تثبيت القيادة الأولى للمكتب السياسي في بيروت لم تنجح، لأن معظم كبار رجال المكتب السياسي للحركة ـ غير موجودين في غزة، وغير مستعدين لرفع رؤوسهم في الضفة خوفاً من تصفيتهم من قبل إسرائيل أو الأجهزة الأمنية لأبو مازن ـ وجدوا وسادة نشاط مريحة وواسعة في دول مثل تركيا وماليزيا والباكستان.
رغم محاولات حماس بث الوحدة، فإنه ليس سراً أنه يجري في المنظمة صراع شديد لم يسبق له مثيل، للسيطرة على الحركة. هنية من خلال وظيفته ما زال يسيطر على الموارد المالية للحركة، ولكن السنوار الذي يسيطر على الذراع العسكري كان هو الذي في نهاية الأمر قد اهتم بأن تقوم قطر في الأشهر الستة المقبلة بتحويل 15 مليون دولار شهرياً نقداً.
محاولات جهات مختلفة في الحركة، ومنهم مشعل وكبار رجال الدين، للمصالحة بين هنية والسنوار فشلت. والأيام هي التي ستنبئ إذا ما كانت الأزمة في قيادة حماس تخدم بالأساس إسرائيل وتفيدها كما يدعي الكثيرون في حماس.
دانييل سريوتي
إسرائيل اليوم 22/11/2018