الخليج: من يغيٍر ومن يتغيًّر؟

حجم الخط
0

الخليج: من يغيٍر ومن يتغيًّر؟

الخليج: من يغيٍر ومن يتغيًّر؟د. علي محمد فخرو العلاقات بين الطبقة المهيمنة والطبقة المهيمن عليها في المجتمعات البشرية قد درست علي عـدة مستويات. فعلي المستوي الاقتصادي ركًّّّّّّّّّّّّّّّّزت الدراسات، وعلي الأخص الماركسية منها، علي العلاقة الإستغلالية بين طبقة مالكي رأس المال ووسائل الإنتاج من جهة وبين طبقة العاملين الأجيرين المنتجين من جهة ثانية، ثم أعقبت ذلك دراسات كثيرة قام بها علماء الاجتماع حول الفروق في الحياة الاجتماعية بين الطبقتين. وفي العقود الأخيرة، وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق، وبعد دخول المؤسسات الممثلة للطبقة العاملة من مثل إتحادات النقابات والأحزاب الشيوعية والاشتراكية في حالة تشرذم وضعف شديدين، وبعد تغيٌّر تركيبة وطبيعة الرأسمالية في ظلٍّ تأسيس الشركات العالمية الكبري وفي ظلٍّ علاقات العولمة البالغة التعقيد، إنتقل علماء الاجتماع إلي دراسة العلاقات الثقافية بين الطبقة المهيمنة والطبقة المهيمن عليها. وبدأ الحديث عن الرأسمال الثقافي بدلاً من الحديث السابق عن الرأسمال الاقتصادي وقد عزًّز ذلك الانتقال في الدراسات إلي المستوي الثقافي في العلاقات دخول العالم عصر المعلومات. وكالعادة بدأت تتضح معالم العلاقات الاستغلالية بين من يملكون مصادر المعلومات وإنتاجها ووسائل توزيعها من جهة وبين من يرغبون في الاستفادة من تلك المعلومات، ولكن لا يملكون مصادر إنتاجها وتوزيعها، من جهة أخري.مناسبة الحديث عن تلك العلاقات التاريخية والمتغيٍّرة المتطورة دوماً بين الجماعات المهيمنة والجماعات المهيمن عليها، والتي درست باستفاضة في المجتمعات الغربية علي الأخص، هو مايشاهده المراقب في الساحة الاجتماعية العربية الخليجية من علاقة ثقافية اجتماعية ملفتة للنظر ومحيٍّرة. فمنذ بضعة عقود، وقبل أن تدخل مجتمعات الخليج في عصر الرًّيع المالي البترولي الهائل، كانت الجماعات الخليجية المتعلمة والمثقفة والمتخرجة حديثاً من مختلف الجامعات العربية والعالمية تفخر وتعتزُّ باختلاف ممارساتها الاجتماعية ومواقفها الثقافية وتطلعاتها الفكرية عن ممارسات ومواقف القوي التي كانت تحكم أو تهيمن علي مجتمعات الخليج آنذاك والتي كانت في مجملها قوي قبلية متواضعة في قدراتها الاقتصادية وفي تميزاتها الاجتماعية وفي امتلاكها لثقافة العصر الحديث. كانت الجماعات الخليجية المتعلمة تحاول بوضوح في التميز في ملبسها وطعامها وعاداتها وولاءاتها الاجتماعية ومؤسساتها الثقافية وانتماءاتها السياسية، أي في كل أنماط عيشها. وكانت تعتبر ذلك جزءاً من ثورتها علي التخلف وأنماط العيش البدائي ومن طموحاتها المندفعة العميقة في أن تساهم بقوة في ربط نفسها ومجتمعاتها بكل متطلبات العصرنة والحداثة المادية والمعنوية والفكرية. لكن تلك العلاقة بين من أهلهم التعليم الحديث ليكونوا نواة الطبقة الوسطي في الخليج، من معلمين وأطباء ومهندسين واداريين وغيرهم من المهنيين والتكنوقراطيين، وبين قوي الحكم والمال الصاعدة والمهيمنة في الخليج الجديد قد تبدلت تبدلاً عكسياً جذرياً يستحق أن يدرس كأنموذج آخر مختلف عن الأنموذج الغربي في تحولاته الكبري التي تتابعت بعد السقوط المذهل للاشتراكية الدولية. ولا بدًّ من محاولة الإجابة علي أسئلة مفصلية في هذا الشأن، فأولاً هناك حاجة لتعريف تلك التغيرات وطبيعتها، هل هي مرحلية مرتبطة بانتهازية اقتصادية للطبقة الوسطي المتعلمة الخليجية. وهي تحاول أن تحصل علي أكبر نصيب لها من الريع البترولي المتنامي والمؤقت في الوقت نفسه وذلك قبل أن يفوتها قطار النهب والغنائم، أم أنها تغيرات فكرية ستكون معنا لسنين طويلة. ثم ما مدي ارتباط كل ذلك بثقافة العولمة وثقافة النمط الرأسمالي الاستهلاكي التي تهبُّ علي منطقتنا بقوة فتقتلع في طريقها كل الثوابت القديمـة. ثم ماهي الأخطار التي يحملها ذلك التغيُّر علي المشروع النهضوي برمته؟ والواقع أن الأسئلة كثيرة.التغير في العلاقة بين من كانوا يعتبرون طلائع النهوض والتقدم والحداثة في الخليج وبين من كانوا يعتبرون عقبات في طريق ذلك النهوض والتقدم ستكون له إنعكاساته العميقة. من هنا سيحتاج إلي تشخيص وإلي علاج قبل فوات الأوان.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية