د. يوسف نور عوض
صعود الحركات الإسلامية وخاصة في مصر بعد ثورات الربيع العربي استقطب الاهتمام في معظم أنحاء العالم العربي، وكذلك في العالم الغربي خاصة في الولايات المتحدة التي تبدو ظاهريا على الأقل أنها تؤيد التوجهات الديموقراطية في المنطقة ولا ترغب في أي اتجاه يهدد مصالحها أو مصالح دولة إسرائيل، غير أنه لا يبدو حتى هذه المرحلة أن أمام الولايات المتحدة أي خيار سوى التعامل مع القوى الصاعدة سواء كانت هذه القوى تنطلق من مفهومات دينية أو غير دينية، ويبدو التركيز واضحا في هذه المرحلة على مصر بكونها أكبر بلد عربي من حيث عدد السكان واعتقاد الكثيرين أن أي تحول يحدث فيها سوف يؤثر بصورة تلقائية على بقية الدول العربية.
وإذا توقفنا الآن عند الحراك السياسي في مصر وجدنا أن الإسلاميين يلعبون دورا مهما فيه، وهو ما جعل الكثيرين يتساءلون عن طبيعة النظام الذي يريد الإسلاميون تأسيسه بحسب توجهاتهم حتى هذه المرحلة، وهنا أود التوقف عند دراسة قيمة نشرت في مكتبة الكونغرس الأمريكي وهذه الدراسة تعرف بالحركة الإسلامية في مصر منذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر وحتى هذه المرحلة.
تقول الدراسة إن القاعدة الشعبية في عهدي الرئيس مبارك والسادات كانت أقل من حجمها في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وظلت هذه القاعدة تعتمد أساسا على مجموعات البورجوازيين من ذوي المصالح الذين يتعاونون مع النظام من أجل تحقيق أغراضهم الشخصية أكثر من تحقيق الأهداف الوطنية، وكانت هناك مجموعات أحزاب ولكنها لم تستقطب دعما شعبيا كبيرا.
أما في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، فإن دخول مصر في ضائقة اقتصادية فتح المجال واسعا أمام القوى الإسلامية التي لم تنل في أول أمرها رضا النظام الذي واجهها بشيء من العنف، لكن وجود قوى يسارية وأخرى متطرفة جعل الرئيس أنور السادات يلعب لعبته الكبرى بجعل الإسلاميين يواجهون تلك القوى السياسية، غير أن اتباع سياسة التغريب والانفتاح جعل القوى الإسلامية ترتد عن السادات وتقف في معارضته، وقد استمرت المواجهة خلال فترة حكم الرئيس مبارك الذي اتخذ مواقف صارمة ضد جماعة الجهاد التي لعبت دورا مهما في اغتيال الرئيس السادات والتي مارست أعمال العنف في أسيوط وقامت في عام ألف وتسعمئة وستة وثمانين بهجمات ضد محلات الفيديو والمحلات التي تبيع البضائع الغربية إلى جانب محاولات الاغتيال ضد عدد من كبار المسؤولين، وقد عملت جماعة أخرى وهي الجماعة الإسلامية في مجال السيطرة على اتحادات الطلاب كما تمكنت هذه الجماعة من التفوق على الحزب الوطني الحاكم في هذه الاتحادات منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، وقد اتخذت هذه الجماعة في بعض الأحيان مواقف ضد الأقباط، غير أن أكثر ما أزعج الحكومة هو أنها استطاعت في بعض الأحيان تحريك مظاهرات ضخمة ضد النظام وذلك ما لم يكن يرضاه النظام، وكانت أكبر مواجهة قد حدثت بين الجماعة والحكومة عندما فكرت الحكومة في تعيين نحو أربعين ألف إمام للمساجد ولم يكن لديها هذا العدد وكانت الجماعة تريد أن تسيطر على الأئمة في هذا العدد الكبير من المساجد.
وبدأ نفوذ الإسلاميين يتزايد خاصة في المناطق الفقيرة من البلاد خلال مرحلة الثمانينيات من القرن الماضي، وكان البرلمان قد رفض في عام ألف وتسعمئة وخمسة وثمانين تطبيق الشريعة الإسلامية وذلك ما أثار حنق الكثيرين، وقاد الاحتجاجات في ذلك الوقت الشيخ حافظ سلامة في القاهرة تضاف إلى ذلك المظاهرات الإسلامية التي وقعت في عين شمس خلال مرحلة الثمانينيات، وعلى الرغم من أن هذه الجماعات الإسلامية لم تكن تشكل أغلبية في المشهد السياسي في ذلك الوقت، فإن تحركها في مشهد سياسي راكد أعطاها قوة دفع كبيرة، وقد حاولت الحكومة أن تدق إسفينا بين الجماعات الإسلامية خاصة من فئة الشباب وقد حذر بعض الشيوخ المسموعين من استمرار العنف باسم الإسلام.
وخلال هذه المرحلة بدأت التيارات الإسلامية تعمل من خلال القنوات الرسمية والمعترف بها بحسب ما أتاحه لها نظام الرئيس مبارك وهكذا استطاعت جماعة الإخوان المسلمين وبعض الجماعات الإسلامية الأخرى الدخول إلى البرلمان، وقد وجدت هذه الجماعات طريقها أيضا إلى النظام القضائي والصحافة، ووضعت كثيرا من القوى المدنية في حالة دفاع عن مواقفها المضادة لهم، وشهدت هذه المرحلة تحول كثير من القوى المدنية إلى التيارات الإسلامية وذلك بعد أن فشلت تلك القوى المدنية في أن تتعاون مع النظام بالطرق المشروعة، وهكذا استطاع الإسلاميون خلال هذه المرحلة أن يدخلوا إلى نقابات الأطباء والصحافيين والمحامين كما استطاعوا أن يعكسوا بعض القوانين التي أصدرها السادات وخاصة تلك التي تتعلق بوضع المرأة إذ نجح الإسلاميون في إصدار قرار بأن تتوقف الشركات عن تعيين النساء حتى ينصرفن إلى شؤون الرعاية المنزلية كما نجحوا في جعل الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، وخلال هذه المرحلة قام الإسلاميون بكثير من مشاريع البنية التحتية التي تهم التنظيم مثل بناء المساجد والتعاونيات والعيادات الطبية وغيرها.
ويعتقد الكثيرون أن تدهور الأحوال الاقتصادية في مصر في تلك المرحلة وظهور المصارف الإسلامية وبيوت الاستثمار الإسلامية ساعد كثيرا في تقوية الجماعات الإسلامية وكانت المصارف الإسلامية في نظر الكثيرين أفضل في أدائها من المصارف الحكومية، ولكن بالطبع فإن الاتجاهات الإسلامية اتخذت موقفا متشددا من سائر الأفكار الغربية ولم تتعاون مع الأشخاص الذين كونوا ثروات كبيرة بسبب قربهم من النظام السياسي ولا علاقة لهم بالفكر الذي تنطلق منه الحركات الإسلامية من الناحية النظرية، لكن على الرغم من ذلك فإن القائمين على المصارف الإسلامية تعرضوا لكثير من النقد بسبب ممارسات اعتقد الكثيرون أنها لم تكن قانونية وأضاعت كثيرا من الاستثمارات التي ارتبط بها بعض المواطنين.
ويمكن القول بأن الحركة الإسلامية استفادت في عهد مبارك أكثر مما أفادته في عصر عبد الناصر وعصر السادات لأنه كان هناك قدر من التحمل في عهد مبارك بشرط ألا تتحول الحريات الممنوحة إلى معارضة واضحة لنظام الحكم عن طريق المظاهرات وغيرها وإذا ما خرجت الحركات المعارضة عما هو مسموح به فلن يعدم النظام التهم الجاهزة التي يوجهها إلى معارضيه.
ويبدو مما عرضناه أن الاتجاهات الإسلامية في مصر كانت دائما تعمل في إطار ما يسمح به النظام من حريات بشرط ألا تخرج هذه الحركات عما هو مسموح به أو تشكل خطرا على أمن النظام، ولكن بعد الثورة المصرية الأخيرة تغير الوضع كثيرا لأن الفضاء المصري كان خاليا من أي قوى لها نفوذ قوي في الواقع المصري وبالتالي وجدت القوى الإسلامية الطريق مفتوحا لكي تكتسح الانتخابات البرلمانية وتشكل أول برلمان في تاريخ البلاد يعتمد أساسا على التنظيمات الإسلامية ويبدو مما عرضناه أن الاتجاهات الإسلامية في مصر كانت دائما تعمل في إطار ما يسمح به النظام من حريات بشرط ألا تخرج هذه الحركات عما هو مسموح به أو تشكل خطرا على أمن النظام، ولكن بعد الثورة المصرية الأخيرة تغير الوضع كثيرا لأن الفضاء المصري كان خاليا من أي قوى لها نفوذ قوي في الواقع المصري وبالتالي وجدت القوى الإسلامية الطريق مفتوحا لكي تكتسح الانتخابات البرلمانية وتشكل أول برلمان في تاريخ البلاد يعتمد أساسا على التنظيمات الإسلامية وتفكر هذه التنظيمات في الوقت الحاضر في خوض انتخابات الرئاسة وبصفة عامة تريد التيارات الإسلامية القبض على مقاليد السلطة في البلاد ولكن التحدي الأكبر سيكون دائما هو شكل الحكم الذي ستؤسسه في غياب تجربة متكاملة يمكن الاعتماد عليها من أجل وضع إطار شامل لنظام حكم جديد.’ كاتب من السودان